إربد- ليس معرضا تشكيليا عاديا، بل رحلة بين احتمالات الحياة وأسئلتها المؤجلة.
هناك، في بيت عرار بإربد، علقت الفنانة دانا كنعان أحد عشر سؤالا كبيراً على هيئة لوحات، وجمعتها تحت عنوان واحد: " شمسيات الاحتمالات.
ماذا لو؟ ".
اضافة اعلانكم مرة مر في أذهاننا سؤال" ماذا لو؟ " دون أن نجد له إجابة؟ وماذا لو اتخذنا قرارا مختلفا؟ أو سلكنا طريقا آخر؟ أو تمسكنا بفرصة أفلتت من بين أيدينا؟ تلك الأسئلة التي تبدو عابرة في لحظتها، تتحول مع مرور الوقت إلى جزء من ذاكرتنا، ترافقنا بصمت وتعود كلما استحضرنا محطة من محطات حياتنا.
في بيت عرار بمدينة إربد، اختارت الفنانة التشكيلية دانا كنعان أن تجعل من هذه الأسئلة موضوعاً لمعرضها الفني" شمسيات الاحتمالات.
ماذا لو؟ "، الذي افتتحته الأستاذة الدكتورة إنصاف الربضي ضمن فعاليات مديرية ثقافة محافظة إربد، بحضور عدد من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والفني.
المعرض الذي ضم 11 لوحة تشكيلية لم يكن مجرد عرض بصري للألوان والخطوط، بل مساحة للتأمل والحوار الداخلي، حيث حملت كل لوحة سؤالاً يبدأ بعبارة" ماذا لو؟ "، ليجد الزائر نفسه منذ اللحظة الأولى أمام تجربة تتجاوز المشاهدة التقليدية إلى المشاركة الوجدانية والفكرية.
وتستند فكرة المعرض إلى استحضار الاحتمالات التي رافقت الإنسان في مراحل حياته المختلفة، سواء كانت قرارات اتخذها بإرادته أو ظروفاً وجد نفسه أمامها دون خيار.
فالحياة، كما تعبر عنها الفنانة، ليست سوى سلسلة من الاحتمالات والخيارات والطرق المتشعبة، بعضها نسلكه وبعضها يبقى مجرد احتمال عالق في الذاكرة.
وفي قراءة بصرية مغايرة، استخدمت كنعان" الشمسيات" كعنصر رئيسي في أعمالها الفنية، لتتحول من أدوات للحماية من الشمس إلى رموز إنسانية عميقة تشبه الملاجئ الصغيرة التي تحفظ الذكريات والأمنيات والخيبات والقرارات التي صنعت ملامح حياتنا.
فكل شمسية في المعرض تبدو وكأنها تحتضن حكاية مختلفة، أو احتمالاً لم يكتمل، أو سؤالاً بقي معلقاً في ذهن صاحبه.
ويتنقل الزائر بين اللوحات وكأنه يعبر محطات من حياته الشخصية، إذ لا تفرض الأعمال معنى واحداً أو تفسيراً محدداً، بل تترك المجال مفتوحاً أمام كل شخص ليقرأها من زاويته الخاصة، مستحضراً تجاربه وذكرياته واختياراته.
وهنا تكمن خصوصية المعرض، إذ يصبح المتلقي جزءاً من العمل الفني لا مجرد مشاهد له.
وتقول الفنانة دانا كنعان، إن فكرة المعرض جاءت من إيمانها بأن الإنسان يحمل في داخله عشرات الأسئلة التي لا تنتهي، وأن عبارة" ماذا لو؟ " تكاد تكون السؤال الأكثر حضوراً في حياة الجميع، لأنها ترتبط بالفرص والقرارات والأحلام والندم والأمل في آن واحد.
وتضيف أن الفن يمتلك قدرة فريدة على منح الإنسان فرصة للتأمل في هذه الأسئلة بعيداً عن قيود الواقع والزمن، فحتى وإن كان الماضي لا يمكن تغييره، فإن الخيال الفني يتيح إعادة النظر فيه واستحضار احتمالاته المختلفة، ليس بهدف الندم، بل لفهم التجربة الإنسانية بصورة أعمق.
ومن بين الأعمال المعروضة، تبرز لوحة تحمل مظلة تكاد تذوب تحتها علامة استفهام وحيدة، في مشهد رمزي يختصر فلسفة المعرض بأكملها.
فهناك احتمالات تولد وتموت قبل أن تجد طريقها إلى الواقع، وهناك فرص تضيع قبل أن ندرك قيمتها، كما أن بعض الأسئلة تبقى حاضرة في الذاكرة مهما مرّ الزمن.
ويلاحظ الزائر أن المعرض يعتمد على لغة رمزية واضحة دون أن يفقد بساطته وقدرته على التواصل مع الجمهور، حيث تتداخل الألوان والأشكال والعناصر البصرية لتكوين مشاهد تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية، وتدفع المتلقي إلى التوقف أمام ذاته أكثر من توقفه أمام اللوحة.
ولعل أكثر ما يميز" شمسيات الاحتمالات" أنه لا يبحث عن إجابات جاهزة، بل يحتفي بالأسئلة ذاتها.
فالمعرض لا يقول للزائر ماذا يفكر، بل يدعوه للتفكير، ولا يقدم له حقائق نهائية، بل يفتح أمامه أبواب الاحتمالات على مصراعيها.
ويأتي هذا المعرض ضمن الجهود التي تبذلها مديرية ثقافة محافظة إربد لتنشيط الحركة الثقافية والفنية في المحافظة، وإتاحة المجال أمام الفنانين لعرض تجاربهم الإبداعية التي تتناول قضايا إنسانية وفكرية تمس المجتمع والإنسان بشكل عام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك