امتاز فيلم «غرام في مكتب» Office Romance الذي عرض في دور السينما هذا العام بصفة غريبة، فالممثلة الرئيسية في هذا الفيلم كانت جنيفر لوبيز (56 عاما)، وكان واضحا أنها تؤدي دورا لممثلة في سن ابنتها.
وليس هذا حدثا منفردا، بل ظاهرة امتازت بها السينما العالمية منذ عدة سنوات حيث من الواضح أن ممثلي وممثلات السينما حاليا يؤدون أدوارا لأشخاص أصغر منهم بكثير، وهو شيء كان مستحيلا في الماضي، لاسيما بالنسبة للممثلات.
وليست هذه الظاهرة نتيجة تطور في صحة العاملين في عالم السينما، أو نتيجة اختراع جديد في مجال مساحيق التجميل، بل نتيجة خضوع هؤلاء الممثلين لآخر ما توصل ٳليه العلم في مختلف الٳجراءات التجميلية، يشمل ذلك العمليات الجراحية التجميلية، بغض النظر عن تكاليف ذلك، فالمال يعيد الشباب بعض الشيء.
وبالطبع ينفي أغلب الممثلين ذلك، معللين شبابهم الدائم باعتنائهم بصحتهم.
ولذلك هنالك من شكك بمظهر براد بت (62 عاما) وجنيفر لورنس (35 عاما) وجنيفر لوبيز (56 عاما) وأنا دي أرماس (38 عاما) ونيكول كيدمان (58 عاما) ورايان غوزلنغ (45 عاما) واخرين.
وبالطبع يدعي أغلب نجوم السينما أن السبب هو خضوعهم لتمارين رياضية قاسية ونظام غذائي صارم، وكأن الجمهور أطفال السذج.
وكانت الهجمات التي أطلقها بعض المعلقين على الممثلة آن هَثَوَي شديدة، لأنها ظهرت شابة نوعا ما في فيلم «التفكير بك» The Idea of You (2024) على الرغم من كونها في التاسعة والثلاثين آنذاك، ٳذ اتهمها الكثيرون باستعمال الحقن التجميلية لإخفاء التجاعيد وأي آثار للتقدم في السن.
ما دفعها ٳلى نفي التهمة والظهور في فيديو على الٳنترنت بينت فيه ان الحيلة كانت من مصفف شعرها الذي قام بجر الشعر ٳلى الخلف ما شد من بشرة وجهها جاعلا إياها تبدو أكثر شبابا.
وظهر الكثير من المعلقين، وكان بعضهم جراحي تجميل لان هذا يُعَدّ دعاية لهم، لتوضيح كيف قامت الممثلات، وأحيانا الممثلون، بتحسين الوجه وفي أي جانب منه.
وعلى الرغم من كل هذه الانتقادات والهجمات، ما يزال جميع هؤلاء الممثلين يمثلون أدوارا رئيسية وغرامية في أفلامهم، وكأنهم في أوائل العشرينيات.
وما تزال عمليات التجميل بين الممثلين والممثلات تشهد انتشارا متزايدا حتى أخذت أشكالهم تبتعد عن أشكال الأشخاص العاديين، ٳذ أصبحت وجوههم شبيهة بأقنعة من الشمع، وأخذ بعض المخرجين يتجنبون التعامل مع أي ممثل تحول وجهه إلى شيء غير واقعي.
وقد بدأت هذه الظاهرة بالظهور حتى بين الممثلين الشباب كمحاولة مستميتة للحصول على أدوار وشق طريقهم نحو الشهرة.
ونظرا لكون الجمال أكثر أهمية بين الممثلات، فقد كانت هذه الظاهرة أكثر انتشارا بينهن.
من المضحك أن ظاهرة عمليات التجميل أصبحت مثيرة للجدل الآن، على الرغم من ظهورها مع بداية صناعة السينما نفسها، حيث ظهرت عمليات تجميل الأسنان في العقد الثاني من القرن العشرين، لبساطتها وضرورتها حيث كانت تقنية التصوير تظهر الأسنان بشكل أقبح من حقيقتها، فأصبح تجميلها من أساسيات النجاح في السينما.
وقد تطورت هذه العمليات وتعقدت بسرعة كبيرة.
ومن الممكن القول إن كل ممثل وممثلة في تاريخ السينما قد قام بعملية واحدة على الاقل لتجميل الأسنان.
ولكن سرعان ما تبعتها الأنواع الأخرى من عمليات التجميل، ٳذ نشرت ٳحدى أشهر المجلات الأمريكية، التي تعنى بشؤون السينما عام 1929 مقالا بعنوان «احتيال اللحم والدم» يفضح دور عمليات التجميل في عالم السينما فاضحا من قام بها، وكان الغريب في هذا المقال أنه ركز على نجوم السينما وليس نجماتها، وتلت ذلك مقالات عدة في صحف شهيرة.
وكانت عمليات التجميل آنذاك بدائية وآثارها واضحة وخضع لها الكثيرون من أشهر الممثلين والممثلات مثل، كلارك غيبل الذي خضع لعملية تجميل أذنيه البارزتين وأسنانه، ومارلين ديترتش التي خضعت لعملية شد وجه، وروبرت فولهايم الذي تخصص في أدوار الإجرام، إذ أراد أن يحسن من وجهه القبيح، كي يمثل أدوارا رئيسية، ٳلا أن شركة «الفنانون المتحدون» United Artists رفعت عليه قضية لثنيه عن عزمه بالقوة ونجحت في مسعاها، وبطل العالم في الملاكمة جاك ديمبسي، الذي قرر دخول عالم التمثيل السينمائي عن طريق تجميل أنفه المحطم، ولكن من دون فائدة، ومن الجيل التالي لهم دين مارتن، الذي قام بعملية تجميل لأنفه، كي يدخل عالم السينما بعد أن ترك الملاكمة كمحترف.
ولم يستمر انتشار ظاهرة عمليات التجميل فحسب، بل تطورت وتعقدت فمثلا ظهرت في ستينيات القرن الماضي عمليات تكبير الصدر بالسليكون، وفي السبعينيات ظهرت عمليات تجميل أجفان العيون وتبعتها عمليات شد الوجه الحديثة (أجريت أولى هذه العمليات في ثلاثينيات القرن العشرين) وحقن الكولاجين في الثمانينيات التي شهدت الانتشار الكبير لعمليات التجميل.
شهد العقد الأخير للقرن العشرين حقن البوتوكس الشهيرة وغيرها.
إذا كان الممثلون يظنون أن عمليات التجميل مفتاح لدخول عالم الشهرة والبقاء فيه لأطول فترة ممكنة، فإنه جلب مشكلة غريبة، الا وهي فقدان الممثل أو الممثلة القابلية على التعبير عن أي مشاعر بوجهه، فمثلا كان واضحا أن هَثَوي كانت غير قادرة على تحريك تقاطيع وجهها في فيلم «أوديسا» Odyssey (2026) ضاربة نفيها عمليات التجميل بعرض الحائط، فكان عليها ليس نفي العمليات التجميلية، بل نفي كثرتها.
وظهر الممثل توم كروز في إحدى المرات بوجه منتفخ، حتى إن البعض تساءل حول صحته، وعلل النقاد أن هذا الانتفاخ كان نتيجة عمليات تجميل خضع لها، وأن وجهه سيتحسن خلال أيام قليلة.
وقد انزعج أحد المخرجين من عدم قابلية ممثله الرئيسي على التعبير بوجهه، ٳلى درجة أنه وقام بالاتصال بطبيب تجميل اشتهر بٳجراء عمليات التجميل المعقدة للممثلين وانتقده بشدة ناسيا أن الممثل المعني لم يكن من زبائن ذلك الطبيب أصلا.
المشكلة هي أن من أهم سمات العمل السينمائي التركيز على وجه الممثل، أو الممثلة، مما يمثل اختبارا حقيقيا لأهم معيارين للتمثيل وهما، الوسامة والقابلية على التعبير، لاسيما عن طريق استخدام الكاميرات الحديثة التي تظهر ملامح الوجه بدقة، تفوق ما تراه العين المجردة.
وبالتالي، فٳن أي آثار للتجاعيد أو عمليات التجميل تظهر بوضوح، ولذلك عندما يعجز جراحو التجميل عن فهم سبب شكوى الممثل، يقومون بمشاهدة أفلامه حيث تظهر التقنيات الحديثة في التصوير ما يعجز عن تمييزه الجراحون من عيوب في وجه الممثلة، أو الممثل طبعا.
كان لعمليات التجميل تأثير غير متوقع على جميع الممثلين، فقد ساعدت هذه العمليات الممثلين على البقاء في الصدارة لعقود على عكس السابق، حيث كانت نجومية الممثلات تبدأ بالأفول عندما تتجاوز الممثلة بداية الثلاثينيات، فتختفي تدريجيا، مثل مارلين مونرو وسيد شاريس وآن باكستر، أو أن تقوم الممثلة بأداء ادوار المتقدمات في السن، مثل بيتي ديفيز التي قدمت أشهر أدوارها بعد تقدمها في السن.
ما سمح للوجوه الجديدة بدخول عالم السينما وصعود سلم الشهرة بسرعة.
ولهذا السبب كانت السينما الأمريكية تقدم حوالي خمسة عشر وجها نسائيا جديدا وسبعة وجوه رجالية جديدة، كل عشر سنوات، أما الآن فقد انخفض هذا العدد ٳلى النصف، لأن النجوم القدامى يستمرون في تمثيل الأدوار الرئيسية لفترات أطول من السابق بكثير.
الغريب في الأمر أن النجم الشهير بشكل عام لا يواجه مشاكل بسبب نتائج عمليات التجميل، ٳذ يتقبله الجمهور بسهولة ولا يضطر أن يقوم بأي اختبار عندما يعرض عليه الدور في فيلم، بل يتم التوقيع معه فورا.
ولدينا مثال شهير في العالم العربي، فعندما خضعت المغنية اللبنانية فيروز لعملية تجميل أنف لم يتساءل الجمهور، أو يثير أي ملاحظات، على الرغم من التغير الكبير الذي طرا على وجهها.
ويذكرنا هذا بالممثل سمير غانم، ٳذ يعرف الجميع أنه أصلع ٳلا أنهم تقبلوا مظهره الجديد بالشعر المستعار بكل هدوء.
وأما بالنسبة للممثلين الثانويين، فالأمر مختلف تماما حيث يدقق المخرجون في ملامحهم ويستبعدون كل من قام بعمليات تجميل واضحة.
ما زاد الطين بلة ظهور أدوية التنحيف في السنوات الأخيرة، حيث أخذ الكثير من الفنانين تناولها.
وقد بلغت آثار هذه الأدوية درجة من السوء، أن بعض من تناولها اضطر للخضوع ٳلى عمليات تجميل للتخفيف من آثارها على مظهرهم.
للتخفيف من آثار عملية التجميل والتغلب على عدم قابلية الممثلين على التعبير وٳعطاء المشهد ما يستحقه من أداء، أخذ المخرجون استعمال مختلف الخدع السينمائية مثل تجنب التركيز على الوجه، أو ٳبقاء الكاميرا مركزة على الممثل من زاوية تمنع مشاهدة وجهه بوضوح ولفترة طويلة نسبيا، أو ٳضافة بعض الملامح على وجه الممثل، أو ٳخفاء آثار عمليات التجميل عن طريق الكومبيوتر، أو تقطيع الفيلم بحذر بعد انتهاء التصوير.
من المستحيل التقليل من أهمية تأثير كل هذا على الجمهور خارج نطاق صناعة السينما، فاغلب الناس، وحتى غير المهتمين بالسينما، يتأثرون بمظهر نجوم السينما والأمثلة كثيرة.
وليست هذه الظاهرة جديدة، ففي عشرينيات القرن الماضي كانت النساء الأمريكيات ينفقن ما مجموعه ستة ملايين دولار على مساحيق التجميل.
ومعلومة مهمة لهواة الأفلام أن مساحيق التجميل التي تستعملها المرأة العادية تختلف جذريا عن مساحيق التجميل التي يستعملها الممثلون أثناء تصوير الأفلام.
وقد انتِجَت مساحيق التجميل الخاصة بصناعة السينما من قبل شركة ماكس فاكتر في بداية العقد الثاني من القرن العشرين.
في نهاية المطاف نتساءل عن رد فعل المشاهد الذي يعلم جيدا أن الممثلة التي تؤدي الدور الغرامي في الفيلم، في عمر جدة الشخصية.
والجواب هو أنه يتقبل هذا وينسى الفرق الشاسع في السن، ولهذا عدة أسباب نفسية، فالعقل البشري غير قادر على التمييز بين الحقيقة والخيال، ما يجعل المشاهد يتقبل ما يشاهده بشكل غير ٳرادي، على الرغم من معرفته زيف ما يشاهده حتى إنه يتخيل أن الممثلة تبدو ثلاثين عاما أصغر من سنها الحقيقي، وكأن تلك البشرة الناعمة والعينين الجميلتين، من سمات الممثلة الحقيقية.
وتساعد على ذلك الٳضاءة الخاصة والملابس المختارة بعناية وٳضافات الكومبيوتر بعد التصوير.
ويضاف ٳلى ذلك عامل كون الممثلة أو الممثل شهيرين، حيث يظنهما المشاهد من دون ٳدراكه أنهما جميلان ونشيطان كما كانا في الماضي، ولهذا السبب نجد نيكول كيدمان تمثل أدوارا غرامية حاليا وروبرت داوني جونيور يؤدي دور بطل خارق.
والسبب الآخر أن تعرض المشاهد المتواصل للأفلام السينمائية جعله متعودا على هذه الظاهرة، بل حتى على تعريفه لمفهوم الجمال.
ستستمر صناعة التجميل في الانتشار والتطور حتى يصبح المشاهد وحتى الخبير غير قادر على تمييزها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك