مطالب بإستراتيجية لتوطين القطاع.
خبراء لـ" الشرق": الشركات الاستشارية الأجنبية تستحوذ على السوق المحلي- محمد بن طوار: دعم القطاع الاستشاري الوطني ضرورة اقتصادية- د.
ثاني بن علي آل ثاني: قيمة اقتصادية عالية تغادر السوق المحلي بسبب الشركات الأجنبية- د.
يوسف الحر: القطاع الاستشاري القطري جاهز للمنافسة- د.
بثينة الأنصاري: المرحلة المقبلة يجب أن تشهد بناء شركات استشارية وطنية- د.
محمد المسلماني: المتقاعدون أحد أهم الأصول المعرفية في الدولة- الشركات الأجنبية تسيطر على 73 % من قيمة الترسيات الحكومية- حمد الجابر: على الشركات الاستشارية دعم القطاع الخيري كجزء من مسؤوليتها الاجتماعية- بثينة عبد الغني: الكفاءات النسائية الوطنية شريك فاعل في تحقيق أهداف التنمية- عمر اليافعي: الفهم المحلي ميزة تنافسية للشركات الاستشارية الوطنية- الشراكات المحلية تمتلك فهماً أعمق للبيئة الحكومية في الدولةأظهرت نتائج تحليل عينة من المناقصات التي تمت ترسيتها خلال السنوات الثلاث الماضية 2023-2025 بحسب البيانات المفتوحة المنشورة على موقع المشتريات الحكومية التي تديره وزارة المالية – أن الشركات الأجنبية ما تزال اللاعب الرئيسي في سوق الاستشارات الحكومية في قطر.
فمن أصل 247 عقداً ومناقصة تم تحليلها، حصلت الشركات الأجنبية على 155 عقداً تمثل نحو 63% من إجمالي العقود، مقابل 92 عقداً للشركات المحلية.
غير أن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى القيمة المالية للعقود، حيث استحوذت الشركات الأجنبية على ما يقارب 2.
36 مليار ريال قطري، أي ما يعادل 73% من إجمالي قيمة الترسيات، في حين بلغت حصة الشركات المحلية نحو 871 مليون ريال فقط، بما يمثل 27% من إجمالي السوق.
وتشير هذه النتائج إلى أن المشاريع الاستراتيجية ذات القيم المرتفعة ما تزال تتركز بشكل كبير لدى الشركات العالمية، بينما تنحصر مشاركة الشركات الوطنية بصورة أكبر في المشاريع المتوسطة والصغيرة.
ولتسليط الضوء على هذا الموضوع المهم، أجرت «الشرق» تحليلاً استقصائياً موسعاً استند إلى البيانات المتاحة من المصادر الحكومية المفتوحة، وفي مقدمتها منصة المشتريات الحكومية التابعة لوزارة المالية.
وشمل التحليل مراجعة المناقصات والعقود الاستشارية التي تمت ترسيتها خلال السنوات الثلاث الماضية، بهدف تكوين صورة دقيقة عن واقع سوق الخدمات الاستشارية في دولة قطر واتجاهاته الرئيسية.
واعتمد التحقيق على عينة واسعة من العقود الاستشارية الممنوحة للشركات الأجنبية والمحلية، والتي تغطي طيفاً متنوعاً من مجالات الاستشارات الإدارية والتطويرية، بما في ذلك التحول الرقمي، والتطوير المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأداء، وإعادة هيكلة الأعمال، إضافة إلى الخدمات المرتبطة بالتحسين المستمر ورفع كفاءة المؤسسات الحكومية والخاصة.
وقد أتاح هذا التحليل بناء قراءة كمية ونوعية لحجم السوق، وتوزيع العقود، ومستوى مشاركة الشركات الوطنية مقارنة بالشركات العالمية العاملة في الدولة.
- قطاع إستراتيجي يقود التحول الوطنيأصبحت الخدمات الاستشارية خلال السنوات الأخيرة أحد أهم القطاعات الداعمة لمسيرة التنمية والتحول المؤسسي في دولة قطر.
فمن إعداد الاستراتيجيات الوطنية والسياسات العامة، إلى دعم مشاريع التحول الرقمي والتطوير المؤسسي والتميز الحكومي، تلعب الشركات الاستشارية دوراً محورياً في تمكين الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص من تحقيق أهدافها التنموية والاقتصادية.
ومع تسارع تنفيذ مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة 2030، ازدادت الحاجة إلى الخبرات التخصصية القادرة على قيادة مشاريع التحول الكبرى، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم الإنفاق الحكومي على الخدمات الاستشارية وعلى تنامي حضور الشركات الاستشارية العالمية في السوق القطري.
ورغم الدور المهم الذي لعبته هذه الشركات العالمية الكبرى في دعم العديد من المشاريع الوطنية، فإن تنامي حجم العقود الممنوحة لها فتح الباب أمام نقاش متزايد حول مستقبل القطاع الاستشاري الوطني، ومدى قدرته على المنافسة، وحجم المعرفة التي يتم نقلها إلى السوق المحلي، وكيفية تعظيم القيمة الاقتصادية الناتجة عن هذا الإنفاق.
- أرقام تكشف حجم السوق الاستشاريتكشف نتائج تحليل المناقصات والعقود الحكومية خلال السنوات الثلاث الماضية 2023-2025 بحسب البيانات المفتوحة المنشورة على موقع المشتريات الحكومية التي تديره وزارة المالية – عن سوق استشاري تتجاوز قيمته 3.
2 مليار ريال قطري موزعة على 247 عقداً ومناقصة استشارية في مجالات متعددة تشمل التحول الرقمي والتطوير المؤسسي والابتكار والتميز المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأداء.
وبلغ متوسط قيمة العقد الواحد نحو 13 مليون ريال قطري، بينما بلغ الوسيط المالي للعقود حوالي 3.
4 مليون ريال فقط، وهو ما يشير إلى وجود عدد محدود من العقود الكبرى التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق الحكومي في هذا القطاع.
وتعكس هذه الأرقام بوضوح أن الاستشارات لم تعد خدمة مساندة أو نشاطاً ثانوياً، بل أصبحت صناعة معرفية مؤثرة ترتبط بصورة مباشرة بمشاريع التنمية الوطنية والتحول المؤسسي داخل الدولة.
وتظهر النتائج أن الشركات الأجنبية ما زالت تهيمن على سوق الخدمات الاستشارية في المشاريع الكبرى والاستراتيجية، إذ حصلت على 155 مناقصة تمثل 62.
8% من إجمالي عدد المناقصات، مقابل 92 مناقصة للشركات المحلية بنسبة 37.
2%، إلا أن الفجوة تتسع بصورة أكبر عند النظر إلى القيمة المالية، حيث استحوذت الشركات الأجنبية على ما يقارب 2.
36 مليار ريال قطري، أي ما نسبته 73% من إجمالي قيمة الترسيات، في حين بلغت حصة الشركات المحلية نحو 871 مليون ريال قطري فقط، بما يعادل 27% من إجمالي السوق.
كما تعكس البيانات تركّز المشاريع ذات القيمة المرتفعة لدى الشركات الأجنبية، حيث بلغت أكبر مناقصة ممنوحة لشركة أجنبية 400 مليون ريال قطري لصالح إحدى الشركات العالمية المتخصصة في الاستشارات الإدارية لدعم برامج التحول في القطاع الصحي.
ومن زاوية أخرى، تشير البيانات إلى وجود فرص كبيرة لتعزيز دور الشركات الاستشارية الوطنية، خاصة أن ما يقارب ثلاثة أرباع الإنفاق الاستشاري الحكومي يتجه إلى شركات أجنبية.
ويعكس ذلك الحاجة إلى تطوير سياسات أكثر فاعلية لدعم الشركات الوطنية، بما يساهم في رفع تنافسية القطاع الاستشاري القطري وتحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني.
وأظهرت نتائج الدراسة أن الإنفاق الحكومي على الخدمات الاستشارية يتركز لدى مجموعة من الجهات الحكومية التي تقود مشاريع التحول والتنمية الوطنية في الدولة.
وفي مقدمة هذه الجهات جاء المجلس الوطني للتخطيط، الذي تصدر قائمة الجهات الأعلى إنفاقاً على الخدمات الاستشارية، يليه ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ثم وزارة الصحة العامة ومؤسسة حمد الطبية، إلى جانب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء (كهرماء)، وشركة سكك الحديد القطرية (الريل)، ووزارة التربية والتعليم والتعليم العالي.
كما شملت قائمة الجهات الأكثر استعانة بالخدمات الاستشارية عدداً من المؤسسات والهيئات الحكومية الأخرى المرتبطة بالتخطيط الاستراتيجي، والتحول الرقمي، وتطوير الخدمات الحكومية، وإدارة الموارد البشرية، والتنمية الاقتصادية.
ويعكس هذا التركز طبيعة المشاريع التحولية والاستراتيجية التي تنفذها هذه الجهات، وحاجتها إلى خبرات تخصصية في مجالات التخطيط والسياسات العامة وإدارة التغيير والتحول المؤسسي، بما يدعم تحقيق مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 واستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة.
وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن سوق الخدمات الاستشارية في قطر يشهد نمواً متواصلاً وحجماً مالياً كبيراً، إلا أن التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن أفضل بين الاستفادة من الخبرات العالمية المتخصصة من جهة، وتمكين الشركات الوطنية من جهة أخرى، بما يضمن تعظيم الأثر الاقتصادي المحلي ونقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية بصورة مستدامة.
- هل تعكس الأرقام فجوة في القدرات أم فجوة في الفرص؟يرى العديد من الخبراء الذين تحدثوا لـ الشرق في هذا التحقيق أن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تقود إلى استنتاجات متسرعة حول قدرات الشركات الوطنية.
فالشركات المحلية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على تنفيذ مشاريع كبيرة ومعقدة، إلا أن حجم الفرص المتاحة لها ما يزال محدوداً مقارنة بالشركات العالمية التي تتمتع بتاريخ طويل وشبكات علاقات دولية واسعة وخبرات تراكمية تمتد لعقود.
كما أن بعض الجهات الحكومية ما تزال تميل إلى التعاقد مع بيوت الخبرة العالمية في المشاريع الكبرى، باعتبارها تمتلك سجلاً عالمياً واسعاً.
القضية الأساسية التي يطرحها التحقيق لا تتمثل في جدوى الاستعانة بالشركات الأجنبية، بل في كيفية الاستفادة منها.
فالعديد من الدول التي نجحت في بناء قطاعات استشارية وطنية قوية لم تبدأ من الصفر، وإنما اعتمدت في مراحلها الأولى على الشركات العالمية، ثم عملت بصورة تدريجية على نقل المعرفة وبناء الكفاءات المحلية وتطوير شركات وطنية قادرة على المنافسة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم؛ هل تساهم العقود الاستشارية الحالية في بناء القدرات الوطنية ونقل المعرفة؟ أم أن المعرفة تغادر مع انتهاء المشروع الاستشاري؟- دعم القطاع الاستشاري الوطني ضرورةيرى السيد محمد بن أحمد بن طوار الكواري، النائب الأول لرئيس غرفة قطر، أن تمكين القطاع الخاص القطري في مجال الاستشارات الإدارية والتحول الرقمي يجب أن يشكل أحد المسارات الرئيسية المرتبطة باستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة.
ويؤكد أن بناء قطاع استشاري وطني قوي لا يسهم فقط في تعزيز المحتوى المحلي، بل يساهم أيضاً في خلق فرص عمل نوعية، وتنمية الاقتصاد المعرفي، والمحافظة على جزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل الدولة.
مؤكدا أن الغرفة على أتم الاستعداد للانخراط في حوار وطني جاد بهدف توطين صناعة الاستشارات.
- الشركات المحلية تفهم السياق القطريأما الدكتور ثاني بن علي آل ثاني، مؤسس مكتب ثاني بن علي آل ثاني للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم وعضو مجلس إدارة مركز قطر الدولي للتوفيق والتحكيم بغرفة قطر فيرى أن أحد أهم الحلول يتمثل في تعزيز التعاون بين الشركات الأجنبية والشركات الوطنية.
ويؤكد أن الشركات المحلية تمتلك فهماً أعمق للبيئة التنظيمية والثقافية والإدارية في الدولة، في حين تمتلك الشركات العالمية خبرات تخصصية واسعة، وأن الجمع بين الطرفين يمكن أن يحقق قيمة مضافة كبيرة للمشاريع الوطنية.
يؤكد أن بيانات الدراسة تكشف عن قضية اقتصادية مهمة تتمثل في حجم القيمة الاقتصادية التي تغادر السوق المحلي نتيجة الاعتماد المكثف على الشركات الأجنبية.
فحين تستحوذ الشركات العالمية على ما يزيد عن 3.
2 مليار ريال من العقود الاستشارية خلال ثلاث سنوات، فإن جزءاً مهماً من هذه القيمة يعود إلى مقارها الإقليمية أو العالمية أو إلى الخبراء الدوليين العاملين لديها.
ومن هنا يبرز مفهوم المحتوى المحلي باعتباره أحد أهم الأدوات لتعظيم العائد الاقتصادي من الإنفاق الحكومي على الاستشارات، سواء من خلال تشغيل الكوادر الوطنية أو إشراك الشركات المحلية أو نقل المعرفة والخبرات إلى السوق القطري.
ويدعو الدكتور ثاني بن علي إلى العمل ضمن خطة استراتيجية لتوطين هذا الصناعة.
- هل قطاعنا الاستشاري جاهز للمنافسة؟يؤكد الدكتور يوسف الحر، رئيس مجلس إدارة المنظمة الخليجية للبحث والتطوير، وهي منظمة استشارية غير هادفة للربح، أن التجارب الوطنية خلال السنوات الماضية أثبتت قدرة المؤسسات والشركات القطرية على تقديم خدمات استشارية بمعايير عالمية.
ويشير الحر إلى أن عدداً من المؤسسات الوطنية نجح في تطوير حلول ومنهجيات وتطبيقات أصبحت تحظى باعتراف إقليمي ودولي، وهو ما يؤكد أن القطاع الاستشاري القطري يمتلك المقومات اللازمة للانتقال إلى مرحلة جديدة من النمو والتوسع.
- الاستفادة من الخبرات العالميةفي نهاية المطاف، لا تتمثل القضية في الاختيار بين الشركات الأجنبية والشركات الوطنية، فالدول المتقدمة والناشئة على حد سواء تستفيد من الخبرات العالمية في مختلف المجالات.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء نموذج متوازن يحقق ثلاثة أهداف متزامنة: الاستفادة من أفضل الخبرات الدولية، ونقل المعرفة إلى الكفاءات الوطنية، وبناء قطاع استشاري قطري قادر على المنافسة محلياً وإقليمياً وعالمياً.
فإذا نجحت الدولة في تحقيق هذا التوازن، فإن مليارات الريالات التي تنفق على الخدمات الاستشارية لن تكون مجرد تكلفة تشغيلية، بل استثمار استراتيجي طويل الأمد في بناء اقتصاد المعرفة وتعزيز تنافسية دولة قطر خلال العقود المقبلة.
- إستراتيجية وطنية لتوطين قطاع الاستشاراتتؤكد الدكتورة بثينة حسن الأنصاري خبيرة في إعداد الاستراتيجيات الوطنية، أن الدولة بحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لتوطين قطاع الاستشارات بالتوازي مع تنفيذ استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة.
وترى أن الاستعانة بالشركات العالمية ستظل ضرورة في المجالات المتخصصة ولكن لفترة محددة، إلا أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد بناء وتطوير شركات استشارية وطنية قادرة على دعم جهود الدولة في التطوير والتحسين المستمر على المدى المتوسط والبعيد.
وأشارت الدكتورة بثينة إلى أن دولة قطر قدمت نموذجاً ناجحاً في توطين واحدة من أكثر الصناعات تعقيداً على مستوى العالم، وهي صناعة النفط والغاز، التي تعتمد على تقنيات متقدمة وخبرات هندسية وفنية عالية التخصص.
ورغم أن هذه الصناعة كانت تعتمد في مراحلها الأولى بشكل كبير على الخبرات والشركات العالمية، إلا أن الدولة استطاعت، من خلال رؤية واضحة واستثمارات طويلة الأجل وسياسات داعمة، بناء كوادر وطنية ومؤسسات وشركات محلية أصبحت اليوم شريكاً أساسياً في قيادة هذا القطاع الحيوي وتحقيق إنجازات تنافسية على المستوى العالمي.
وأضافت أن قطاع الاستشارات الإدارية والفنية، رغم أهميته الاستراتيجية، يعد أقل تعقيداً من قطاع النفط والغاز من حيث المتطلبات الفنية والتكنولوجية، الأمر الذي يجعل توطينه هدفاً واقعياً وقابلاً للتحقيق إذا ما توافرت الإرادة والسياسات الداعمة.
وأكدت أن نجاح هذا التوجه يتطلب تبني قرار وطني واضح، مدعوماً بخطة تنفيذية متدرجة وبرامج تحفيزية تسهم في تمكين الشركات الاستشارية الوطنية وتعزيز قدرتها على المنافسة والنمو.
وأوضحت أن معالجة الفجوات الحالية في القدرات الاستشارية المحلية لا تستدعي بالضرورة الاستمرار في الاعتماد الكامل على الشركات الأجنبية، بل يمكن تبني نماذج أكثر استدامة تقوم على تشكيل ائتلافات تقودها الشركات الوطنية الاستشارية لتنفيذ المشاريع الحكومية الكبرى.
وبيّن أن هذه الشراكات ينبغي ألا تقتصر على تنفيذ الأعمال فحسب، بل يجب أن تتضمن برامج واضحة لنقل المعرفة والخبرات وبناء القدرات المؤسسية والفنية للشركات الوطنية طوال فترة تنفيذ المشروع، بما يضمن جاهزيتها لتولي أدوار أكبر في المستقبل.
وأشارت إلى أن هذا النموذج هو ذاته الذي اتبعته دولة قطر بنجاح في قطاع النفط والغاز، حيث شكلت الشراكات مع الشركات العالمية منصة لنقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير الكفاءات الوطنية، الأمر الذي مكن الدولة من بناء قاعدة وطنية قوية قادرة اليوم على إدارة وتشغيل وتطوير مشاريع تعد من الأكبر والأكثر تعقيداً على مستوى العالم.
وفي ختام تصريحاتها للشرق تقول الدكتورة بثينة الأنصاري إن نجاح هذه الرؤية يتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية وغرفة قطر ورابطة رجال الأعمال والمؤسسات المختلفة لوضع خريطة طريق واضحة لتطوير القطاع الاستشاري المحلي.
- الفهم المحلي ميزة تنافسيةويؤكد الأستاذ عمر ثابت اليافعي أستاذ التخطيط المؤسسي في كلية المجتمع أن أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها الكفاءات الوطنية يتمثل في فهمها العميق للسياق القطري على المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتنظيمية.
ويشير إلى أن نجاح العديد من المشاريع الاستراتيجية لا يعتمد فقط على المعرفة الفنية، وإنما يحتاج أيضاً إلى فهم البيئة المحلية وطبيعة المجتمع والمؤسسات وثقافتها، وهي عناصر يصعب نقلها عبر التقارير أو الدراسات النظرية.
- المتقاعدون ثروة غير مستغلةمن جانبه، يرى الدكتور محمد جاسم المسلماني مدير إدارة البيئة والصحة والسلامة في قطر للبترول سابقا ( قطر للطاقة ) أن المتقاعدين القطريين يمثلون أحد أهم الأصول المعرفية التي تمتلكها الدولة، وأن الاستفادة من خبراتهم المتراكمة يمكن أن تشكل رافداً أساسياً لتطوير قطاع الاستشارات الإدارية واستشارات التحول الرقمي.
ويؤكد أن مئات الكفاءات الوطنية التي عملت لعقود في قطاعات النفط والغاز والبنوك والقطاع الحكومي والقطاعات الإنتاجية المختلفة تمتلك خبرات عملية ومعرفية عالية المستوى، تؤهلها للإسهام في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة من الاستشاريين الوطنيين.
ويدعو المسلماني إلى تطوير إطار وطني للاستفادة من هذه الخبرات من خلال دعم الشركات الاستشارية الوطنية، وتشجيع الشركات الأجنبية على إشراك الاستشاريين القطريين المتقاعدين في تنفيذ المشاريع الكبرى، بما يضمن نقل الخبرات وتعزيز المحتوى المحلي.
كما يقترح إطلاق مبادرة وطنية بالتعاون مع وزارة العمل ضمن برامج التوطين القائمة، تهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات للخبرات الوطنية المتقاعدة وربطها بفرص العمل الاستشاري، بما يسهم في تحويل هذه الخبرات المتراكمة إلى قيمة اقتصادية ومعرفية مستدامة تدعم جهود التنمية الوطنية.
ويطرح المهندس حمد سالم الجابر، مدير مكتب التخطيط والتميز المؤسسي بجمعية قطر الخيرية، رؤية مختلفة تتجاوز الجوانب الاقتصادية والتجارية المرتبطة بقطاع الاستشارات، لتسلط الضوء على المسؤولية المجتمعية للشركات الاستشارية العالمية العاملة في دولة قطر، والدور الذي يمكن أن تضطلع به في دعم القطاع الخيري وغير الهادف للربح.
وفي هذا الصدد يقول الجابر إن العديد من الشركات الاستشارية العالمية الكبرى حول العالم تخصص جزءاً من وقتها ومواردها لتقديم خدمات استشارية مجانية أو مدعومة للمؤسسات غير الربحية والجمعيات الخيرية ضمن برامج المسؤولية المجتمعية المؤسسية (CSR) أو من خلال ما يعرف عالمياً ببرامج Pro Bono Consulting، والتي تقوم على تقديم خبرات استشارية احترافية دون مقابل أو بتكلفة رمزية لدعم المؤسسات ذات الأثر المجتمعي.
ويرى الجابر أن القطاع الخيري في دولة قطر يمثل أحد أهم القطاعات الوطنية التي يجب أن تستفيد من هذا النوع من الدعم، خاصة في ظل الدور المتنامي الذي تقوم به المؤسسات الخيرية القطرية على المستويين المحلي والدولي، وحجم المشاريع الإنسانية والتنموية التي تنفذها في عشرات الدول حول العالم.
ويؤكد أن هذه المؤسسات تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالتحول الرقمي، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والامتثال، وقياس الأثر، والابتكار المؤسسي، والاستدامة المالية، وهي جميعها مجالات تمتلك فيها الشركات الاستشارية العالمية خبرات متقدمة يمكن أن تقدم قيمة مضافة كبيرة للقطاع.
ويؤكد الجابر أن تطوير القطاع الخيري يمثل في نهاية المطاف استثماراً في التنمية الوطنية، نظراً للدور الحيوي الذي تقوم به المؤسسات الخيرية في دعم الفئات المستفيدة، وتعزيز التماسك المجتمعي، والمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ولذلك فإن إشراك الشركات الاستشارية العالمية في دعم هذا القطاع من خلال خبراتها ومعارفها المتخصصة يمكن أن يشكل نموذجاً متقدماً للشراكة بين القطاع الخاص والقطاع غير الربحي، ويسهم في بناء مؤسسات خيرية أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على تعظيم أثرها التنموي داخل دولة قطر وخارجها.
من جهتها تؤكد الدكتورة بثينة عبدالله عبد الغني رئيس مجلس إدارة مؤسسة حضارة للبحوث والتنمية المجتمعية أن دولة قطر تمتلك نخبة متميزة من الاستشاريات القطريات المؤهلات للمساهمة بفاعلية في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية والتنموية، خاصة في المجالات المرتبطة بالتنمية الاجتماعية والتطوير المؤسسي والسياسات العامة.
وتؤكد أن هذه الكفاءات الوطنية تمثل مورداً مهماً يمكن الاستفادة منه بصورة أكبر في دعم مستهدفات استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، ولا سيما النتيجة الاستراتيجية المتعلقة ببناء مجتمع متماسك معتز بقيمه.
وأضافت أن الاستشاريات القطريات يمتلكن ميزة تنافسية تتمثل في فهمهن العميق للخصوصية الاجتماعية والثقافية للمجتمع القطري، وهو ما يتيح لهن المساهمة في تصميم حلول ومبادرات أكثر مواءمة لاحتياجات الأسرة والفرد والمجتمع.
كما دعت الشركات الاستشارية الأجنبية إلى تعزيز التعاون مع الكفاءات النسائية الوطنية، بما يحقق التكامل بين الخبرات العالمية والمعرفة المحلية، ويسهم في تطوير حلول أكثر فاعلية واستدامة تخدم أهداف التنمية الوطنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك