روسيا اليوم - النصر العسكري خيار موسكو حال فشل الحوار العربية نت - ديشان: علينا أن نحذر العراق القدس العربي - مستشار ترامب: رباعي القاهرة أكد ضرورة استمرار توحيد مؤسسات ليبيا العربية نت - فيديو.. لامين يامال يرد على أسئلة السعوديين العربي الجديد - وزير داخلية الأردن منتقداً أحوال معبر مع الضفة الغربية CNN بالعربية - "آن أوان الإنصاف".. محمد فضل شاكر يؤكد تراجع حالة والده الصحية الجزيرة نت - مباشر مباراة مصر ضد نيوزيلندا في كأس العالم 2026 الجزيرة نت - في جولتين فقط.. مونديال 2026 يعادل ضعف حالات الطرد في نسختي قطر وروسيا روسيا اليوم - عمدة سابقة تثير الجدل بإطلالة جريئة خلال كأس العالم (فيديو) العربي الجديد - كرة القدم في الضفة الغربية.. تحت الأسلاك الشائكة بسبب الاحتلال
عامة

هجرة المفاهيم… التمثيل الثقافي وخرق المركزية النقدية

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

قد يكون التفكير بالمفاهيم من أخطر الإجراءات الثقافية، التي تثير جدلا، وأسئلة مفارقة حول هوية «المفهوم»، ومدى فاعليته في الفكر، وفي الاستعمال المعرفي، وكذلك مدى تأثيره على الخصوصية الثقافية، وعلى ما يت...

قد يكون التفكير بالمفاهيم من أخطر الإجراءات الثقافية، التي تثير جدلا، وأسئلة مفارقة حول هوية «المفهوم»، ومدى فاعليته في الفكر، وفي الاستعمال المعرفي، وكذلك مدى تأثيره على الخصوصية الثقافية، وعلى ما يتعلق بها من قضايا تخص البيئة التي يتحرك فيها المفهوم، والمرجعيات التاريخية والمعرفية واللغوية التي تجعله فاعلا ومؤثرا، لاسيما في توصيف «الهوية الثقافية»، وفي تمثيل قضاياها التي تخص اللغة والذات والتاريخ والعلاقة مع الآخر.

كتاب «هجرة المفاهيم/ قراءة في تحولات الثقافة» للناقد سعد البازعي الصادر عن المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء 2021، يقترح قراءة مغايرة لتمثيل تلك الهجرة في الإجراء الثقافي، بدءا من توصيف المفهوم، وعلاقته بالفلسفة، وليس انتهاءً بآليات فهمه واستعماله داخل المجال المعرفي، لأن المفهوم هو تمثيل معرفي أولا، مثلما هو «بنية ذهنية» غايتها التعرف، والتأسيس النظري ثانيا، وأحسب أن أطروحات الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، دخلت في هذا السياق بقوة، حين ربطت الفلسفة بإنتاج المفاهيم، وأن وجودها وتمثيلها النقدي هو الذي يُعطي لها قيمة فاعلة.

احتوى كتاب البازعي على خمس وحدات توزعت بين «تحولات ثقافية عربية» و»تحولات الكتب» و»أوروبا والإسلام: هجرات وتحولات حضارية» و»هجرات المعرفة» و»هجرات الفلسفة»، استقرأ من خلالها تمثلات المجال المفهومي في علاقته بالمعرفة، وعلاقته باللغة والفلسفة والمكان والهوية، وتمثيل الآخر، حيث انطلق للتعريف بها من خلال استعانته باستهلال مقالة جيل دولوز «ما هو الفعل الإبداعي» لمناقشة إشكالية حاجة العلوم والفنون إلى الفلسفة، وإلى الحديث عن السياق التاريخي والثقافي، الذي تطورت فيه المفاهيم، وعلاقتها باللغة/ الكلمات، وبتاريخ الأفكار، بوصف أن المفاهيم التي يناقشها الكتاب هي «مفردات أو مفاهيم جاءت من ثقافات ولغات أخرى، بمعنى أنها إما ولدت هناك، وإما تحولت إلى مفاهيم في سياق تلك الثقافات»، لأن هذه المفاهيم ليست «مجردة» و»ملتبسة» وأن حيوية الباحث وجهده العلمي عمد إلى ربط المفهوم بمرجعياته، لاسيما المرجعيات اللسانية والشكلانية، والأنثروبولوجية، ومرجعيات «الدراسات الثقافية» التي فتحت أفقا لمناقشتها مثل، «النسوية، البطرياركية، الجنوسة، العدو» ولبيان ارتباطها بمآلات تاريخية خص «الانتقال الحضاري» وهجرات المعرفة وتحولاتها.

إذا كان ارتباط المفاهيم بالفلسفة موضوعا إجرائيا وتمثيليا، فإن هجرتها من نسق إلى آخر يعني إعادة تموضعها في الاشتغال، وفي الوظيفة، وتجديد استعمالاتها، بوصفها تمثلات تاريخية ونقدية، لأن توظيفها وتجديدها، يخص تجديد النظر إلى القضايا موضوع البحث، وعلى نحوٍ يجعل من «تاريخيتها» إجراء يتجاوز ما هو «معياري» بالمعنى الأرسطي، والانفتاح بها عبر الوعي بجدة استعمالاتها، وبجدوى أن تكون «الهجرة» ذات تحفيز علمي، وحتى «متخيل» إذ كانت الهجرة في موروثنا الإسلامي هي بدء التاريخي، وبدء النشوء الرسالي، وبدء حركة الزمن الديني والثقافي، وهو ما يمكن تمثيله من خلال توصيف الهجرة «النسقية» بوصفه إزاحة للثابت، وتقشيرا للتاريخ، وتحريكا للنسق، ووعيا بمسؤولية توطينها في بيئة نقدية أخرى، حيث ستكون هذه «الهجرة» قرينة بالوظائف التي ستؤديها في «النظرية الثقافية» أو في التمثيل الفلسفي.

التعرّف على المفاهيم يعني التعرّف على حمولتها، وعلى إجراءتها، وعلى مدى الوعي النقدي بها، وعلى مدى قبولها بالتغيير، إذ لا يوجد مفهوم ناجز، ومغلق، وأن وجوده في التداول سيجعله رهينا بذلك الوعي، وإلى التعرف على ما هو جديد في الاستعمال، حيث على الناقد كما يقول البازعي، أن يأخذ « اختلاف البيئة الجديدة في الاعتبار لإحداث تفاعل أكثر استجابة لطبيعة الثقافة التي ينتقل المفهوم، أو النظرية إليها».

من منطلق البحث عن علاقة المفاهيم بالافكار، وبالنظريات والمناهج، وبالتأطير الغربي لها، حيث تلعب الترجمة دورا كبيرا في الاستقبال والتلقي والفهم والاستعمال، فضلا عن معرفة علاقة عدد كبير من المفاهيم بالأيديولوجيا، إذ تمارس هذه الأيديولوجيا، أو تلك نوعا من التعسف المفاهيمي، وبحدود تضييق استعمالها، وتمثيل المتغير في حمولاتها الفكرية والسياسية، فالماركسيون ينظرون للمفهوم غير ما ينظر إليه «المثاليون» وأطروحات فلاسفة وكتّاب مثل غولدمان والتوسير ولوكاش، غير ما ينظر إليه فلاسفة مثل هوسرل وهيدغر، وربما تختلف أيضا في النظر إليها من قبل كتّاب عرب مثل سمير أمين ومحمد عابد الجابري وجورج طرابيشي وفتحي المسكيني، إذ سنجد السياق والوظيفة والقاموس والفهم تلعب أدوارا مهمة في تقعيد تلك المفاهيم نظريا وإجرائيا.

القصد من سؤال المفهوم، كما يرى البازعي سيصطدم بطبيعة ما يحمله من أفكار وإحالات، وبأن استعماله سيكون جزءا من فهمه، ومن السياق الذي يُشكله، أو الذي سيعمل به، بعيدا عن التجريد والتعالي، وبما يجعله يكتسب قوة فاعلة في التمثيل، وفي التعبير عن جدوى علاقته بالخطاب الفلسفي، وبيان الاستدلال على ذلك من خلال الخصائص الذهنية التي يحملها، والأفكار التي يُعبر بها، في المجالات المتعددة، لاسيما في مجالات النقد والنظرية، وكذلك في مجال الدراسات الفلسفية، والدراسات الثقافية، فبالقدر الذي دأب فيه البازعي على توظيف المفاهيم في سياق تمثيلها التاريخي/ الفلسفي، فإنه أدرك أيضا أهمية الفلسفي في توسيع مجال الاشتغال النقدي الجديد.

إن «هجرة» المفهوم من السياق الغربي إلى السياق الجديد لا يعني قدرا، ولا يعني كذلك خيانة، وكذلك لا يعني تسللا، وهروبا من مكان إلى آخر، بقدر ما يعني تمثيلا عميقا وواعيا لأنسنة الثقافة، ولعالميتهاالمفاهيم وتمثيل الخطاب الثقافيقد يبدو الحديث عن «هجرة» المفاهيم مثيرا للجدل، وباعثا على إشكالات ثقافية، وحتى إجرائية، لكن الأمر سيكون ضروريا في سياق التعرّف على مرجعيات المفهوم ذاته، والبحث عن فاعليته، وعن إرادة تجديده، لأن الانتقال من بيئة ثقافية إلى أخرى لن يكون بريئا، ولا بعيدا عن التمثيل التاريخي والسياسي، وحتى الترجمي، لكنه سيكون أكثر تأثّرا بتعقيدات التمثيل الأيديولوجي، بوصفه تمثيلا معقدا، على مستوى علاقته بالخطاب والمؤسسة والمنهج، وكذلك مستوى علاقته بالمجتمع الثقافي- مجتمع الجامعة، الترجمة، المجامع العلمية، إدارة السياسات الثقافية – وهذا ما يجعل من موضوع تلك الهجرة أمام تعقيدات وعقبات، وتحولات، وتداولات تدخل في تمثيل نظرية الأدب، وفي مجال المعرفة، وفي الاندماج داخل البيئات الثقافية المحلية، رغم أن أغلب المفاهيم، والمناهج والنظريات ذات مرجعيات «غربية»، إلا أن تحولها، وتعيين عملها في النظام الثقافي العربي سيضعها أمام تقلبات وصدمات كثيرة، أولها دقة الترجمة، وثانيها الفهم الفلسفي لها، وثالثها فاعلية توظيفها النقدي في السياق، وفي التقعيد النظري، وهذا ما يجعلني أتحفظ على قول البازعي إن «قدر المفاهيم والنظريات، مثلما هو قدر العلوم والآداب حين تهاجر من مكان آخر، قدرها أن تهاجر، وأن تتبيّأ، وأن يحسن فهمها، ويتعمق تأثيرها حينا، وأن يأتي ذلك أحيانا أخرى مثل حصان طروادة».

إن «هجرة» المفهوم من السياق الغربي إلى السياق الجديد لا يعني قدرا، ولا يعني كذلك خيانة، وكذلك لا يعني تسللا، وهروبا من مكان إلى آخر، بقدر ما يعني تمثيلا عميقا وواعيا لأنسنة الثقافة، ولعالميتها، ولمدى الحاجة إلى استثمارها في تغذية الإشباعات المعرفية، التي تمثل «الفلسفة» والنقد مدماكها الكبير، حيث يلعب توظيف المفاهيم والمصطلحات، دورا مهما في تشكيل الخطاب الثقافي، وفي تعيين المفهوم كدال على الفهم، وعلى الوعي والمساءلة والتأويل، وحتى في بناء الأفكار، فالماركسية والظاهراتية والبنيوية والتفكيكية، والدراسات الثقافية والنقد الثقافي والدراسات النسوية، وما بعد الحداثة، وحتى ما بعد الكولونيالية، هي ممارسات ثقافية وأنظمة معرفية ونقدية، قبل أن تكون نظريات ومناهج وممارسات ثقافية، وأن عالميتها لم تأت عبر السياسة، ولا عبر سطوة المركزية الغربية فقط، بل هناك عوامل ناقلة وفاعلة أسهمت في تبيئة هذه الممارسات، ونقل مفاهيمها إلى التداول الثقافي والأيديولوجي والنظري، وهو ما عاشته كثير من الثقافات الكبرى، فمدرسة فرانكفورت نقلت مشغلها النقدي إلى الولايات المتحدة، بعد سيطرة النازية في ألمانيا، لتدخل أطروحاتها ومفاهيمها في سياقات الخطاب الثقافي والنقدي الأمريكي، وفي جامعاتها، وكذلك الشكلانية الروسية، التي أحدثت صدمة تاريخية وثقافية في الغرب، تبدت من خلال تقعيدها لأطروحات البنيوية والمناهج النصية وغيرها.

أحسب أن هذا الكتاب يضع القارئ إزاء واقعية السؤال النقدي، حيث العناية بوعي المفارقة بين خصوصية المفاهيم ومرجعياتها، و»اقلمتها» واستعمالاتها، وهو ما سبق وأن أكده البازعي في «دليل الناقد الثقافي»، بوصفه كتابا مفتوحا للإضافة، وللتلقي المعرفي الذي يتشكل من خلال تنشيط فاعلية «العقل التواصلي» الذي يحرر النص من حساسية الامتلاك، ويعيد تأهيله لبيئات ثقافية تنزع عنه اغترابه، وتحيزه، وباتجاه يجعل من «التوسع» الثقافي خيارا ثقافيا وأخلاقيا وإنسانيا، ورهانا على حرية الفكر، وعلى فاعلية الدراسات المقارنة، وعلى تثوير القدرات في تقويض لعبة المراكز الكبرى.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك