BBC عربي - هل تنهار العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الأبد؟ التلفزيون العربي - وزير التعليم وجه رسالة للطلاب.. انطلاق امتحانات الثانوية العامة في مصر قناة الشرق للأخبار - كواليس الوساطة الرباعية.. كيف تخطط 4 دول كبرى لتثبيت اتفاق أميركا وإيران؟ قناة القاهرة الإخبارية - دعم رباعي للتهدئة.. بيان مصري سعودي باكستاني تركي يرحب بمذكرة التفاهم بين إيران و واشنطن العربية نت - وزير خارجية باكستان يكشف لـ"العربية" أجواء مفاوضات أمريكا وإيران قناة الجزيرة مباشر - نافذة من سويسرا | لقاءات ثنائية مكثفة بسويسرا تمهّد للقمة الرباعية بين واشنطن وطهران والوسطاء وكالة شينخوا الصينية - قطر تعلن انطلاق اجتماع بحيرة "لوسيرن" بسويسرا بين أمريكا وإيران روسيا اليوم - مصر تدفع بـ3117 طنا من المساعدات إلى غزة ضمن قافلة "زاد العزة" الـ217 روسيا اليوم - الدفاع الروسية تعلن مواصلة ضرب بنية الوقود والطاقة الأوكرانية وتكبيد قوات كييف خسائر بشرية جديدة إيلاف - حفتر يفتح باب التفاوض لتوحيد السلطة وسط سباق مع خريطة انتخابات 2027
عامة

نقوش على حائط دار صليح

سودانايل الإلكترونية

الكتابة عن عبد الهادي الصديق كالمشي على الجمر، تحترقُ قدماك لكنك تتقدم تحت إغراء التوغل أقربَ للنجاة من التراجع. فجوهرُ المشوار يحملك على أجنحةٍ مخمليه إلى شواطئ الصفاء و النقاء. كما يسوقك برفقٍ إلى أ...

الكتابة عن عبد الهادي الصديق كالمشي على الجمر، تحترقُ قدماك لكنك تتقدم تحت إغراء التوغل أقربَ للنجاة من التراجع.

فجوهرُ المشوار يحملك على أجنحةٍ مخمليه إلى شواطئ الصفاء و النقاء.

كما يسوقك برفقٍ إلى أروقة الذكريات النبيلة.

لكنه يجرفك حتماً إلى كهوف الأسى والفجيعة عبر دهاليز تضيئها وجوهٌ نيّرة وضيئة من خلف أستار الغياب الأبدي لأصحاب أقلام مستنيرة خطّت مشروعاتٍ فاتنة لمّا تكتمل لكنها عالقةٌ على حائط الإبداع.

كل هذه النوستالجيا قليلٌ مما يختلج في القلب والدماغ حينما تستدعي الانشغال بذكرى صديق فارع القامة يمشي -لايزال – تيهًا في القلب بما يكتنزُ رقة في الفؤاد وصفاء في الطبع ونبوغ في الفكر و ثراء في الخيال وخصوبة في اللغة.

عبد الهادي الصديق مشروعُ إبداع سوداني فريد اختطفه الموت قبل استكمال انجازه الأدبي.

تماما كما هو حال سلفه و صنوه المتألق في فنون و جماليات النقد الأدبي معاوية نور.

كلاهما كان نابغة في زمانه.

لو تعرّف محمود عباس العقاد على عبد الهادي ربما تجاوز تقديره إياه مقولته في معاوية نور ( لوعاش لكان نجما مفردا في سماء الفكر العربي).

توأمان في جيلين متباعدين لم تنجب أمُّنا مثليهما بعد.

على شواطئٍ بالود مفروشةٌ تستعيد مع هادي إنسانًا ممتلئًا بالظرف الاجتماعي والمرح التلقائي ممتشقا الألفة والتصالح مع الذات ومع الآخرين.

شخصيةٌ مطبوعة بشغف الإقبال على الحياة بذائقة لمّاحة وذهنية متوقدة ورؤية فنية شفيفة.

فعبد الهادي يتمتع بشهية تقبل على أطباق الثقافة المتنوعة كما يقبل بنهم على الموائد وروائح الطعام من بيتهم دائما تفوح.

(هلمّ بنا أمي طابخة اليوم ملوخية لم تأكل مثلها )دعوة محببة ألفتها كثيرًا.

لم أره غاضبًا، تتغشاه موجةُ زعل لكنه قادر على كبحها أبدًا.

(هذا شخصٌ مسكين لا تنفعل معه ) عبارةٌ رددها عديدا.

ليس في نسيجه خيطا من العنف.

هو طفل ضحوك وإن تجاوز الثلاثين الطوال.

ضخم الكراديس لكن كثيرًا من حجمه خلايا من فاكهة المرح والضحك و غير قليل من سخرية لاذعة تفرض قبولا يراوح بين الابتسام و الضحك.

حين يكتب أو يتحدث جادا ينتابك شعورٌ عميق أنك أمام باحث دؤوب ودارس متفرد.

لكم على ذلك شاهد نقوش على قبر الخليل، قراءة في قصيدة الجمال أو قراءة في عناق الأشرعة.

مع صديق الوعي تكتسب الأشياء الصغيرة أبعادا كبيرة.

ذات نهار قال لي بظرفه المألوف ملوحا بنظارة جديدة؛ هذه هدية من عطور.

أتعرف لِم اختارت إهدائي نظارةً؟ أجبته مهاذرا إنها تحاول إضفاء مسحة جمالية عليك عوضاً عن نظارتك العتيقة.

فعقّب غامزاً هذه نظرةٌ سطحية كالعادة.

بل هي مبادرة شابة ذكية تريدني أرى العالم دوما عبر منظارها فتكون دائمة الحضور.

ثم تبادلنا الضحكات تحت الانسجام.

عند زفافي بعد نحو سنتين أهداني ربطة عنق.

تقبلتها واعداً باستخدامها لاحقًا بحجة عدم ملاءمتها طاقم المناسبة.

قال مستفزًا بخفة روحه المألوفة ليس بين أهلك وأهل فريدة فنان تشكيلي أو صاحب ذائقه فائقة.

خذها وتوكل فستبقى ذكرى خالدة عبر الايام.

بالفعل استجبت وفاءًا فأصبحت تلك الربطة شاهدا على تلك الصداقة الباقية بحكم ظهوري بها في صورة الزفاف المتنقلة معي أينما ارتحلت.

بينما كنت في شندي ضمن رحلة طلبة جامعيين فاجأني الزملاء بوجود عبد الهادي سائلًا عني و أكاد لا أصدق.

ثم أصر على انتزاعي من الفريق لقضاء ليلة في منزل أحد معارفه.

في الصباح عاد على القطار الثامنة إلى أم درمان وانطلقنا نحن من النقعة شمالًا إلى مروي، نوري والكرو.

قطار الود لم يتوقف قط.

عقب التحاقي بوكالة الانباء(سونا) هاتفته مفاجئًا وهو دبلوماسي في بيروت.

صادف ذلك يوم حريق سوق سرسق في بدايات تصاعد نار الحرب الأهلية القذرة.

كانت مخابرةً مباغتة لكنها شكّلت منطادا في بدايات حياتي المهنية.

اذ حدثني عن حال الجالية السودانية تحت الحرب.

كتبت خبرا سبقاً بثته نشرة الثالثة في أم درمان قبل حديث الوكالات عن حريق السوق الشهيرة.

كما كانت سبقا في سونا لصحفي في مطبخ الأخبار المحلية يأتي بخبر من وراء الحدود.

هو إنجاز قاعدته تلك الصداقة عابرة الامكنةداخل أروقة الذكريات مع عبد الهادي الصديق تشاهد لوحات إنسانية لقامات سامقة في حقول الإبداع تعرفت عليها في صحبته.

هم باعة عطرٍ في سوق المعرفة، يصيبك منهم أريجٌ طيب لا محالة.

محمد المهدي المجذوب الشاعر الفحل الجزل.

السمر معه حافل بصور شاعرٍ مثّال.

أحمد الزين صغيرون والسهر في معيته سباحة في بحور الفن والسسيولجيا.

عبد الكريم الكابلي ولقاؤه كلام مموسق على مرايا التراث و الحداثة.

مصطفي مبارك والأنس معه مراجعة عبر صفحات التاريخ السياسي والثقافي.

عثمان سيد احمد والليل في حضرة أصدقائه على حافة النيل جدل في الثقافة.

ليلى المغربي أيقونة الأثير.

عثمان مصطفى لمّا يحكي عن أمانببحنجرته الأوبرالية.

كمال الجزولي بجسارته إذ يهش بظهر كفه على من لا يعبء به.

ما أروع المشاوير مع عب الهادي على جسر شمبات قبيل الغروب من دار صليح وإليه.

تلك رحلة تأمل في الجغرافيا و الديمغرافيا.

ذاك وقت موت النهار لكنه بدايات ميلاد ليل الخرطوم فكل القماري تبدأ جمع حطب الانس قشة قشة للسهر الليلي الذي أُحبه ويحبه الرفاق.

بما أن كمال الجزولي أمسى ملح إجازاتي وعرابها حين أهبط الخرطوم.

ذات مساء فاجأني بموعد على العشاء - كل ترتيباته فجائيه و قسرية لا مهرب منها.

في تلك الأمسية دخلت بيت عبد الهادي للمرة الاولى والتقيت عطور للمرة الأولى بعد رحيله.

التقيت عبد الهادي الثاني، حفيده الأول.

هكذا اصبحت يننا أجيال.

ثلة من الاصدقاء تلاقت على ذكرى الاول وشرف الثاني؛ بينهم محمد المهدي بشرى البعد المكمل لظرف عبد الهادي، عمر عبد الماجد و كامل عبد الماجد.

في كهوف الفاجعة تعاين بالإضافة إلى وجه عبد الهادي الصديق و معاوية نور كوكبة من حملة مشاعل الوعي، التنوير والإبداع اختطفهم الموت قبل استكمال مشروعاتهم.

مما يزيد هول الفاجعة رحيل غالبتهم في توقيت مبكر من العمر.

تطالعك صورة عرفات محمد عبدالله رائد إضاءة الفجر الثقافي، الإمام محمد أحمد المهدي رائد بناء الدولة السودانية الوطنية، التيجاني يوسف بشير رائد الرومانسية الصوفية وشعر الجمال، حسين شريف رائد الصحافة السودانية بقناعة( شعب بلا جريدة كقلب بلا لسان )، خليل فرح رائد التجديد في الغناء محمد عبد الرحمن شيبون رمز موت الفاجعة المبكر في الوسط الثقافي اليساري، ، عبد الخالق محجوب مضيء الفجر الجديد لنشر الفكر وبث الوعي وسط كل الطبقات، عبد الرحيم أبو ذكرى الراحل في ليل الحنين والاغتراب الوجودي و جون غرنغ صاحب مشروع السودان الجديد.

كلهم فجعنا الموت فيهم مرتين.

مرةً فجيعة الموت المباغت لشخصية استثنائية ثم فجيعة رحيلها المبكر قبل استكمال مشروعها الإنساني الاستثنائي!كل أؤلئك وهؤلاء أصدقائي وآبائي الأحباء الأعزاء فجئني بمثلهم!

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك