طرابلس – «القدس العربي»: في وقت تحاول فيه الأطراف الليبية استثمار حالة الزخم السياسي التي برزت خلال الأيام الأخيرة، وجدت البلاد نفسها مجدداً في قلب سجال دولي بعدما استحضر نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، اسم ليبيا بوصفها مثالاً على الفشل وعدم الاستقرار، في تصريحات أثارت استياء مجلس النواب، بالتزامن مع استمرار الترحيب العربي بخريطة الطريق التي اعتمدتها الرئاسات الثلاث لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وبين الانتقادات الأمريكية والإشادات العربية، عاد الجدل حول صورة ليبيا في الخارج، ومستقبل التفاهمات السياسية التي تراهن عليها الأطراف المحلية للخروج من الانقسام.
وأعربت لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مجلس النواب، أمس الأحد، عن استنكارها الشديد لتصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، معتبرة أن استحضار ليبيا في سياق الحديث عن «سيناريوهات الفشل وعدم الاستقرار» يمثل إساءة غير مبررة للشعب الليبي، ويعكس فهماً قاصراً للواقع الذي تمر به البلاد.
وطالبت اللجنة واشنطن باعتماد خطاب سياسي أكثر اتزاناً واحتراماً، مؤكدة أن العلاقات بين البلدين يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشددة على رفض اختزال ليبيا في صور نمطية أو استخدامها مثالاً للفشل والاضطراب.
وجاءت هذه المواقف رداً على تصريحات أدلى بها فانس خلال دفاعه عن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، وانتقاده لمواقف داخل إسرائيل تعارض الاتفاق مع طهران، إذ قال إن بعض الأوساط الإسرائيلية ترغب في «تحويل إيران إلى ليبيا»، متسائلاً عما إذا كان من مصلحة الولايات المتحدة أن تتحول دولة يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة إلى دولة فاشلة.
كما وجه نائب الرئيس الأمريكي انتقادات غير مسبوقة لبعض دوائر صنع القرار في إسرائيل، متهماً إياها بالإفراط في استخدام القوة العسكرية، ومؤكداً أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يبقى الحليف الأبرز لتل أبيب، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى إظهار مزيد من التقدير للدعم الأمريكي.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يجري فيها استحضار ليبيا في الخطاب الغربي باعتبارها نموذجاً للفوضى أو انهيار الدولة، إذ تكرر ذلك منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، وهي المقاربة التي تواجه عادة بانتقادات داخلية ترى أن المجتمع الدولي يتحمل جزءاً من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع بعد التدخل العسكري الذي أسقط النظام السابق، دون استكمال مسار بناء المؤسسات وضمان الاستقرار.
وفي بيانها، أعادت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب التأكيد على هذه النقطة، معتبرة أن الأزمة الليبية لم تكن نتاج إرادة الليبيين وحدهم، بل جاءت نتيجة قرارات وتدخلات دولية معروفة، الأمر الذي يجعل تحميل الشعب الليبي وحده مسؤولية ما جرى أمراً غير منصف.
وجاءت هذه التطورات في وقت تواصل فيه خارطة الطريق التي اعتمدتها رئاسات مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي حصد الدعم العربي والإقليمي.
وأشاد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، السبت، بالوثيقة التي وقعتها الرئاسات الثلاث، واصفاً إياها بأنها «اختراق مهم» نحو إنهاء حالة الانقسام السياسي الممتدة منذ سنوات.
وتنص الوثيقة، التي أعلن عنها الخميس الماضي، على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير 2027، إلى جانب العمل على توحيد المؤسسات السيادية واعتماد إصلاحات اقتصادية ومالية تهدف إلى حماية المال العام والحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة.
ونقل المتحدث باسم الجامعة العربية جمال رشدي عن أبو الغيط إشادته بما وصفه بالحس الوطني والمسؤولية التاريخية التي أظهرها الموقعون على الوثيقة، مؤكداً أن قرارهم بتجاوز الخلافات المؤسسية يعكس إرادة حقيقية لتغليب المصلحة الوطنية والحفاظ على وحدة البلاد.
واعتبر الأمين العام للجامعة العربية أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو الاستقرار، كما يشكل استثماراً للزخم الذي تحقق خلال الأشهر الماضية، سواء على مستوى التوافق بشأن توحيد الميزانية أو اعتماد ميثاق المصالحة الوطنية.
وتأتي الإشادة العربية بعد أيام من ترحيب رئيس الاتحاد الإفريقي بخارطة الطريق، معتبراً أنها تعكس أولوية الأمن القومي الليبي وتسهم في تجاوز حالة الانقسام.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد الملف الليبي تحركات متسارعة، بدءاً من المبادرات الدولية المطروحة، وصولاً إلى إعلان عشرات أعضاء مجلس النواب دعم المبادرة الأمريكية التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي، مسعد بولس، في محاولة للدفع نحو توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام.
وبينما يواصل الفاعلون الإقليميون والدوليون التعبير عن دعمهم لأي مسار يقود إلى الانتخابات، تبدو الأطراف الليبية أمام تحد جديد يتمثل في تحويل التفاهمات السياسية الأخيرة إلى خطوات عملية، في وقت لا تزال فيه البلاد تسعى إلى تجاوز صورة ارتبطت لسنوات بالصراع والانقسام، وإقناع الخارج بأن ليبيا ليست مجرد نموذج للأزمات، بل دولة تحاول استعادة استقرارها ومؤسساتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك