خلال 27 عاماً قضاها في العمل الصحافي، لم يسبق لإيمانويل فير أن شارك في حراك يخص مهنته مثل ذلك الذي شارك فيه يوم الخميس الماضي.
ليس لأنه بعيد عن أجواء اعتصامات الصحافيين؛ على العكس، فهو لا يكاد يغيب عن واحد منها، هو الذي تولى مسؤوليات نقابية طوال عقدين ولا يزال، اليوم، ممثلاً لـ" الكونفيدرالية العامة للشغل" داخل مجموعة بريسما ميديا، بل لأن تظاهرة الخميس بدت له مختلفة عما عرفه.
كانت تظاهرة" تاريخية"، كما يقول لـ" العربي الجديد"، سواء في جمعها مئات من الصحافيين والعاملين في قطاع الإعلام في باريس، وعشرات آخرين في مدن فرنسية أخرى، رغم الشمس الحارقة، أو في توحيدها فروعاً من المهنة ونقابات ووسائل إعلام نادراً ما تجتمع كلها في مكان واحد.
يشرح فير، الذي يعمل في مجلة جيو التابعة لـ" بريسما": " ما نحاول فعله هو صوغ رد جماعي على خطط صرف الموظفين وتدمير الإعلام التي تنتشر في كل مكان في فرنسا.
نريد بناء جبهة مشتركة تضم الصحافيين والتقنيين وكل العاملين في إنتاج الأخبار.
كانت تظاهرة 18 يونيو/حزيران موعداً مهماً جداً بالنسبة إلينا، وبداية حركة نأمل أن تتوسّع.
نريد أن نقول للفرنسيين إننا لم نعد نستطيع احتمال الوضع الذي نحن فيه".
الحال أن المسيرة، التي دعا إليها ائتلاف نقابات صحافيين وعاملين في الإعلام، كانت لحظة كاشفة عن أزمة حادة تلمّ بالصحافة الفرنسية، وتحمل عناوين تمتد من خطط التسريح الجماعي إلى دخول الذكاء الاصطناعي مكاتب التحرير، ومن تراجع العائدات إلى تركّز ملكية وسائل الإعلام في أيدي حفنة من البنوك والمجموعات التجارية ورجال الأعمال.
ففي" بريسما ميديا"، أكبر ناشري المجلات في فرنسا، التي باتت منذ 2021 ملكاً للملياردير المقرب من اليمين المتطرف فانسان بولوريه، تهدد خطة تسريح جماعية 265 وظيفة من أصل 650، ما دفع أكثر من 400 من موظفيها إلى الإضراب مطلع الأسبوع الماضي.
في هذا الوقت، ينتظر العاملون في" إيبرا"، أكبر مجموعات الصحافة اليومية الإقليمية في البلاد، خطة استقالات طوعية ستعرضها إدارة المجموعة، اليوم الاثنين، على اللجان الاجتماعية والاقتصادية في صحف المجموعة، ومن المتوقع أن تشمل بين 300 و400 وظيفة.
بين ساحة البورصة، بالقرب من مقر وكالة الأنباء الفرنسية، ومقر وزارة الثقافة في الدائرة الباريسية الأولى، مشى المتظاهرون وراء يافطة دعوا فيها إلى الدفاع عن المهنة، لأنها" مُلك مشترك في خدمة الديمقراطية".
كما رفعوا لافتات تتساءل" من دون صحافيين، مَن سيُعلمكم بما يجري؟ "، وأخرى تعلن" الصحافة، مهنة في خطر"، في حين لفت الأنظار نعشٌ رمزي حمله عدد من موظفي" بريسما ميديا" وكتبوا عليه" بولوريه قتلني"، في إشارة إلى الخطر الذي يمثله الملياردير في نظر موظفي المجموعة.
وبين المتظاهرين، حضرت الأمينة الوطنية لحزب" البيئيين" مارين توندولييه، والنائبة عن حزب" جينيراسيون" صوفي تاييه بوليان، في دعم سياسي يشير، رغم محدوديته العددية، إلى أن القضية تحوّلت إلى نقاش عام حول حال الصحافة ومستقبلها.
تقول أنييس بريانسون، وهي صحافية في يومية" لو دوفينيه ليبيريه" التابعة لمجموعة إيبرا، وناطقة باسم النقابة الوطنية للصحافيين، إن الحراك وُلد قبل نحو شهر ونصف مع تشكّل ائتلاف يجمع نقابات الصحافيين، بهدف الرد على ظاهرة يواجهها حقل الإعلام منذ مطلع العام: " نعيش وضعاً لم نشهده من قبل يتمثل بموجة واسعة من الخطط الاجتماعية، وإلغاء الوظائف التي لا تطاول الصحافيين فقط، بل أيضاً المدققين والمصورين والمشتغلين في المونتاج والمطابع والإعلانات".
تضيف: " كانت كل صحيفة تفاوض خطتها الاجتماعية داخل مؤسستها، ثم قلنا لأنفسنا إن الأمر لم يعد ممكناً، وإن علينا أن نتحرك جماعياً ونرفع صوتنا معاً.
فالوضع بات أكبر من مجرد حملة تسريح.
فقد صار يمسّ الإعلام في جوهره، ويهدد جودة المعلومة التي يقدمها.
وهنا يكمن الخطر، لأن الإعلام عندما يكون بخطر، فإن الديمقراطية نفسها بخطر".
ولا تفصل بريانسون بين الخوف على الوظائف وما يصل القرّاء من أخبار.
فالتقليص المتواصل في عدد العاملين قلّص في الآن نفسه الوقت الذي يحتاجونه والأدوات التي تلزمهم لإنجاز أخبار ذات قيمة.
وتقول، انطلاقاً من عملها في أحد عناوين" إيبرا": " يخرج الواحد منا لينجز تقريراً فيكون عليه أن يلتقط الصور أيضاً، وأن يسجل أحياناً مقطعاً صوتياً لتغذية بودكاست الجريدة أو يصور فيديو، ثم يرسل كل ذلك سريعاً إلى موظفي الموقع الإلكتروني.
وبعد هذا فقط يمكنه التفرغ لكتابة مقاله، ضمن الوقت الذي بقي له".
والنتيجة، في رأيها، لا تقتصر على" التعب المهني وساعات العمل الأطول" فقط، بل يؤدي إلى مادة إعلامية أفقر، لأن البوصلة" باتت عدد المشاهدات ومرات الضغط على روابط الأخبار والحوادث المتفرقة والمواضيع الخفيفة، بدلاً من التفرغ إلى ما يعطي الصحافة المحلية معناها، أي مقابلة الناس، وسماع أكثر من طرف، والعودة بمعلومة لا يجدها القارئ في مكان آخر".
وغير بعيد عن هذا المناخ، لم يكن النعش الرمزي الذي حمله موظفو" بريسما" مجرد محاكاة ساخرة.
فالمجموعة، التي تضم عناوين مجلات شعبية وواسعة الانتشار مثل" فواسي"، و" فام أكتويل"، و" تيله لوازير"، دخلت مرحلة" موت بطيء" منذ أن انتقلت ملكيتها عام 2021 إلى فانسان بولوريه.
يقول فير: " كان انتقال المؤسسة إلى مالكها الجديد بداية لسلسلة من خطط إلغاء الوظائف ومغادرة الموظفين.
في البداية، استخدم عدد من الصحافيين حقهم في المغادرة بسبب تغيّر المالك.
ثم جاءت آلية مغادرة جماعية طوعية شملت 27 وظيفة عام 2023، تلتها خطة طاولت 54 وظيفة في 2024.
أما الخطة الجديدة، التي أُعلن عنها رسمياً في إبريل/نيسان الماضي بعد تمهيد أولي في ديسمبر/كانون الأول 2025، فتطاول 40% من موظفي المجموعة".
ومن بين الوظائف الـ265 التي تسعى" بريسما" إلى إلغائها، ثمة 90 وظيفة صحافية.
ويرفض فير الحجج التي تقدمها الإدارة لتبرير ما يجري، والمتعلقة بـ" استعادة الربحية"، خصوصاً أن" بريسما"، كما يذكر، نقلاً عن معطيات النقابات، حققت ستة ملايين يورو أرباحاً صافية عام 2025: " ليست لدى بولوريه أي حاجة مالية تدفعه إلى خطة بهذا الحجم".
ويضيف أن كلام الإدارة عن مغادرات طوعية فقط ليس جدّياً: " لا يمكن أن يغادر 40% من العاملين طوعاً، خصوصاً في سوق عمل كهذه.
كثير من المشمولين بالخطة تجاوزوا الـ50 من العمر، وهي فئة قد تدخل في بطالة مديدة بعد مغادرة المؤسسة".
ولا يتوقف الأمر، بالنسبة إلى فير، عند حدود الخطة الاجتماعية، فالخوف الأكبر يتمثل في أن تكون عمليات التسريح مدخلاً لإعادة تشكيل المجموعة على صورة المنظومة الإعلامية التي بناها بولوريه في السنوات الأخيرة.
تركُّز ملكية الإعلام في أيدي اليمين يثير مخاوف على التعددية والاستقلاليةخوف يقاسمه إياه صحافي يعمل في مجلة كابيتال التابعة للمجموعة، فضّل عدم الكشف عن هويته، شأنه في هذا شأن صحافيَين آخرين من" إيبرا" تحدثا أيضاً إلى" العربي الجديد".
يرى أن مشروع نقل العديد من هيئات تحرير" بريسما" إلى المبنى الذي تتمركز فيه وسائل تدور في فلك بولوريه، مثل" سي نيوز" و" جورنال دو ديمانش" و" أوروبا 1"، هو الخطوة الثانية، بعد التسريح، من مسعى يرمي إلى تقريب هذه العناوين من خط تحريري واحد، يعيد إنتاج أفكار اليمين المتطرف ولا يغادر موضوعاته، من الهجرة والإسلام والأحياء الشعبية إلى الأمن والحوادث المتفرقة وانتقاد اليسار.
يضيف: " كان الجميع يخشى أن يحدث شيء كهذا منذ أن وضع بولوريه يده على 'بريسما'، لكنه ذهب إلى أبعد من كل ما تخيّلناه".
ويتساءل فير، من جهته، عما سيفكر به ويحسّه صحافيون عرب أو سود" عندما سيجدون أنفسهم في المكتب نفسه مع شخصيات تضخّ عبر 'سي نيوز' خطاباً عنصرياً طيلة النهار".
وهو يرى أن سياسة بولوريه ستفضي إلى إبعاد قسم من هؤلاء، ومن الصحافيين الذين يحملون آراء تختلف عما يريده المالك.
والهدف، في تحليله، أن تتحدث كل هذه الوسائل" بصوت واحد يدافع عن الأفكار نفسها، كما جرى مع سي نيوز" التي باتت صوت اليمين المتطرف على الشاشات الفرنسية.
وبهذا، فإن الأزمة داخل" بريسما" تتجاوز عملية تسريح إلى تهديد للتعدد الصحافي نفسه.
ولم ترد إدارة" بريسما" على أسئلة" العربي الجديد" حول خطة التسريح، فيما يحضر تاريخ 22 يوليو/تموز المقبل موعداً لنهاية نقاش هذه الخطة بين المؤسسة وممثلي الموظفين.
الذكاء الاصطناعي يدخل غرف التحرير وسط مخاوف من تقليص دور الصحافيينتبدو الصورة مختلفة في مجموعة إيبرا، أكبر ناشر للصحافة اليومية الإقليمية في فرنسا عبر تسعة عناوين تغطي شرق البلاد وجنوبها الشرقي، مثل" لست ريبوبليكان"، و" لو دوفينيه ليبيريه"، و" لو بروغريه"، وتوزّع نحو 800 ألف نسخة يومياً، بفضل 3200 موظف، من بينهم 1500 صحافي.
وتقول بريانسون إن القلق بدأ منذ سبتمبر/أيلول الماضي مع تعيين صوفي غورمولان رئيسةً للمجموعة، إذ عرف الموظفون أن بنك كريدي موتويل، الذي يملك" إيبرا"، يريد" استعادة التوازن المالي خلال عامين".
ووصفت الإدارة ما تعد له بأنه" خطة تحوّل"، وهي عبارة يعرف العاملون في المؤسسة، بحسب بريانسون، أنها تعني خطة تسريح.
ومنذ ذلك الحين، تراوحت التقديرات حول حجم الوظائف المهددة بين 300 و400 وظيفة، ضمن خطة رحيل طوعي تعرضها الإدارة، اليوم الاثنين، على ممثلي الصحافيين.
وبخلاف" بريسما" وأرباحها، سجلت" إيبرا" خسائر بلغت 35 مليون يورو عام 2025، لكن ما يخشاه العاملون لا يتوقف عند عدد المغادرين وحده.
وبحسب وثيقة داخلية اطّلعت عليها" العربي الجديد"، تتوجه المجموعة إلى تغيير كبير في طريقة عملها، عبر تجميع هيئات تحرير الموقع في مكاتب موحدة، وإنشاء منصة إلكترونية مشتركة للصحف التسع، واستخدام الذكاء الاصطناعي في مراجعة النصوص، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الأتمتة في إخراج الأعداد.
تقول صحافية في أحد عناوين" إيبرا" إن أكثر شريحة مهددة تتمثل بمحرري المواقع الإلكترونية، مضيفة أن اجتماع اليوم" لا يبشّر بخير".
ويؤكد زميل لها في" لو بروغريه" أن أدوات الذكاء الاصطناعي دخلت تدريجياً إلى غرف التحرير خلال الأعوام الثلاثة الماضية، رغم تأكيد الإدارة أنها ستكون أداة مساندة لا بديلاً عن الموظفين.
ويرى الصحافيان أن الخطة تشكّل، بطريقة أو أخرى، امتداداً لما تشهده صحف" إيبرا" منذ أعوام من" عدم تعويض الموظفين المغادرين، وزيادة الضغط لإنتاج مواد أكثر وأقل طولاً، وأكثر إثارة للعواطف، بما يدفع القراء إلى الضغط على الروابط، حتى ولو لم يجدوا فيها معلومة ذات قيمة".
الصحافيون يطالبون بجبهة موحدة لمواجهة التسريحات وتدهور أوضاع المهنةوفي رد على أسئلة" العربي الجديد" حول أسباب حملة" المغادرة الطوعية" المنتظرة، قالت المتحدثة باسم" إيبرا"، ميلاني بيروتيل، إن الصحافة اليومية الإقليمية تعمل في" بيئة اقتصادية مقيدة ومعقدة"، وإن المجموعة تواصل" تكيّفها" لضمان استمرارية عناوينها التسعة، على أن تعرض اليوم على الموظفين" معالم خطتها الاستراتيجية وطريقة تطبيقها داخل كل مؤسسة"، قبل مناقشتها مع ممثلي الصحافيين" في إطار حوار اجتماعي بنّاء ومسؤول".
ولا تنفي بريانسون، من جهتها، صحة حجج إدارة" إيبرا"، لأنها تعرف أن نموذج المجموعة الاقتصادي يواجه أزمة كبيرة تتمثل بتراجع التوزيع الورقي وعائدات الإعلانات بسبب منافسة وسائل التواصل، لكنها ترى أن الأزمة الاقتصادية لا تفسّر وحدها الخيارات التي اتخذتها الإدارات في السنوات الماضية.
فالمشكلة، بالنسبة إليها، تكمن في أن التحول الرقمي أُدير بطريقة تدفع الصحافيين إلى البحث عن الزوار والمشاهدات أكثر من البحث عن المعلومة نفسها، لينتهي الأمر بخفض عدد العاملين، وزيادة حضور الذكاء الاصطناعي.
وتخشى بريانسون أن يقود ذلك إلى تلافي الخسائر المالية لا على حساب الصحافيين فحسب، بل على حساب ما تبقى من الصحافة المحلية في فرنسا.
لا تختصر" بريسما" و" إيبرا" وحدهما الأزمة التي يمر بها الإعلام الفرنسي، وإن كان حجمهما التوظيفي ووزنهما يجعلهما واجهتها الأبرز.
وتشير أرقام النقابة الوطنية للصحافيين إلى أن فرنسا شهدت، منذ مارس/ آذار الماضي، الإعلان عن إلغاء 638 وظيفة في قطاع الصحافة، وهو رقم لا يشمل ما ستكشف عنه" إيبرا" اليوم.
وتتوزّع هذه الأرقام على مجموعات وصحف مثل" سنتر فرانس"، التي تملك ثمانية عناوين إقليمية وسط البلاد، وأعلنت عن إلغاء 152 وظيفة، في حين أُعلنَ عن إلغاء 59 وظيفة في" بايار"، و44 في" ماري كلير"، و19 في" أنفوبرو ديجيتال".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك