وردةٌ على قبر بعيد.
وظلال المقابر في الوطن“ليست المأساة أن يزور الإنسان قبور الضحايا، بل أن يهرب من القبور التي تركها خلفه”.
في كيغالي، انحنى الرجل في صمت، ووضع وردة على قبر جماعي لضحايا الإبادة في رواندا.
يا له من مشهد فقد بدا مؤثراً؛ فالوردة لغةٌ لا تحتاج إلى ترجمان، واحترام الموتى خُلُقٌ لا يختلف عليه اثنان.
لكن الصورة، مثل التاريخ، لا تكتمل بما يظهر منها.
فبين الوردة واليد التي وضعتها يا مصباح، تقف أسئلةٌ ثقيلة لا تستطيع عدسة الكاميرا أن تخفيها، ولا يستطيع المشهد أن يتجاوزها.
ليس لأن ضحايا رواندا أقل استحقاقاً للرحمة، بل لأن الرحمة تفقد كثيراً من صدقها ومعناها حين تصبح رحلةً إلى مقابر الآخرين، بينما يظل الطريق إلى مقابر الوطن مغلقاً بالإنكار والصمت، و(بل بس).
كيف يتحدث الإنسان عن فظائع الحروب، وهو لم يتوقف يوماً أمام الفظائع التي صنعتها الأفكار التي حملها، أو التنظيم الذي انتمى إليه، أو(الطغمة) التي أشعلت الحرائق ثم وقفت تتأمل الدخان من بعيد؟
لقد عرف السودان، على امتداد عقود، حروباً أكلت من عمره أكثر مما أكلت السنون.
في الجنوب، وفي دارفور، وفي النيل الأزرق، وفي جنوب كردفان، ثم في هذه الحرب التي ما تزال تنزف؛ سقط مئات الآلاف، وتشرد الملايين، ولم تكن المأساة قدراً نزل من السماء، بل كانت ثمرةً مرة لسياسات الإقصاء، وتقديس القوة، والإيمان بأن الوطن يمكن أن يُدار بالبندقية أكثر مما يُدار بالعقل.
وما أشد قسوة هذه الصورة وذلك الفيديو حين نتذكر أن في السودان ضحايا لم يجدوا قبوراً أصلاً.
أجسادٌ بقيت في الطرقات حتى تحللت تحت الشمس، وافترستها الكلاب الضالة، وأمهاتٌ لا يعرفن أين يرقد أبناؤهن، وأطفالٌ لم يبق لهم من آبائهم سوى أسماء تتردد في الدعاء.
هناك يا قائد كتيبة البراء، عائلاتٌ لم تجد شاهداً تقف عنده، ولا قبراً تضع عليه وردة، ولا مكاناً تقرأ عنده الفاتحة.
لهذا لا تبدو الوردة بريئة كما أراد لها صاحبها أن تبدو.
فالوردة لا تُبرئ اليد، والدمعة لا تمحو أثر النار.
ورواندا لم تصبح قصة نهضة لأنها زارت مقابرها كل صباح، بل لأنها امتلكت شجاعة مواجهة ماضيها، والاعتراف بكارثتها، ثم قررت أن تمنع صناعة مقابر جديدة.
أما نحن، فما زال بيننا من يبكي ضحايا بعيدين، بينما يعجز عن تسمية ضحايا وطنه، أو الاعتراف بمن أشعل الحريق الذي التهمهم.
ولا يزال يمسك بندقيته ويصرخ بل بس.
إن أعظم تكريمٍ للموتى ليس أن نضع وردة على قبورهم، وإنما أن نمنع سقوط قتلى جدد.
هذا هو التكريم الذي يستحقه الإنسان.
وقبل أن نسافر إلى كيغالي لنتعلم من رواندا، ينبغي أن نقف أولاً أمام مرآة السودان.
هناك، حيث لا تزال الأرض تخفي عظاماً لم تجد قبراً، وأسماءً لم تجد عدالة، ودماءً لم تجد اعترافاً.
عندها فقط، تصبح الوردة رسالة وفاء.
لا قناعاً للذاكرة.
(أفق الحرف).
حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ، وحيث يترفق الأفق بالحقيقة، لأن الأوطان لا تُشفى بالورود وحدها، بل بالشجاعة التي تعترف بمن صنع المقابر قبل أن يبكي عندها.
إنا لله ياخ.
الله غالب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك