أعادت قضية توقيف صانع المحتوى والناشط السوري حسان عقاد إلى الواجهة نقاشاً أوسع يتجاوز تفاصيلها القانونية، ويتعلق بمن يحدد أولويات النقاش العام في سوريا، وكيف تتحول قضايا فردية على منصات التواصل الاجتماعي إلى ملفات رأي عام واسعة التأثير.
وفي حين ترى أطراف قانونية أن القضية تقع ضمن مسار قضائي مرتبط بشكاوى تشهير وذم وإجراءات أصولية وفق قانون الجرائم الإلكترونية، يعتبر آخرون أن طريقة إدارة الملف تطرح إشكالات أعمق تتعلق بحرية التعبير، وحدود التوقيف، وآليات تطبيق القانون.
ويتوسع الجدل خارج الإطار القانوني ليصل إلى طبيعة الفضاء الرقمي نفسه، وسط تباين في القراءات حول ما إذا كانت منصات التواصل تعكس أولويات الشارع السوري فعلاً، أم أنها باتت تسهم في صناعة هذه الأولويات وإعادة تشكيلها أحياناً بعيداً عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأكثر إلحاحاً.
وبين هذا وذاك، يبرز سؤال أساسي حول ما إذا كان" الترند" قد أصبح شريكاً في صناعة النقاش العام، أم مجرد انعكاس مكثف لواقع اجتماعي وسياسي أكثر تعقيداً.
القانون بين مسار الشكوى وحدود الإجراءأوضح المحامي العام في دمشق أن توقيف حسان عقاد جاء بناءً على شكوى مقدمة من الإعلامي موسى العمر، تتعلق بالقدح والذم والتشهير عبر الشبكة، لافتاً إلى أن الملف سلك الإجراءات القانونية الأصولية، بدءاً من النيابة العامة المختصة بالجرائم الإلكترونية، مروراً بالتحقيقات الأولية، وصولاً إلى إصدار إذاعة بحث بحقه بعد عدم مراجعته رغم تبليغه.
وبحسب الرواية الرسمية، تم تنفيذ التوقيف في أثناء وجود عقاد في دمشق بعد رصد مكانه، في ظل وجود بلاغات أخرى مرتبطة بقضايا مشابهة، على أن يُستكمل الملف أمام القضاء المختص وفق الأصول القانونية.
في المقابل، يرى المحامي والناشط الحقوقي عبد الرحمن العبد الله، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن جوهر الإشكال لا يتعلق بوجود الشكوى بحد ذاتها، بل بطريقة التعامل الإجرائي معها، معتبراً أن قضايا القدح والذم عبر الإنترنت" لا تستوجب الاحتجاز أو التوقيف".
ويضيف العبد الله أن المسار القانوني كان يمكن أن يُدار بشكل كامل عبر تحريك دعوى الحق العام غيابياً وإحالة الملف إلى المحكمة المختصة، من دون اللجوء إلى الإحضار القسري أو التوقيف.
بعيداً عن الإطار القانوني، يذهب الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، إلى توصيف أكثر حدة لطبيعة المشهد الاجتماعي، إذ يعتبر أن المجتمع السوري يعيش" أزمة كارثية كبيرة جداً" تتمثل في انفصام بين المجتمع الحقيقي والمجتمع الافتراضي الذي تعكسه وسائل التواصل الاجتماعي.
ويشير علوان إلى أن هذا الفضاء الرقمي بات ينتج مجتمعاً موازياً" مأزوماً"، تتحول فيه قضية الفرد إلى قضية رأي عام، ويعيش فيه الأفراد حالة توتر وصدامات مستمرة، في حين أن الواقع الاجتماعي مختلف ويخضع لأولويات أخرى.
ويرى أن تراجع البنى الاجتماعية التقليدية خلال سنوات الحرب، وما رافقه من تفكك في المجتمع المدني، أسهما في خلق فضاء افتراضي مضطرب، بل ومؤثر أحياناً في مسار بناء المجتمع الحقيقي.
ويذهب إلى أن استمرار التعامل مع قوانين صيغت في مرحلة سابقة من الصراع يفاقم الأزمة، إذ تُستخدم، بحسب وصفه، في سياقات جديدة تتعلق بحرية التعبير، في ظل تأخر إنتاج تشريعات حديثة تستجيب للمرحلة الحالية.
الفضاء الرقمي شريك في صناعة الأولوياتفي قراءة موازية، يوضح مدير مركز الحوار السوري، أحمد قربي، أن الفضاء الافتراضي بات جزءاً أساسياً من المجال العام، ولا يمكن تجاهله في تحليل صناعة الأولويات.
ويقول قربي إن تأثير هذا الفضاء أصبح واضحاً في بعض القضايا، حيث تفوق قوة الترند أحياناً أثر الفعل الواقعي نفسه، كما في قضايا احتجاجية أو ملفات أثارت جدلاً واسعاً، مثل قضية عقاد وغيرها.
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن العلاقة بين الواقع ووسائل التواصل الاجتماعي ليست أحادية الاتجاه، إذ إن بعض القضايا تنشأ من الواقع ثم تتضخم رقمياً، في حين تنطلق أخرى من الفضاء الافتراضي لتجد لاحقاً صدى على الأرض.
ويشدد قربي على أن الإشكال لا يكمن في وجود هذا الفضاء أو تأثيره، بل في تحوله إلى المحرك الأساسي الوحيد للنقاش العام، ما يستدعي، بحسب تعبيره، إعادة ضبط تفاعله مع أولويات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من دون تجاهل دوره كجزء من المجال العام.
جدل يتجاوز القضية الفرديةتضع قضية حسان عقاد وما رافقها من جدل قانوني وإعلامي المشهد السوري أمام إشكالية أوسع تتعلق بكيفية تشكل الرأي العام اليوم، في ظل تنامي تأثير منصات التواصل الاجتماعي في نقل القضايا الفردية إلى مستوى النقاش العام.
وبين قراءة قانونية تعتبر أن الملف يسير ضمن إطار الشكاوى والإجراءات القضائية الناظمة، وأخرى ترى أن طريقة تطبيق القانون تثير تساؤلات حول حدود التوقيف وضمانات حرية التعبير، تتسع مساحة الجدل حول العلاقة بين القانون والفضاء الرقمي.
في المقابل، يرى باحثون أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مساحة للنقاش، بل أصبحت طرفاً مؤثراً في صناعة الأولويات وإعادة تشكيل النقاش العام، وإن كانت لا تعكس دائماً أولويات الواقع بشكل دقيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك