كانت حقبة دامية في تاريخ سوريا الحديث، تسلحت بترويع الناس، ورعت الجريمة، وفتكت بالبلاد وبالعباد.
تلك المرحلة التي عاشها السوريون في ظل حكم الأسد، ولا سيما في سنوات الثورة عليه، تبدو فضائحها مثل زلزال عنيف، لا يثور مرة واحدة ثم يهدأ، بل تتبع ثورته الأولى ارتدادات تعود بين حين وآخر؛ فتفتح الجرح من جديد، وتستنفر مشاعر الألم فلا تستريح.
الخبر رغم فظاعته لم يشكل مفاجأة مكتملة الأركان؛ إذ تواترت قبله أخبار عديدة تؤكد تحول المشافي العسكرية في تلك الحقبة المظلمة إلى مسالخ بشرية، ترتكب فيها أفظع الجرائمفي هذا الإطار، جاء إعلان السلطات القضائية والأمنية السورية في دمشق مؤخرا عن إلقاء القبض على مجموعة من الأطباء الضباط السابقين، شاركوا بعملية جراحية، تم فيها انتزاع كبد معتقل سليم وهو على قيد الحياة وبحالة صحية مستقرة، وذلك لزراعته لضابط مقرب من النظام البائد.
وقد أدت العملية إلى مقتل المعتقل فورا، وفشل زراعة الكبد، مما تسبب لاحقا بوفاة الضابط المستفيد.
ونشرت السلطات السورية مقطع فيديو يظهر اعترافات الأطباء بجريمتهم البشعة، وكان من بين هؤلاء العميد الطبيب اليقظان أحمد حسن والعقيد الطبيب أحمد محمود الخطيب والعقيد الطبيب وائل محمد صبوح، وأما الذي أصدر الأمر بإجراء العملية فكان اللواء الطبيب عمار سليمان، مدير ما كان يسمى" إدارة الخدمات الطبية" في حينه.
وعمار سليمان هذا، كما أشير في الاعترافات، كان لا يتلقى الأوامر إلا من بشار الأسد وأخيه ماهر.
الجريمة هنا لم تكن مجرد عملية قتل، بل إنها صارت، وقد قام بها أطباء في مشفى، خيانة لقدسية المهنة، وتنكرا للقسم الذي أداه أولئك، وكبتا لنداء الإنسانية، وسحقا للضمير الذي تموت بموته.
لقد تعارف الناس على رؤية الطبيب في ثوب أبيض؛ كأنما ليرسخ في الأذهان أن الرسالة التي يؤديها رحمة بالناس، يغدو بها شبيه الملائكة، فما الذي فعله أولئك القتلة؟ !والحقيقة أن الخبر رغم فظاعته لم يشكل مفاجأة مكتملة الأركان؛ إذ تواترت قبله أخبار عديدة تؤكد تحول المشافي العسكرية في تلك الحقبة المظلمة إلى مسالخ بشرية، ترتكب فيها أفظع الجرائم.
ونتساءل هنا في ذهول: كيف يمكن لأطباء يفترض أنهم يمثلون قمة الإنسانية أن يتحولوا إلى وحوش تجردت من الرحمة؟ ! ويأتي الجواب: إنه نظام الطغيان، هو استعبدهم، وهم قبلوا أن يكونوا عبيده؛ فسيطر على تفكيرهم، وأمات فيهم المشاعر والأحاسيس.
جاءت صدمة الناس من خبر جريمة الأطباء في وقت لم يكونوا فيه قد استفاقوا بعد من صدمة صعقتهم قبل أيام؛ فبعد سنوات من الاختفاء القسري، أعلنت جهات رسمية في سوريا التوصل إلى نتائج موثوقة تؤكد وفاة أطفال الطبيبة رانيا العباسي، في تطور أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر قضايا الاختفاء القسري التي شغلت السوريين خلال السنوات الماضية.
ورانيا العباسي طبيبة أسنان ولاعبة شطرنج سابقة، حققت ألقابا على مستوى الجمهورية ومثلت سوريا في منافسات عربية وإقليمية، اختفت مع أطفالها الستة عام 2013، وكانت قد اعتقلت في مارس/آذار من ذلك العام بعد أيام من اعتقال زوجها عبد الرحمن ياسين، المعروف بمشاركته في تقديم الدعم للنازحين.
وكانت الطبيبة قد اشتهرت أيضا بمبادراتها الإنسانية، إذ استقبلت نازحين من حمص في عيادتها بحي دمر في دمشق، قبل أن تنقطع أخبارها وأخبار أفراد عائلتها منذ لحظة اعتقالهم.
نقف هنا لنعقد مقارنة عابرة بين مشهدين فيتملكنا العجب؛ في الأول نرى وحشا يحمل لقب طبيب ويرعاه النظام الحاكم، وفي الثاني نرى طبيبة تألقت إنسانيتها، وتألق إبداعها، فإذا بذاك النظام يفتك بها وبزوجها، ويفتك بأبنائها الذين تنطق قسمات وجوههم ببراءة الطفولة وطهرها.
البراميل المتفجرة، التي كانت تسقط على الأحياء؛ فتحيل المباني حجارة والأحياء أشلاء، فهي حكاية أخرى داميةولكن، من الذي قتل أبناء عبد الرحمن ياسين ورانيا العباسي؟في مقطع مصور، كان خال الأطفال، حسان العباسي، قد نعى أبناء الطبيبة رانيا، مؤكدا أنهم قتلوا على يد أمجد يوسف.
ولا عجب؛ فالمدعو أمجد هو ذلك الوغد الذي يتحمل المسؤولية عن مجازر حي التضامن، التي هزت ضمير الإنسانية، وأثارت استنكار كل حي!وكان خبر اعتقال ذلك السفاح؛ في 24 أبريل/ نيسان الماضي، قد أثار صدى واسعا في مختلف الأوساط، وأعاد إلى الأذهان تلك المشاهد التي تمثلت فيها غاية الفظاعة، إذ ظهر فيها معتقلون بتهم ملفقة أو بدوافع مزاجية، وقد عصبت أعينهم، فيوهمون أن عليهم الركض بسرعة للوصول إلى المكان الآمن؛ فإذا بهم يسقطون في حفرة فوق من سبقهم إليها، ثم يرمون بالرصاص بدم بارد، حتى إذا ما شبعت الحفرة بمن فيها أضرمت النار في الإطارات الموضوعة تحت الجثامين لتحيلها رمادا.
كان ذلك يجري، وفي الصورة يظهر من يدخن ويبتسم للكاميرا؛ فقد صار العمل روتينيا بالنسبة له!لكن أولئك المجرمين الذي أتوا بتلك الفظائع لا يشكلون كامل المشهد؛ بل إنهم أفراد في منظومة إجرامية فتكت بالسوريين بوحشية قل نظيرها.
ولعل بعض الشفاء للصدور يحصل في التساقط المتتابع لأفراد تلك العصابة، إذ بات من الأخبار شبه اليومية مؤخرا الإعلان عن إلقاء القبض على واحد أو أكثر من عتاة الإجرام في ظل حكم الفار بشار الأسد.
فقد شهدنا الشهر الماضي الجلسة الثالثة لمحاكمة عاطف نجيب، الذي كان يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عند انطلاق شرارة الثورة.
عاطف هذا قال يوما: " أنا الله في درعا"! فأين هو الآن؟ لقد رأيناه خلف قضبان قفص الاتهام في قاعة المحكمة، والقاضي يتلو أمامه قائمة الاتهامات الموجهة إليه، وقد ابتعد عنه الحرس، وتركه المرافقون، وصار في مواجهة مع ما اقترفت يداه من شنيع الأعمال وقبيح الفعال؛ تحاصره ثارات من مضوا، وتحيط به مظلمات من بقوا من بعدهم ليروا من طغيانه الويلات.
ولأن سجن صيدنايا كان وسيبقى علامة فارقة في مأساة سوريا والسوريين؛ فمن الطبيعي أن يهلل الناس لإلقاء القبض على أكابر مجرميه، فيسعدوا باعتقال محمد كنجو الحسن، أحد أبرز المسؤولين عن عمليات الإعدام والانتهاكات الجسيمة داخل معتقلات سجن صيدنايا.
وكذلك كانت السعادة باعتقال أوس سلوم، ذلك العتل الزنيم الذي كان يمارس التعذيب والقتل بأساليب وحشية بحق معتقلين في السجن.
أما البراميل المتفجرة، التي كانت تسقط على الأحياء؛ فتحيل المباني حجارة والأحياء أشلاء، فهي حكاية أخرى دامية.
وفي متابعة هذا الشأن، أعلنت السلطات السورية والجهات الأمنية المختصة القبض على ضباط وقادة عسكريين من النظام السابق، متورطين في فكرة وتصنيع وإلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين.
فممن تم إلقاء القبض عليهم اللواء الطيار عماد نفوري، قائد أركان القوى الجوية في النظام السابق، ويتهم بالإشراف على آلاف الطلعات الجوية؛ ومنهم كذلك العميد فايق مياسة، الذي وصف بأنه" مهندس البراميل المتفجرة"، وهو أحد أعضاء اللجنة العسكرية التي طرحت الفكرة بداية الأحداث.
كما تم إلقاء القبض على العميد الطيار راجح خضر ونوس، وقد وصف إعلاميا بـ" طيار البراميل المتفجرة" لدوره المباشر في العمليات.
نبحث في مواطن أخرى عن تفسير لسلوك أولئك، فنتخيل من يردد منهم كالببغاء القول إنهم كانوا يحاربون الإرهاب!ويتساءل المرء في حيرة: كيف استساغ أولئك تلك الأفعال الموغلة في الإجرام؟ وما الدوافع أو الإغراءات التي ساقتهم إلى ذلك؟ أمعقول أنهم كانوا في كامل وعيهم وإدراكهم؟ كيف صاروا أنفاسا للجريمة؟أسار أولئك مسار الملأ من قوم فرعون في ولائهم الأعمى لكبيرهم؟ ربما، فقد سمعناهم يعلنون شعارهم" الأسد أو نحرق البلد"! ولكن، بأي شيء نفعهم أسدهم؟ لقد فر إلى حيث يظن النجاة، وتركهم يواجهون مصيرهم وعاقبة أفعالهم.
وحتى قبل أن يتركهم ويغادر، ما الذي كانوا يؤملون أنفسهم بالحصول عليه؟ وما الذي يمكن أن يقدمه طاغية لتابع، إلا أن يكون مالا يزول أو منصبا يحول، أو إشباعا لنزوات وأهواء مريضة؟ولنا هنا أن نتساءل: لو أن الواحد من أولئك حصل على المال أو المنصب أو السلطة، أو حصل على ذلك كله، ولكنه خسر فرصة أن يكون إنسانا سويا؛ أتكون صفقته رابحة؟ رغم بساطة السؤال ووضوح الإجابة، فإن الاهتداء إلى الطرح والرد يفوت من تنكر لمشاعر الفطرة، وأعرض عن دعوة الأخلاق، وأخرس نداء الإنسانية، وسحق رادع الدين.
نبحث في مواطن أخرى عن تفسير لسلوك أولئك، فنتخيل من يردد منهم كالببغاء القول إنهم كانوا يحاربون الإرهاب! ولعمري لست أدري: أيريد أولئك مخادعة الناس أم يستحبون خداع أنفسهم؟ وهل ثمة إرهاب أفظع من براميلهم وزنازينهم وفتكهم المتوحش بالناس، وإخفائهم لمصير عشرات الآلاف من الضحايا؟ويناسب هنا أن نستحضر حقيقة أن الذين اتهموهم بالإرهاب هم الذين وصلوا اليوم إلى الحكم، وبعد أن صار الجناة في قبضتهم، ما تنكروا للمبادئ، بل ألزموا أنفسهم بقواعد المحاكمات العادلة للمجرمين، وبشكل علني يمكن للقاصي والداني أن يتابع تفاصيله.
وإذا، ما الذي يمكن أن نقوله؟ إنهم الطغاة، يعيشون في غفلة مع الوهم، ويستفيقون على حقائق صادمة، وتبقى حجتهم داحضة، ويبقى مسعاهم خائبا.
ألا خاب وخسر من غرته الدنيا فنسي الآخرة، وتمادى في الظلم وقد نسي الحساب؛ وكأنه لم يطرق سمعه يوما قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}قد يحاكم المجرم في الدنيا فيسجن، وقد يحاكم فيقتل، وقد يحاكم فيذاق من العذاب مثل الذي أذاقه لضحاياه أو أكثر.
لكن كل تلك المرارات يهون أمرها أمام المكث في نار تلظى مع عذاب مقيم؛ لا يتبعه موت ينهيه، ولا يتخلله أمل بتخفيفه.
ألا خاب وخسر من غرته الدنيا فنسي الآخرة، وتمادى في الظلم وقد نسي الحساب؛ وكأنه لم يطرق سمعه يوما قوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار}.
وإن من أغراه متاع دنيوي زائل، من سلطة أو ملك أو نفوذ، فطغى وبغى، وتكالب للوصول إليه سالكا سبيل الظلم والبطش، سيتجرع المرارة والخيبة يوم الحساب إذ يدرك أن ما سعى إليه لم يكن إلا سرابا أضاع فيه نفسه.
ولكن، هناك ما هو أفظع من ذلك؛ فالخيبة تصبح مضاعفة، والمرارة تغدو أبلغ بكثير عند من عاش دنياه تابعا لغيره، وطلب متاعها بالبغي والعدوان لا لنفسه بل لسيده، فإذا به يوم الحساب يجد هذا السيد لا يغني عنه من الله شيئا.
وفي هذا يقول ربنا جل شأنه: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب* وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات علیهم وما هم بخارجين من النار}.
ولقد قيل، وصدق القائل: " غبي من باع آخرته بدنياه، وأغبى منه من باع آخرته بدنيا غيره".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك