في وقت شهدت مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، أمس السبت، هدوءاً حذراً بعد تعرضها لسلسلة من الهجمات الجوية قرابة الـ10 أيام متواصلة بواسطة مسيرات قوات" الدعم السريع"، مستهدفة البنية التحتية والمرافق الحيوية، نفذ الطيران الحربي التابع للجيش هجوماً جوياً مكثفاً على مواقع وتجمعات الأخيرة في مناطق عدة تقع في محيط مدينة بارا بالولاية نفسها، وذلك بهدف منع أي هجوم بري محتمل على الأبيض، فضلاً عن إضعاف القدرات الهجومية للجماعة.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن الهجوم الجوي الذي نفذته مسيرات الجيش شمل طريق الصادرات وعدداً من المواقع في أم صميمة وأبو قعود بالقرب من الأبيض.
كما طاول الهجوم أيضاً أهدافاً متحركة للدعم السريع في مناطق حمرة الشيخ وجبرة الشيخ، فضلاً عن سودري وأم بادر بشمال كردفان.
وأكدت المصادر ذاتها، أن الضربات الجوية أسفرت عن تدمير نحو 20 مركبة قتالية بكامل عتادها، ومقتل وإصابة عشرات العناصر من قوات" الدعم السريع".
في الوقت نفسه، دفع الجيش بتعزيزات عسكرية ضخمة تجاه مناطق رهيد النوبة بشمال كردفان، شملت تشكيلات مختلفة تضمنت عناصر من القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة، إضافة إلى مقاتلين من قوات درع السودان وجهاز الاستخبارات العامة، حيث تعد رهيد النوبة منطقة دفاع متقدمة عن مدينة أم درمان.
كما نفذت وحدات من الجيش عملية تمشيط واسعة في محوري شمال وغرب الأبيض عقب الضربات الجوية على تمركزات" الدعم السريع"، وفق مصادر ميدانية مقربة للجيش.
وتسيطر قوات" الدعم السريع" على مدينة بارا التي تعد البوابة الغربية لعاصمة شمال كردفان (الأبيض) منذ أشهر، فيما يحاول الجيش التمركز في محيطها لمنع أي تقدم نحو الأبيض، التي تُعد خط الدفاع الأخير للجيش في إقليم كردفان الكبرى.
ويأتي الهجوم الجوي للجيش في وقت تواصل فيه قوات" الدعم السريع" الدفع بتعزيزات كبيرة إلى محيط الأبيض، وسط مؤشرات على استعدادها لشن هجوم بري واسع على المدينة، وسط مخاوف من تأزم الوضع الإنساني في المدينة التي تأوي مئات الآلاف من النازحين الفارين من دارفور وكردفان.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قد حذرا الخميس الماضي من خطر موجة جديدة من العنف تطاول الأبيض، في ظل حشود عسكرية كبيرة لقوات" الدعم السريع" وتصاعد هجمات الطائرات المسيرة والقصف المدفعي.
في الأثناء، أبدى أعضاء مجلس الأمن الدولي قلقهم إزاء التقارير التي تشير إلى حشد قوات" الدعم السريع" تعزيزات عسكرية كبيرة حول مدينة الأبيض، الأمر الذي يمهد لشن هجوم بري محتمل على المدينة.
وأشار أعضاء المجلس، في بيان، إلى إنهم يشعرون بالقلق إزاء خطر وقوع فظائع جماعية في الأبيض، فضلاً عن استمرار العنف في مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك التقارير التي تشير إلى تصاعد القتال في ولايات كردفان، داعياً أطراف النزاع إلى وقف القتال فوراً.
وشدد البيان على ضرورة حماية المدنيين من قبل الجيش و" الدعم السريع"، والالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وتنفيذ التعهدات الواردة في إعلان جدة، مطالباً بالتحقيق في جميع التجاوزات والانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما طالب جميع الأطراف بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومن دون عوائق، وتسهيل مرور المدنيين بصورة آمنة وفقاً للقانون الدولي.
وحث البيان الدول الأعضاء على الامتناع عن أي تدخل خارجي في شأنه تأجيج الصراع وزعزعة الاستقرار، ودعم جهود تحقيق سلام دائم في السودان، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأكد أعضاء مجلس الأمن مجدداً التزامهم بسيادة السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، وجددوا رفضهم إنشاء سلطة حكم موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات" الدعم السريع".
في السياق، شن طيران الجيش أمس السبت غارة جوية استهدفت رتلاً ضخماً من الإمدادات العسكرية التابعة لقوات" الدعم السريع" في المثلث الحدودي الاستراتيجي الذي يربط بين السودان ومصر وليبيا.
ووفق مصادر عسكرية، فإن القافلة التي جرى استهدافها كانت تضم عشرات المركبات القتالية المحملة بالذخائر والمعدات اللوجستية الثقيلة، مشيرة إلى أن هذه الضربة تعكس ما يشهده الجيش من تطور نوعي في قدرات الرصد والاستهداف، وقدرته على الوصول إلى أهداف بعيدة المدى كانت الجماعة تعتمد عليها في تعزيز وجودها الميداني.
وتعد منطقة المثلث الحدودي من أكثر النقاط تعقيداً وحساسية، إذ استغلتها" الدعم السريع" لشهور طويلة كمعبر رئيس لإدخال إمداداتها من الأسلحة والوقود لدعم عملياتها في الداخل السوداني.
اقتصادياً، أقرت اللجنة الاقتصادية العليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس، حزمة من السياسات والإجراءات العاجلة الرامية إلى تعزيز الاستقرار المالي والنقدي في البلاد، وذلك في إطار مساعيها المتواصلة لمعالجة التحديات الاقتصادية الراهنة وتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين.
كما أجرى الاجتماع خلال مداولاته تقييم دقيق وشامل للأداء الاقتصادي، إضافة إلى مناقشة تدابير عملية لتأمين حاجات البلاد من السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها المشتقات البترولية.
وقرر الاجتماع، بحسب بيان صادر عن اللجنة الاقتصادية، دخول الحكومة بشكل مباشر في عمليات استيراد الوقود لضبط السوق والتحكم في تقلبات سعر الصرف، مما يسهم في استقرار أسعار السلع والخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية.
كما ناقش الاجتماع آليات تفعيل حزمة من السياسات النقدية التي تهدف إلى تحسين أداء السوق، وتعزيز الموارد النقدية من العملات الأجنبية لدعم الخزانة العامة.
وتأتي هذه الخطوات استكمالاً للجهود الحكومية المبذولة في الفترة الأخيرة، والتي شهدت تعديلات جوهرية في سياسات شراء وتصدير الذهب، وتنسيقاً وثيقاً بين الوزارات القطاعية لضمان انسياب السلع وتوفيرها بأسعار عادلة، تأكيداً لالتزام الدولة بتطوير بيئة اقتصادية مستقرة تدعم الإنتاج وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد رئيس الوزراء خلال الاجتماع أن هذه السياسات تمثل أولوية قصوى لحكومته، مشدداً على ضرورة الإسراع في تنفيذ التدابير المتفق عليها لضمان وصول أثرها الإيجابي للمواطن بأسرع وقت ممكن.
ومن المتوقع أن تبدأ الأجهزة التنفيذية والوزارات المعنية في وضع هذه التوجيهات موضع التنفيذ الفوري، في وقت تشهد فيه البلاد تكثيفاً للجهود الرامية إلى تحسين المؤشرات الاقتصادية العامة، وتوفير كافة المتطلبات اللازمة لضمان معاش الناس واستقرار الأسواق في ظل الظروف الراهنة.
دبلوماسياً، بحث وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، أمس السبت، مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، خلال زيارته للقاهرة العلاقات الثنائية وأوضاع عمل القنصليات والسفارة السودانية.
وذكر بيان صادر عن الخارجية السودانية، إن" سالم وعبدالعاطي عقدا لقاءً بمقر الخارجية المصرية في القاهرة تناول مسار العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين وسبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات، فضلاً عن مناقشة أوضاع عمل السفارة السودانية لدى القاهرة وقنصليتي أسوان والإسكندرية، والتحديات التي تواجه سير العمل القنصلي والخدمات المقدمة للسودانيين المقيمين والمتواجدين في مصر".
وأشار البيان إلى أن وزير الخارجية المصري وجه الجهات المختصة في بلاده بالعمل على معالجة المشكلات القائمة وحلحلة العقبات التي تواجه السفارة والقنصليات السودانية، بما يسهم في تعزيز كفاءة الأداء وتيسير الخدمات المقدمة للمواطنين السودانيين.
في وقت أبدى نظيره السوداني تقديره للدعم الذي تقدمه القاهرة للخرطوم، مشيداً بمستوى التعاون والتنسيق القائم بين البلدين، بما في ذلك الاستجابة الإيجابية للجانب المصري تجاه القضايا المتعلقة بأوضاع البعثات السودانية والجالية السودانية.
بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية، تميم خلاف، إن لقاء سالم وعبدالعاطي عكس عمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي تربط مصر والسودان، موضحاً أن الأخير أكد خلال اللقاء موقف مصر الثابت والداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء أي كيانات موازية.
وشدد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف مستدام لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية، مع ضمان النفاذ الإنساني إلى المناطق المتضررة، واحترام مبدأ الملكية السودانية للحل السياسي، والتأكيد على أهمية جهود الآلية الرباعية الدولية لدعم الاستقرار وإنهاء الصراع.
وتعثرت جهود الآلية الرباعية، التي تضم السعودية والولايات المتحدة ومصر والإمارات، في إحداث اختراق لإنهاء النزاع، رغم مرور تسعة أشهر على طرح خريطة طريق تقوم على التوصل إلى هدنة إنسانية يعقبها وقف إطلاق النار وابتدار عملية سياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك