أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أنّ سوريا الجديدة ترفض العودة إلى سياسات الوصاية والتدخل في الشؤون اللبنانية، مشدداً على أن دمشق لا تسعى إلى أي دور عسكري في لبنان، بل تدعم مسار السلام والاستقرار والحوار بين مختلف المكونات اللبنانية.
جاء ذلك في مقابلة حصرية مع الإعلامي اللبناني طوني خليفة على قناة" المشهد"، تناولت ملفات العلاقات السورية-اللبنانية، وسلاح" حزب الله"، وترسيم الحدود، والواقع الإقليمي، إلى جانب رؤية دمشق للمرحلة المقبلة وخططها الاقتصادية والتنموية.
لا دور عسكرياً لسوريا في لبنانتطرق الرئيس الشرع إلى التصريحات المنسوبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إمكانية اعتماد واشنطن على سوريا في ملف سلاح" حزب الله"، مؤكداً أن تلك التصريحات فُسرت بصورة خاطئة.
وأوضح أن المقصود هو دعم مسار السلام والاستقرار في لبنان، وليس أي تدخل عسكري سوري، مضيفاً أن سوريا ترفض تكرار تجارب الماضي وتسعى إلى تشجيع جميع القوى اللبنانية، بما فيها" حزب الله"، على البحث عن حلول تضمن أمن واستقرار البلاد.
وقال الشرع إن بناء الدولة اللبنانية ما يزال يواجه عقبتين أساسيتين تتمثلان في ملف سلاح" حزب الله" وترسيم الحدود، معتبراً أن استمرار الخلافات حول هذين الملفين يعرقل استقرار المؤسسات اللبنانية، موضحاً أن دمشق لا ترى الوقت مناسباً حالياً لفتح ملف ترسيم الحدود بسبب الحرب والظروف الإقليمية.
وأضاف أنّ إثارة القضايا الخلافية الآن قد تؤدي إلى تعقيدات إضافية، بينما يجب التركيز على الملفات المشتركة ومجالات التعاون الاقتصادي، لافتاً إلى أنّ لبنان لطالما وجد نفسه بين خيارين صعبين: حرب أهلية أو مواجهة مع إسرائيل، داعياً إلى البحث عن" خيار ثالث" يتيح الاستقرار والتنمية.
جراح سوريا مع" حزب الله" ورسالة إلى الشيعة في لبنانوفي حديثه عن العلاقة مع" حزب الله"، قال الرئيس الشرع إن الشعب السوري ما يزال يحمل جراحاً عميقة نتيجة تدخل الحزب في الحرب السورية إلى جانب النظام المخلوع والحرس الثوري الإيراني.
وأضاف أن الحزب كان شريكاً في مآسٍ وجرائم ارتُكبت بحق السوريين خلال سنوات الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن دمشق لا تريد أن تتحول هذه الخلافات إلى سبب لجر لبنان إلى صراعات جديدة، مؤكّداً أنّ الحوار يبقى السبيل الوحيد لمعالجة الخلافات ومنع اندلاع الحروب.
ووجه الرئيس الشرع رسالة مباشرة إلى البيئة الشيعية في لبنان، اعتبر فيها أن قرار تدخل" حزب الله" في سوريا كان" خاطئاً جداً"، داعياً إلى مراجعة التجربة السابقة والانطلاق نحو مرحلة جديدة عنوانها التنمية والإعمار.
وشدّد على ضرورة التمييز بين الطائفة الشيعية و" حزب الله"، مؤكداً أن الشيعة في لبنان مكوّن أساسي من مكونات المجتمع اللبناني، وأن مصلحة جميع اللبنانيين تقتضي الحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها.
وردّاً على سؤال بشأن إمكانية تحوّل دمشق إلى منصة لاستقبال خصوم" حزب الله"، أكّد الشرع أن سوريا لا تريد زيادة الاستقطاب داخل لبنان، مردفاً: " سوريا دفعت ثمناً باهظاً للحروب والانقسامات، ولا تتمنى للبنان أن يعيش التجربة نفسها"، مشيراً إلى أن الدور السوري الجديد يقوم على فتح قنوات للحوار وتعزيز التعاون لا صناعة المحاور.
السلام مع إسرائيل والاتفاق الأميركي الإيرانيعن الحديث المتكرر بشأن اتفاقات أمنية أو سلام محتمل مع الاحتلال الإسرائيلي، أكّد الرئيس الشرع أنّ السلام الحقيقي يحتاج إلى ظروف موضوعية وضمانات واضحة.
واعتبر أن أي اتفاق لا يمكن أن ينجح إذا لم تكن الأطراف قادرة على الالتزام ببنوده وتنفيذ التزاماتها، منتقداً ما وصفه بخروقات سابقة عطلت فرص التهدئة في المنطقة.
وفي تقييمه للاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران، وصف الرئيس الشرع الحرب التي سبقته بأنها" حرب عبثية" لم يخرج منها أي طرف منتصراً، مضيفاً أنّ المنطقة دفعت أثماناً باهظة نتيجة صراعات لم تحقق أهدافها، مرحباً بوقف الحرب باعتباره خطوة تصب في مصلحة الاستقرار الإقليمي.
سوريا محور اقتصادي إقليميفي الملف الاقتصادي، كشف الرئيس الشرع عن أنّ سوريا بدأت فعلياً الانخراط في مشاريع ربط اقتصادي إقليمي مع تركيا والأردن وقطر والسعودية والإمارات.
وأوضح أن سوريا تجاوزت مرحلة التخطيط وانتقلت إلى التنفيذ في عدد من هذه المشاريع، وأنّها أصبحت جزءاً أساسياً من مسارات النقل والتجارة والطاقة في المنطقة.
كذلك، أشار إلى أنّ هذه المشاريع تمنح لبنان فرصة للاستفادة من موقعه الاقتصادي وإعادة تنشيط قطاعاته الحيوية، ولا سيما الطاقة والكهرباء والخدمات المصرفية.
التنمية خيار سوريا الاستراتيجيفي ختام اللقاء، أكّد الرئيس السوري أحمد الشرع أنّ التنمية الاقتصادية تمثل الخيار الاستراتيجي لسوريا خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على برامج إصلاح واسعة تشمل قطاعات الخدمات والتعليم والمصارف والإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري.
وأضاف أن سوريا تعمل حالياً على ترميم آثار الحرب بالتوازي مع إطلاق خطط تنموية طويلة الأمد، مؤكداً أن القيادة الجديدة لن تسمح لأي ملفات أخرى بإبعادها عن هذا المسار، لافتاً إلى أن سوريا واجهت التحديات والإفرازات الداخلية التي ظهرت بعد سقوط النظام المخلوع، وتمكنت من احتوائها ومنع تحولها إلى أزمات مفتوحة.
ووجّه الشرع في ختام المقابلة رسالة إلى اللبنانيين، قائلاً إن سوريا لا تريد إلا الخير للبنان وشعبه، مضيفاً: " لا تشغلوا بالكم، لدينا من الشجاعة ما يكفي، إن كنا نريد أن ندخل حرباً فسنقولها علناً"، مؤكداً أن خيار سوريا هو التنمية وإعادة الإعمار وتضميد الجراح، لا الدخول في حروب وصراعات جديدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك