قرار بنك السودان المركزي الأخير، بربط منح شهادة عدم الممانعة لاستيراد المشتقات البترولية بإيداع ضمان عيني قدره 200 كيلوغرام ذهب عيار 21 في مصفاة السودان للذهب، يطرح تساؤلات جوهرية حول أثره على السيادة الوطنية للسودان على موارده الطبيعية وعلى كفاءة إدارة الاقتصاد في المرحلة الحرجة الحالية.
في ظاهره، يبدو القرار محاولة لتجاوز شح النقد الأجنبي وتأمين إمدادات الوقود.
لكنه في جوهره يكشف عن تحدّين: ضعف أدوات السياسة النقدية التقليدية، والعودة إلى آليات غير مصرفية تقترب من المقايضة، مع مخاطر فتح باب الاحتكار وارتفاع الأسعار.
ويبقى السؤال: هل هذا الحل مستدام؟ الإجابة قد تكون في ملف انضمام السودان إلى منظمة التجارة العالمية WTO، الذي بدأت مفاوضاته منذ 1994 ولم يكتمل بعد، رغم أن السودان من الدول الأفريقية القليلة غير الأعضاء.
ونسبة لاهمية المرحلة الحالية وحساسيتها، فان ثمة سبع تداعيات للقرار علي الاقل تحتاج مراجعة عميقة.
تجميد ما يعادل 12-13 مليون دولار ذهب لكل شحنة يحوّل رأس المال التشغيلي إلى أصل مجمد.
هذا يقلل مرونة النقود كوسيط تبادل، ويعيد الاقتصاد خطوة إلى الوراء.
فدور البنك المركزي الأساسي هو إدارة السيولة بأدوات نقدية، لا رهنها بأصول عينية.
ثانياً: تركز السوق وقتل التنافسيةاشتراط 200 كيلو ذهب كحد أدنى يستبعد معظم شركات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة، ويحصر الاستيراد في عدد محدود من الشركات الكبيرة أو الحكومية.
والنتيجة أن السعر لن يحدده العرض والطلب فقط، بل قدرة عدد قليل على الدخول، وهذا يضعف مفهوم السوق الحر.
ثالثاً: ضغوط تضخمية وهجرة الذهبسحب كميات كبيرة من الذهب المتداول وتجميدها يخلق طلباً إضافياً يرفع سعره محلياً.
ومعلوم أن الذهب مؤشر مهم للجنيه.
كما أن المنتج التقليدي قد يتجه للتهريب هرباً من إجراءات التجميد، فتخسر الدولة مورداً سيادياً مهماً وعائداً بالدولار.
رابعاً: تعقيد ملف الإعمارإعادة الإعمار بعد الحرب تعتمد على ثلاثة مدخلات رئيسية: الجازولين للآليات، والفيول للمصانع، والبنزين للنقل.
حصر الاستيراد في يد عدد محدود يرفع الكلفة، ويؤخر عودة المصانع وتشغيل ورش البناء وتأهيل الطرق والمستشفيات.
والمستثمر والمانح الدولي يبحثان عن بيئة شفافة وقابلة للتنبؤ، وهو ما قد لا يتوفر مع قرار مفاجئ يربط الوقود بالذهب.
خامساً: تحديات الأمن والسيادة على المواردالذهب مورد سيادي استراتيجي.
عندما تتركز إدارته خارج الأطر المؤسسية للدولة، وتكون مناطق الإنتاج تحت سيطرة جهات غير خاضعة بالكامل لسلطة الدولة، فإن ذلك يمثل تحدياً مباشراً لسيادة الدولة على مواردها وقدرتها على توجيهها لصالح التنمية والسلام.
سادساً: مساس بمفهوم السيادة الاقتصاديةالسيادة لا تعني العزلة، بل تعني قدرة الدولة على اتخاذ قرار اقتصادي شفاف وقائم على القانون والمؤسسات.
ربط سلعة استراتيجية كالوقود بمورد استراتيجي كالذهب عبر آلية غير مصرفية يمسّ مفهوم السيادة الاقتصادية , لأنه يسلّم إدارة موردين حيويين لمنطق “الرهن” بدل منطق “القانون والتنظيم”سابعاً: القرار ايضاً يتناقض مع رغبة الدولة في تسريع العودة الطوعية للسودانيين من دول الجوار.
وذلك لانه سيرفع من تكلفة الوقود والنقل ويكرس الاحتكار ويعطل الاعمار.
القرار قد يسد فجوة الوقود اليوم، لكنه يولد تحديات في السيولة والتنافس والتضخم والإعمار، ويضعف سيطرة الدولة المؤسية على موردها السيادي.
ثانياً: درس من منظمة التجارة العالمية.
لو كان السودان عضواً عاملاً في الـ WTO، لكان أمام القرار قيود قانونية واضحة:حظر القيود غير الجمركية: المادة XI من اتفاقية الجات تحظر القيود الكمية على الاستيراد.
ضمان الذهب العيني يعتبر قيداً غير تعريفي، بينما تسمح المنظمة بالرسوم الجمركية الشفافة فقط.
الشفافية والتنبؤ: اتفاقية تيسير التجارة TFA تلزم الدول بنشر الإجراءات مسبقاً وبطريقة موضوعية غير تمييزية.
القرار المفاجئ يخالف هذا المبدأ.
المنافسة العادلة: مبدأ المعاملة الوطنية ومبدأ الدولة الأكثر رعاية يضمنان مساواة الشركة الصغيرة في الأقاليم مع الشركات الكبيرة.
القرار الحالي يبني حاجز دخول مرتفع يكرس الاحتكار.
إذاً، القرار محاولة لعلاج عرض المرض: شح الدولار.
لكنه لا يعالج المرض: غياب القواعد الواضحة والشفافية وثقة القطاع الخاص.
وختاماً ينبغي الاشارة الي ان انضمام السودان للـ WTO ليس رفاهية فنية، بل أداة لاستعادة السيادة الاقتصادية عبر القانون.
هو الذي يحول إدارة الذهب من “رهن” إلى “أصل استثماري منظم”، وينقل استيراد الوقود من يد الاحتكار إلى يد السوق الشفاف.
قال تعالى: (ان اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم).
والتغيير يبدأ بالانتقال من منطق “الرهينة” إلى منطق “القانون والمؤسسية “.
تجارب رواندا وإثيوبيا وبنغلاديش تؤكد أن الاندماج المنضبط في الاقتصاد العالمي مفتاح الخروج من الحلقة المفرغة.
وبعد سبعة عقود من المحاولات المتكررة، باتت الحكمة تقتضي الاستفادة من تجارب الدول المماثلة، وتسخير الاندماج الدولي لوضع السودان على مسار التنمية والسلام الدائم.
فلا تنمية بلا سيادة، ولا سيادة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا قانون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك