قبل خمسة أسابيع، أعلنت منظمة الصحة العالمية تفشّي فيروس إيبولا الأخير في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجارتها أوغندا مقيّمة الوضع بوصفه" حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً".
واليوم، ما زالت تحديات كبيرة تواجه عملية احتواء هذا الفيروس الفتّاك، من بينها الإقرار بوجوده.
وتؤكد المنظمة، في هذا الإطار، أنّ ثمّة من يشكّك في وجود إيبولا بالكونغو الديمقراطية، الأمر الذي يجعل الثقة في صلب عملية مكافحة الوباء، لا بل أساسها.
وتحذّر المنظمة، وكذلك الجهات الصحية المعنية الأخرى، من احتمال أن ينقل أشخاص عدوى إيبولا إلى آخرين، وسط أزمة الثقة القائمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مشدّدةً على أنّ" وجوب تحديد هوية هؤلاء" من أجل التمكّن من احتواء التفشّي الأخير الذي تسبّبت فيه سلالة بونديبوجيو النادرة من فيروس إيبولا التي لا تتوفّر لها لقاحات ولا علاجات معتمدة.
بدوره، أوضح رئيس العمليات في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر برونو ميشون أنّ" وقف انتشار الفيروس يتطلّب استثماراً ليس فقط في الاستجابة الطبية، بل كذلك في بناء الثقة"، مشيراً إلى أنّ" العملية طويلة وشاقة".
وشدّد على أنّ الأمر" في سياق هذا الوباء ليس خياراً، بل مسألة حياة أو موت".
في السياق نفسه، أكد وزير الصحة العامة والنظافة والرعاية الاجتماعية في جمهورية الكونغو الديمقراطية صامويل روجيه كامبا أهمية الثقة لاحتواء تفشّي الفيروس، داعياً جميع المواطنين إلى احترام إجراءات الوقاية من عدوى إيبولا والإبلاغ عن أيّ حالة مشتبه فيها بسرعة ودعم جهود الاستجابة.
وجدّد تعهّده: " معاً، سوف ننهي هذا الوباء".
أتى ذلك خلال إعلان الوزير مجانية الرعاية الطبية في كلّ المنشآت الواقعة بالمناطق الصحية في إقليم إيتوري، شرقي البلاد، طوال فترة أزمة إيبولا الوبائية الراهنة، وذلك من أجل ضمان الوصول العادل إلى الرعاية وتعزيز حماية المواطنين جميعاً في وجه حالة الطوارئ الصحية هذه.
يُذكر أنّ السلطات في جمهورية الكونغو الديمقراطية كانت قد كشفت عن التفشّي السابع عشر لفيروس إيبولا المتوطّن في البلاد منذ نحو نصف قرن في 15 مايو/ أيار الماضي، قبل أن تعلن منظمة الصحة" حالة الطوارئ" بعد يومَين من ذلك.
ووسط أزمة الثقة المسجّلة في جمهورية الكونغو الديمقراطية مع استمرار تفشّي فيروس إيبولا الذي خلّف 956 إصابة مؤكدة من بينها 247 وفاة، وفقاً للبيانات المتوفّرة حتى كتابة هذا التقرير، أشار وزير الصحة العامة الكونغولي إلى تمركز عناصر من الشرطة في محيط المقابر، وذلك في سياق الجهود المبذولة لصدّ الهجمات التي ينفّذها شبّان خلال عمليات الدفن.
ومنذ الإعلان عن تفشّي إيبولا في البلاد، راحت مجموعات غاضبة تهاجم ليس فقط الجنازات، إنّما كذلك المراكز الصحية التي يُعزَل فيها المصابون، إذ إنّ التدابير المتّخذة لدفن ضحايا إيبولا تخالف تقاليد المجتمع.
ويعمد المهاجمون إلى سرقة الجثث أو يحاولون سرقتها، لا سيّما أنّهم من المشكّكين بوجود إيبولا، في حين تُعَدّ التدابير المتّخذة موجبة لضمان عدم انتشار العدوى وضبط التفشّي.
ولفت وزير الصحة العامة في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى أنّ متطوّعَين في جمعية الصليب الأحمر الكونغولي نُقلا أخيراً إلى العاصمة كينشاسا لتلقّي العلاج اللازم، بعد إصابتهما بجروح في رأسَيهما على أثر هجوم نفّذته مجموعة غاضبة على إحدى المقابر في إقليم إيتوري الموبوء خلال دفن أحد ضحايا إيبولا.
أضاف كامبا أنّ" انعدام الأمن لا تسبّبه فقط الجماعات المسلّحة"، في إشارة إلى حركة" إم 23" المسلحة المناهضة للحكومة الكونغولية التي تسيطر على مناطق شاسعة في إقليم شمال كيفو شرقي البلاد.
يُذكر أنّ منظمة الصحة العالمية، كما السلطات الصحية المحلية والأفريقية، كانت قد حذّرت، في أكثر من مناسبة، من الوضع الأمني المتدهور في الأقاليم الثلاثة المتضرّرة بإيبولا، إيتوري وشمال كيفو وجنوب كيفو.
وأوضحت أنّ من شأن ذلك أن يعوّق عملية احتواء الفيروس القائل، إذ تتعثّر قدرة المعنيين على مراقبة التفشّي ورصد المصابين بالعدوى وتتبّع مخالطي هؤلاء وإجراء الفحوص اللازمة.
من جهة أخرى، قال كامبا إنّ في إمكان الأشخاص الذين تلقّوا لقاحاً مضاداً لفيروس" إيبولا زائير"، في وقت سابق، أن يستفيدوا من حماية ما في وجه" إيبولا بونديبوجيو" بنسبة قد تصل إلى 40%.
أضاف كامبا أنّ الدراسات جارية في هذا الشأن، مع العلم أنّ ذلك يتزامن مع محاولات لتطوير لقاح مضاد للسلالة النادرة المتفشية أخيراً من قبل أكثر من جهة.
وبينما تشيد منظمة الصحة العالمية بكلّ جهد ممكن لاحتواء الوباء وتؤكد أنّ الاستجابة لتفشّي إيبولا الأخير توسّعت ميدانياً، إلا أنّها لا تخفي مخاوفها، لا سيّما أنّ الجهود ما زالت أقلّ بكثير من المستوى المطلوب الذي من شأنه أن يضمن السيطرة على الفيروس.
في هذا الإطار، صرّحت مسؤولة الطوارئ لدى منظمة الصحة العالمية لأفريقيا ماري روزلين بيليزير، في مقابلة أخيرة مع" أخبار الأمم المتحدة"، بأنّ على مقياس يتراوح ما بين صفر وعشرة، مقارنة بحيث يجب أن تكون فيه هذه الاستجابة، أستطيع القول إنّنا عند ثلاثة أو أربعة تقريباً".
وأوضحت بيليزير، أمس السبت، أنّ" التفشّي يتطوّر بسرعة، ويتوجّب على جميع الشركاء (.
) أن يكثّفوا جهودهم على الأرض لمواكبة تطوّر هذا الوباء".
وأشارت إلى أنّها لحظت خلال زيارة حديثة إلى بيني، إحدى المناطق الأكثر تضرّراً من تفشّي إيبولا الأخير، مستوى الاستعداد الكبير بين الفرق الصحية المحلية.
وقالت: " كنت راضية جداً إزاء قدرتهم التقنية على تنفيذ الاستجابة"، مضيفةً أنّهم" يعرفون ما يجب فعله، كذلك هم يملكون الخبرة التقنية".
لكنّها بيّنت أنّهم يفتقرون إلى الموارد اللازمة التي توائم قدراتهم، وأكدت أنّ" ما ينقصهم حقاً هو الوسائل.
هم يفتقرون إلى الموارد البشرية، كذلك إلى الدعم اللوجستي اللازم لتنفيذ استجابة قوية".
وتابعت مسؤولة الطوارئ لدى منظمة الصحة العالمية لأفريقيا، في مقابلتها مع" أخبار الأمم المتحدة"، أنّ تفشّي إيبولا يتطوّر كذلك على الصعيد الديمغرافي.
وشرحت أنّ الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 عاماً و49 عاماً كانوا الأكثر تضرّراً من الفيروس في بداية تفشّيه، أمّا اليوم، فتمثّل النساء الفئة الأكثر تأثّراً به، فيما الحالات تتزايد بين الأطفال.
لكنّ هذا التحوّل" ليس مفاجئاً" بالنسبة إلى بيليزير التي لفتت إلى أنّ" النساء، في العادة، هنّ الأكثر تضرّراً خلال تفشّي الأمراض المعدية"، معيدةً ذلك إلى كونّهنّ" اللواتي يهتممنَ بأفراد أسرهنّ، وأزواجهنّ، وآبائهنّ وأمهاتهنّ، وأولادهنّ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك