تحلّ اليوم أربعون عاماً على رحيل الملحن اللبناني عاصي الرحباني (1934 - 1986)، فلا تحضر ذكراه بالموسيقى وحدها، وإنما بالكاريزما التي ميّزت حضوره في الفضاء العام، خلال حقبة رومانسية مشرقية صاغتها يوتوبيا الوعد اللبناني والحلم العربي، قبل أن يطويها منطق السوق وواقع الحروب والهزائم.
في أوج تلك الحقبة سنة 1966، وخلال حوارٍ متلفزٍ مع الشاعر اللبناني سعيد عقل، تورد الإعلامية المصرية ليلى رستم شهادةً مصوّرةً عن ضيفها أدلى بها عاصي الرحباني.
وعندما استهلّتها بسؤاله عن عمر الصداقة الحميمة التي ربطت كليهما، يجيب: " بعرفه تقريباً من سنة 51، ومن يوم ياللي تعرّفنا على الأستاذ سعيد، تعرّفنا على الشعر بحق وحقيق".
تُشكّل المقابلة أمثولةً على ابتكار الفنان للشخصية العامة (Persona) التي يحضر بها بين جمهوره وعموم الناس، في زمنٍ بدأت فيه الصورة التلفزيونية بمواكبة الصوت الإذاعي، وحين كانت النخب لا تزال تصوغ الذائقة، لا شركات الإنتاج والتوزيع والتسويق ومؤسسات البثّ، واليوم منصّات الستريمينغ ولوغاريتماتها، التي باتت تحدّد المحتوى وتؤطّر حضور صانعه ضمن قوالب جاهزة، مثقلة بالكليشيهات ومنزوعة عنها سمتا الفرادة والأصالة.
يبدو ذلك جليّاً من خلال التباين بين الشخصيتين العامتين لكلٍّ من عقل والرحباني.
فالأول أبدى نرجسيةً تمجّد الذات، مع براءةٍ طفولية تسلّلت عبر ابتسامة، أو اثنتين، انتزعتهما رستم بسحرها، فيما أظهر الثاني رهافةً أنثويةً تستضيف الآخر، تجلّت في دفء الصوت ورقّته وفتنة العينين الحالمتين الغاويتين الجامعتين لكلٍّ من الدعة واللوعة.
فرغم الإضاءة الساطعة المسلّطة بشدّة على الوجه، والتي اقتضاها التصوير التلفزيوني في تلك الفترة، بدا عاصي، بإزاء عقل، لطيفاً خفيفاً، مثل حسّونٍ على غصن أرزة.
ولئن كان عقل هو الشاعر، فإن عاصي أقرب إلى أن يكون القصيدة.
تجلّى التباين أيضاً في الخطاب.
فعلى الرغم من المكانة الثقافية الرفيعة التي يحتلّها المطرب والملحن محمد عبد الوهاب، خصوصاً بين المصريين، لم يتردد عقل في مجابهة ليلى رستم بإعلانه الصريح عدم إعجابه بالطريقة التقليدية التي لحّن بها أشعاره، مشيراً، بعصبيّته القومية المعهودة، إلى تفضيله التجربة اللبنانية" الأكثر جدّة" لدى الرحابنة.
أما عاصي، فقد آثر الدبلوماسية في شهادته، وإن أبدى بدوره قدراً من التحدّي حين رفض، بلباقة، المفاضلة بين قصائد شاعر لبنان الكبير.
مع ذلك، ذكر" مشوار"، وهي القصيدة الأولى لسعيد عقل التي لحّنها الأخوان رحباني سنة 1960.
كُتبت بالعامية اللبنانية، وتروي على لسان فتاةٍ يافعة تجربةَ عشقٍ عابرةً في مشهدية شديدة الكثافة ومُغرقة في الرمزية المضمرة في الإيحاءات الجنسية، حيث العبور ليس سوى استعارةٍ للحياة بوصفها خبرةً طارئةً، مآلها الفناء وسرعة الانقضاء، ليمسي العيش، شأنه شأن العشق، نزهةً، أي" مشوار، جينا عالدني مشوار".
ثم يأتي صوت فيروز ليبثّ سحراً في الكلمات عبر خيطٍ لحنيٍّ حريريٍّ رفيعٍ مُغلَّفٍ بغشاءٍ مُسهبٍ من التوزيعات الموسيقية، مشغولٍ بالهارموني الرومانسي الغربي، ومُسندٍ إلى مجموعات الآلات الأوركسترالية، يحاكي أجواء الأغنية الشاعرية الفرنسية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته.
غير أن اللحن قد صُمِّم أيضاً ليمتد أفقياً مُستلهماً تقليد الترتيل الكنسي الشرقي، فيبقى مناوراً لمسعى تأطيره في قالب الأغنية، منساباً بدفعٍ من إيقاع القصيدة الحرّة من الوزن والمتحرّرة من الشكل، كما ينساب الماء في جدول.
لا تنمّ" مشوار" فقط عن ثقافة الرحابنة الموسيقية، بل أيضاً عن تبنّيهم الشعرية باعتبارها نظرةً إزاء الحياة ونمطاً في خوض غمارها، وهو ما ميّزهم من غيرهم من الملحنين العرب، فضلاً عن جعلهم أقدر على إيجاد صياغةٍ موسيقيةٍ لنصٍّ أدبيٍّ بعلوّ كعب نصوص عقل.
فالشعرية ههنا تتجاوز الوسيط الفنّي، أكانت الكتابة أم الموسيقى، لتغدو منظاراً معرفياً ومسلكاً وجودياً يُعيد السحر إلى العالم، وهو ما انفك يمضي في مساراتٍ حداثيةٍ ماديةٍ متعاقبةٍ من المكننة والأتمتة والرقمنة.
وليست شخصية عاصي العامة سوى تعبيرٍ ذاتيٍّ متجسّدٍ في الكينونة عن الشعرية الرحبانية.
ذلك لا يعني أنها لم تجد سبيلها إلى التعبير الأدبي من خلال أشعارٍ تُنسب إليه، غنّتها فيروز، مثل" طريق النحل" المدرجة أساساً ضمن مسرحية" ناطورة المفاتيح" (1972).
فعلى المنوال الرحباني الميلانكولي المعهود في تصوير العلاقة العاطفية داخل المدن الحديثة الكبرى، يعاين ضمير المؤنث المتكلم موضوعة الحب من خلال احتمالات الفراق ومآلات الوحدة، عبر اللازمة: " إذا رح تذكرني حبيبي، ورح تنساني يا حبيبي، ضلّ تذكرني واتذكر طريق النحل".
أما جوهر الحياة، بوصفه" العيش بشعرية" على حد تعبير الشاعر الألماني هولدرلين، فقد تجلّى في مقطعٍ يرصد عاصي الرحباني فيه نحلةً تخترق لحظةً وجوديةً، مستخدماً" مشوار" بصيغة الجمع كي يؤنسن المشهد ولتدبّ الحركة في سكونية المكان: " أنا ومتكيِّة عَ بابي.
مَرَقِتْ نحلة بكّيرْ.
غلِّت بزهور الغابة.
وصارت تعمل مشاوير".
وعلى خلاف المقاربة الموسيقية لأغنية" مشوار"، ينهج التلحين خط الأغنية اللبنانية الشعبية الموظَّفة في حبكات المسرح الرحباني، مع بعض الخصوصية في المعالجات الدرامية بالوسائل الموسيقية، مثل توظيف" اللحن الدال" (Leitmotiv) لتصوير النحل بواسطة زغرداتٍ (Trills) سريعة تعزفها مجموعة الكمان، تحاكي صوت طنينه (دقيقة 1: 43).
وإذا ما كانت الشعرية من خواص الظاهرة الرحبانية، فإنها لم تتعارض مع ضرورات الالتحام بالفضاء العام، وعليه لم تتحوّل الشعرية لديهم إلى شاعريةٍ مثاليةٍ منفصلةٍ عن الواقع، أو صوفيةٍ منكفئةٍ ومنعزلةٍ عن مصادر التمويل ومسالك التسويق الفني، التي وفّرها اقتصاد لبنان المزدهر حينذاك، وإنما بقيت منفتحةً على الانخراط فيها والاستفادة منها في تثبيت المشروع الموسيقي والمسرحي وتحويله إلى مؤسّسةٍ إنتاجيةٍ تمكّنت، بحنكةٍ رياديةٍ، من الحفاظ على استقلاليةٍ نسبيةٍ، بل فرض معاييرها على الذائقة السائدة، بدلاً من الانصياع لها.
من هنا، توحي الشخصية العامة التي ابتكرها عاصي الرحباني بالاتّساق بين باطن الذات وظاهرها، بين الشعرية بوصفها مكوّناً جوانياً أصيلاً وطريقةً في العيش، وبين المسلك المُنشِئ لعلامة الفنان (Brand) وبها يمدّ لفنّه جسوراً تصلُه بالناس ويدير بواسطتها العلاقات العامة.
فلا تقتضي الطبق التام مع الشخصية الخاصة، إذ تبقى أداءً (Performance) وتمثيلاً للأصالة (Authenticity)، إلا أنه ينبغي، في الوقت نفسه، أن تظلّ مُضاءةً بسراج الذات لا أن تحجب نورها، فتمسي قناعاً زائفاً لها وحملاً نفسياً ثقيلاً عليها.
فهي، شأنها شأن الرداء، لا يكون أنيقاً ومريحاً في آنٍ إلا إذا خِيط على مقاس صاحبه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك