في روايته الجديدة" فراشات مريم الجليلية" الصادرة عن دار الآداب في بيروت، يخوض باسم خندقجي اختباراً حذراً في شأن قدرة شخصياته الروائية على حمل أفكار نظرية تبدو مجردة أمام البعض، لكنه يدمجها في قلب النقاش حول ما يسميه" أدب الاشتباك".
وجد المشروع الروائي للكاتب باسم خندقجي اهتماماً واسعاً عقب فوز روايته" قناع بلون السماء" بجائزة الـ" بوكر" العربية عام 2024، وهي الجزء الأول من ثلاثية روائية سلط فيها الضوء على تجربة عالم الآثار الفلسطيني نور الشهدي، ومحاولته الكتابة عن مريم المجدلية وكيف استغل هوية وجدها بالصدفة للضابط الإسرائيلي أور شابيرا، مكّنته من الدخول إلى عمق فلسطين في المناطق التي حُرم السكان الأصليون من دخولها، وهناك يكتشف بلاده المطمورة بكل تاريخها.
في حين ركز الجزء الثاني من الثلاثية" سادن المحرقة" على عالم أور شابيرا نفسه، وهو يعيش صدمة ما بعد الحرب، فهو قضى حياته ينتقل بين جثامين أحبّته: " فما حياته - كما يقول - سوى جثث ومشاريع جثث؟ ".
قُتل أخوه الأكبر أثناء تأديته خدمته العسكرية، ومات أجداده وأمه متأثرين بإصابتهم بفيروس كوفيد-19، أما أبوه فدخل في غيبوبة طويلة إثر جلطة دماغية.
لمواجهة هذا الفقد، يتعلم أور اللغة العربية كي يفسر الأحلام التي تأتيه بهذه اللغة، وهو نائم داخل بيت جدته في قلب مستوطنة أُقيمت على أنقاض قرية في دير ياسين.
وبناءً على نصيحة طبيبته النفسية" هداس"، يفكر في كتابة رواية بضمير الغائب يعبر فيها عن نفسه، لدفن مخاوفه انطلاقاً من مبدأ شائع، وهو أن الرواية علاج.
وبعد لقاء تصنعه المصادفة مع إيالا شرعابي، عضو بعثة التنقيب التي شارك فيها نور بشخصيته المزيفة، يكتشف أور ضياع هويته الشخصية.
ومن ثم يحاول الوصول إلى سارقها نور، الذي يظهر بشخصيته الحقيقية من خلال البودكاست الذي يجريه بالعامية الفلسطينية تحت عنوان" حكي كولونيالي".
في الجزء الثالث الصادر حديثاً، " فراشات مريم الجليلية"، تكتشف الطبيبة أن إصابة مريضها بالفصام الوجداني دفعته إلى التشبث بالعلاقة مع معلمته الباحثة الفلسطينية" مريم فاطم"، التي تولت تعليمه اللغة العربية افتراضياً خلال جائحة كورونا، ثم قابلته في المركز الثقافي في يافا، وأدركت تميزه في فهم اللغة وإتقانها إتقاناً كاملاً.
تقترح الطبيبة على المعلمة أن تقوم بترجمة الرسائل التي يكتبها أور بالعربية إلى العبرية، بعد الحصول على موافقة قانونية، فمريم صارت بالنسبة إليها ولية أمر مريضها بعدما فقد غالبية أفراد أسرته.
وتُطرد مريم من الجامعة بسبب خلافها مع المشرف الأكاديمي على دراستها لنيل درجة الماجستير في علم الاجتماع، البروفسور أهارون لينسكي، الذي يبدو - من وجهة نظرها - منحازاً للرواية الإسرائيلية الرسمية حول المشروعية الأخلاقية للحركة الصهيونية.
لذلك تلجأ إلى استشارة أستاذها القديم تومر كالمان، الذي يعمل في أبحاثه على إنتاج سردية مضادة للسردية الإسرائيلية السائدة.
وعلى رغم أن علاقة أور مع مريم تتشبث بالحياد الأكاديمي والتحفظ التعليمي والانفلات الهوياتي في بعض الأحيان، فإن أور يقر بأن معلمته صارت مرآته التي يرى فيها عجزه، وربما طوق نجاته وتحرره.
لذلك لم تخلُ العلاقة معها من مواجهات يخشاها أور؛ فالخوف، كل الخوف أن يمتلك الفلسطيني القدرة على مواجهة السردية السائدة، ولذلك لم يتوقف الطرفان عن تبادل الاتهامات واللعنات.
تمثل الرسائل التي تترجمها مريم وتسميها" الشياطين" نواة لفصول الرواية التي اقترحت الطبيبة كتابتها كخطوة نحو علاج مريضها من الفصام.
لكنها تعبر من جهة أخرى، عن رغبة أور في امتلاك معلمته عبر امتلاك لغتها وإدراك تفاصيلها ومجريات أيامها.
لكن أور يدرك أن مريم تملكته خلال دروس تعلم اللغة، فيعتقد أن كتابة رواية عنها كانت فرصته لانتهاك عالمها والإلمام بمجريات حياتها اليومية.
فقد اعتاد مراقبتها منذ خروجها من البيت الذي تسكنه، وخلال فترة عملها الذي تداوم عليه، كبائعة في محل للألبسة النسائية.
يقتحم كذلك بيتها ويفتش في أغراضها، ولا يجد في ذلك مشكلة؛ لأنه جاء من طينة أمنية عسكرية.
غير أنه يجد أمامه ثلاث لوحات زيتية تظهر الفراشات المحلقة في فضاء بيوت حجرية مهدمة، تمثل قرية" دير الفراشات" التي نشأت فيها أم مريم.
وهي رسمت تلك اللوحات وصارت من بين ميراثها، وهي التي تفسر للقارئ مجاز عنوان الرواية.
يعثر أور داخل البيت على مفتاح صدئ مثبت على الحائط أسفل اللوحة الوسطى، كما لو كان صليباً، لكنه لا يدرك دلالته بوصفه" مفتاح العودة" الذي تركته الجدة، وهي تلعب الدور الرئيس في تلقين حكاية النكبة لحفيدتها.
ويبدو مشهد موتها أحد أجمل مشاهد الرواية، بفضل استناده إلى نزعة غرائبية تختلط فيها الرؤى والأحلام، وتتكامل داخله أدوار مختلف شخصيات الرواية بأجزائها الثلاثة.
يدرك القارىء أن ما تعانيه حورية، جدة مريم الفلسطينية ضحية النكبة، يقف في مقابل ما تعانيه سوزانا، جدة أور، ضحية المحرقة النازية.
غير أن حورية تبدو إشارة إلى مجاز آخر يجسد قوة الحكاية الشعبية وقدرتها على حفظ التاريخ.
فما ترويه عن التحصن بـ" دير الفراشات"، هو تخليد للمأساة عبر أسطرة بعض وقائعها.
تقاوم مريم طوال الرواية الصورة التي أوجدها أور، وتبرز صورتها التي تستفزه، كفتاة فلسطينية معاصرة، تقوم بأنشطة تطوعية لتعليم اللغة العربية لغير العرب.
نشأت في حيفا، وتعلمت في مدارس مختلطة الأجناس والأعراق والهويات، على خلاف أور الذي نشأ نشأة أشكنازية صهيونية خالصة.
وفي كل مقابلة بينهما يتجلى الصراع حول اللغة؛ فقد درست مريم له بعض نصوص أدب المقاومة لإميل حبيبي ومحمود درويش وغسان كنفاني وإلياس خوري، لتأكيد هويتها الفلسطينية.
ونشاطها العام له طابع مقاوم؛ فهي حريصة على تعليم رقصات الدبكة واللغات والطبخ إلى جانب الصلة بالعائلة.
وهي أمور يسخر منها أور، الذي وجد نفسه في اليوميات التي تكتبها مريم.
فيشعر أنها انتهكت حدوده قبل أن ينتهك حدودها، لا سيما أنها تعلن اطلاعها على دفاتره التي كان يتركها أمامها، بحيث يبدو اختلاسها للمذكرات مبرراً للاندفاع نحوه بفضول هائل.
والغرض تسليط الضوء على ملامح الشخصية الصهيونية الأشكنازية، لذا فإن إقبالها على تعليمه هو فرصة لاختبار مدى صلابة تناقضاتها، ومدى قدرتها على التحرر من الصور النمطية عن الآخر الإسرائيلي.
وهي لا تنظر إليه إلا بوصفه" صهيونياً استولى على أماكن ذاكرتها الخاصة".
تؤكد الرواية ولع خندقجي بلعبة تبادل الأقنعة التي استخدمها سابقاً، وأتاحت لكل شخصية روائية استعارة قناع الشخصية التي تقف على النقيض منها.
وهذا تأكيد لوقوعها في فخ ما يسمى" التماهي الإسقاطي"، وهي آلية يحاول الشخص من خلالها إدخال ذاته إلى شخص آخر (موضوع الحقد عادة)، كي يسيء إليه ويسيطر عليه.
وهي آلية تشيع لدى الفصاميين في مراحل العلاج، كما يشير يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه" التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)والمقصود بهذا المصطلح إدراك الآخر كجزء من أنفسنا، وتحديداً كمعبّر عن / أو كمجسّد لإحدى نزعاتنا أو صفاتنا التي ننفر منها، وذلك من خلال التنكر لها وإسقاطها على الخارج.
وقد يعمل التماهي الإسقاطي أحياناً باتجاه الحب؛ فهو يمكن استخدامه كنوع من الدفاع، وكوسيلة للتواصل.
يلمس القارئ كذلك تحولات تقنية عدة في كتابة خندقجي؛ فهو يمهد لكل فصل بعتبة انتقال تنعكس على لغة السرد.
ويجري الانتقال بين مستويات لغوية عدة تتنوع ما بين اللغة الوصفية، التي لا تخلو أحياناً من ومضات شعرية ومن مشهدية عالية.
وكذلك بين اللغة التقريرية أو الإخبارية التي تأخذ أحياناًص من جمالية النص، بسبب ما يستشعره القارئ من ثقل ناتج من الانشغال بالأسئلة النظرية التي تبدو لدى البعض أسئلة مجردة.
ويتأكد هذا الانطباع من الفصول التي تقوم على" تأويل" الرسائل، والتي تعبر عن حضور الكاتب ووعيه بوصفه ضابطاً لمسار النص.
تمرر الرواية بطريقة فنية مثيرة للتأمل، جملة من الخطابات البالغة الأهمية، تماثل ما تطرحه روايات" أدب ما بعد الكولونيالية" من أفكار، بعدما اتسع المصطلح خلال الأعوام الأخيرة، وصار يشمل كل ثقافة تأثرت بالعملية الاستعمارية منذ اللحظة الكولونيالية وحتى يومنا الحالي، كما يشير بيل أشكروفت.
تفسح الرواية المجال واسعاً أمام القارئ لتأمل الممارسات الإسرائيلية التي تعكس صور التمييز العنصري، وتعمل على مقاومة الأصوات المضادة للسردية الإسرائيلية الشائعة.
وتعكس شخصية الأكاديمي الإسرائيلي تومر كالمان المتخيلة، الكثير من ظلال شخصية إيلان بابيه في الواقع المعيش.
وتطرح الرواية سؤالاً أخلاقياً في تعاطيها مع النموذج الذي يمثله كالمان، الذي يعمل على مقاومة السردية الإسرائيلية الشائعة، لكنه يقيم في" كيبوتس صهيوني" مقام على أنقاض قرية شمال شرقي عكا.
وهذا يشير إلى مفارقة، وهي أن من سلط الضوء على فظائع النكبة مقيم على أرض النكبة!يدخل النص الروائي كذلك في عملية تفاعل مع نصوص أدبية ومؤلفات وثيقة الصلة بأدب المقاومة والتذكير بالنكبة، وبالذات أعمال إدوارد سعيد ومحمود درويش وغسان كنفاني، وصولاً إلى رواية" تفصيل ثانوي" لعدنية شبلي.
وتتكرر الإشارة إلى رواية" باب الشمس" لإلياس خوري، فوجود الكهف في حكاية الجدة حورية، يشبه إلى حد كبير كهف نهيلة ويونس، بطلي رواية إلياس خوري، الذي حول الكهف إلى مغارة إروتيكية.
يشيع في رواية خندقجي الاهتمام بالمكان والأزمات الناتجة من الإزاحة من المكان.
تقول مريم: " اللعنة، كم هم بارعون في هدم المكان"، لذلك لا تتوقف عن إعلان رغبتها في إزالة إفرازات النكبة التي ألمت بشعبها.
فهي تسخر مما تفعله إسرائيل ببيوت أهلها، وتستأجر بيتاً يؤكد هويتها لتسكنه مع صديقتها شكران، فهي" لا تريد للنسيان أن يمس قلب الذاكرة".
وأور يعرف بعد دخوله بيتها أن للبيت أصداء وأطيافاً وصرخات معلقة على جدرانه ونظرات وداع.
مثل مريم، تعاني كافة الشخصيات أزمة الإزاحة وفقدان المكان الأول، ومن ثم تحاول من خلال التذكر حل التناقضات الناتجة من التعاطي مع مسألة الهوية.
فتدخل معها في اختبار قاس، وهي تجد نفسها تهنئ أور بعيد الفصح اليهودي.
لكن هذه التهنئة لا تؤجل خلافهما حول الحقائق المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإدراك التباين في الرواية التي يقدمها كل طرف عن أي حدث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك