لطالما قدمت الصين نفسها بطلة لوضع القواعد للآفاق الجديدة التي ترى أنها ستحدث أثراً بالغاً في تغيير شكل العالم، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والفضاء الخارجي، داعية إلى نظام عالمي" أكثر عدلاً وإنصافاً".
أحدث هذه الدعوات، ما صدر في وثيقة سياسية الأربعاء الماضي، قالت فيها بكين إنها ستواصل دعم الدور" المحوري" للأمم المتحدة في الحوكمة العالمية لتلك القطاعات الناشئة.
وجاء في الوثيقة، وهي ورقة بيضاء بعنوان" حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها"، أن الصين لا ترى حاجة" لإعادة بناء" أو" استبدال" النظام الدولي الحالي، لكنها تدعم التغييرات التي تكون أكثر توافقاً مع الحقائق اليوم.
وفي أثناء كشف النقاب عن الكتاب الأبيض في بكين، حذر وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، من أن النظام الدولي الذي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية قد تعرّض للاضطراب بسبب أزمات متعددة، ما ترك الحوكمة العالمية عند" مفترق طرق حرج".
وقال: " مع دخول العالم فترة جديدة من الاضطرابات والتحولات، نحتاج إلى إعادة تنشيط التعددية، ودعم القواعد وسيادة القانون، وتحسين فعالية الحوكمة أكثر من أي وقت مضى".
وشدد على ضرورة معالجة" أوجه القصور والنواقص" في الأطر القائمة.
وقالت الصين في الكتاب الأبيض إن التحديات المتزايدة في العالم تستدعي حكماً أكثر فعالية.
الحوكمة التي تدعو إليها الصينشهد العقد الماضي تصعيداً في الخطاب الصيني بشأن الحوكمة العالمية، حيث دأب الرئيس الصيني شي جين بينغ، في الملتقيات والقمم الدولية التي شارك فيها، على طرح المفهوم الرئيسي لبناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، داعياً إلى منظور حوكمة عالمية قائم على التشاور والمساهمة المشتركة والمنافع المتبادلة، ومؤيداً للتعددية الحقيقية، ومعززاً لعالم متعدد الأقطاب عادل ومنظم، وعولمة اقتصادية شاملة.
ولكن في عام 2025، اتخذ هذا الخطاب منعطفاً حاسماً تزامناً مع احتفالات الصين بالذكرى الثمانين لانتصار الحرب العالمية ضد الفاشية وتأسيس الأمم المتحدة، حيث اقترح شي بصورة رسمية مبادرة للحوكمة العالمية، مقدماً حلاً صينياً للسؤال المعاصر: " ما نوع نظام الحوكمة العالمية الذي يجب بناؤه، وكيف يمكن إصلاح الحوكمة العالمية وتحسينها؟ ".
وحظيت المبادرة فور طرحها، بدعم واستجابة سريعة من نحو 160 دولة ومنظمة دولية، وانضمت أكثر من 60 دولة بنشاط إلى" مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية".
ما هي مبادرة الصين بشأن الحوكمة العالمية؟تهدف مبادرة الصين المقترحة إلى تعزيز بناء ما تعتبره نظام حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً.
ويتمثل الجانب الأساسي لتنفيذ هذه المبادرة بالتمسك الراسخ بسلطة الأمم المتحدة ومكانتها، وأن تُظهر القوى الكبرى مسؤوليتها.
وتدعو، لتنفيذ ذلك، إلى التضامن والتعاون الدوليين، وتقول إن العنصر الأكثر إلحاحاً هو معالجة النقص في السلام والتنمية.
وبالتالي يجب التمسك بثبات بالنظام الدولي الذي تُعد الأمم المتحدة جوهره، والنظام الدولي القائم على القانون الدولي، والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية القائمة على مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، بدلاً من محاولة إنشاء نظام منفصل.
تصف بكين مبادرتها بأنها تبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي تدعم التعددية، وتوحد الجهود من أجل الوحدة، وتسعى إلى مستقبل عادل.
كذلك فإنها تتماشى مع توجه الديمقراطية في العلاقات الدولية، وتعزز ثقة المجتمع الدولي في تطبيق التعددية، وتوفر مساراً واضحاً وقابلاً للتطبيق لتحسين الحوكمة العالمية، وتضخ استقراراً قيماً وطاقة إيجابية في عالم مضطرب.
ضبابية نيّات الصين الاستراتيجيةوقال الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في تايبيه، خون وانغ، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن رؤية الصين للحوكمة والتعددية تبدو في ظاهرها منطقية تلبي تطلعات العديد من الدول، وخصوصاً الجنوب العالمي، لكنها في الواقع تثير العديد من علامات الاستفهام بسبب التناقضات الكبيرة بين الخطاب السياسي والممارسات الفعلية على الأرض.
واعتبر أن هذا الأمر بطبيعة الحال يعزز الشكوك التي تصوّر المبادرة الصينية بأنها تأتي في إطار تحدي الهيمنة الغربية، وتهدف في المقام الأول إلى إعادة تشكيل ميزان القوى داخل المنظمات الدولية وتوسيع نفوذها، والحد من قوة الخطاب الغربي المعادي لبكين.
وأضاف: على سبيل المثال أنشأت الصين آليات متعددة الأطراف مستقلة عن الغرب ومتمركزة حولها، مثل مجموعة" بريكس"، وتوسيع منظمة شنغهاي للتعاون، وقد أدى ذلك إلى تجزئة نظام الحوكمة الدولية وإضعاف قوة الإلزام للنظام الدولي التقليدي.
وتابع: أيضاً في اتجاه آخر، هناك مثال يتعلق بالسيادة السيبرانية، إذ تسيطر بكين بشكل مطلق على البيانات (مشكلة غوغل في الصين)، ولكن هذا التفسير المطلق للسيادة الوطنية يوفر في جوهره حماية قانونية دولية لانتهاكات حقوق الإنسان، وخصوصاً ما يتعلق بالأقليات المسلمة في إقليم شينجيانغ، ومصادرة الرأي وحرية التعبير لأكثر من 1.
4 مليار صيني.
وتابع خون وانغ: في السياق ذاته، لطالما انتقدت الصين التحالفات العسكرية الأميركية باعتبارها تعمل وفق عقلية الحرب الباردة، وتروج في الوقت ذاته لشراكات عسكرية غير منحازة، وهذا يشير إلى رغبة صينية في تفكيك بنية الأمن الأميركية في منطقة المحيطين، لأنها تؤثر بخططها في بسط نفوذها وتعزيز موقفها في نزاعاتها الحدودية مع جيرانها بمنطقة بحر الصين الجنوبي، وبحر الصين الشرقي، وكذلك مضيق تايوان.
واعتبر أن هناك مثالاً صارخاً للتناقضات الصينية مرتبطاً بموقف بكين من قرار محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، التي أصدرت في عام 2016 حكماً يقضي بعدم أحقية المطالب الصينية بالسيادة على جزر تطالب بها الفيليبين في بحر الصين الجنوبي، حيث اعتبرت المحكمة أن بكين انتهكت حقوق مانيلا السيادية.
لكن الصين لم تعترف بشرعية القرار، بالرغم من أنه صادر عن هيئة تشريعية دولية، وهذا يشير إلى انتقائيتها في الامتثال للقواعد الدولية عند التعامل مع مصالحها الخاصة.
من جهته، رأى الخبير في العلاقات الدولية المقيم في هونغ كونغ، جو يانغ، في حديث مع" العربي الجديد"، أن الصين دأبت على استخدام دول الجنوب العالمي في خطابها بشأن الحوكمة، في جزء من استراتيجية دبلوماسية محكمة تهدف إلى تعزيز نفوذها داخل المنظمات الدولية، واستخدام أصوات هذه الدول التراكمية لخدمة مصالحها الخاصة.
وأوضح أن هذا من ناحية يمكّنها من تحدي الهيمنة الغربية، ومن ناحية أخرى، يعزز حضورها في آسيا الوسطى والقارة الأفريقية والدول اللاتينية.
جو يانغ: الصين تستخدم دول الجنوب العالمي جزءاً من استراتيجية دبلوماسية لتعزيز نفوذها داخل المنظمات الدوليةولفت جو يانغ إلى أنه على الرغم من أن بكين تدافع لفظياً عن مصالح ما يُعرف بدول الجنوب العالمي، إلا أنها تنحاز في كثير من الأحيان إلى جانب الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة واليابان، كما حدث في المفاوضات المتعلقة بالإعانات الزراعية في منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي أثار استياء بعض الدول النامية.
وقال: هذا يؤكد الطبيعة الانتهازية للخطابات البراقة التي تصوّر الحوكمة العالمية باعتبارها طوق نجاة وخلاص في عالم مضطرب.
ومع ذلك، أضاف أن كل هذه الانتقادات لا تمثل رفضاً قاطعاً للمبادرة الصينية، لكنها تسلط الضوء على الشكوك حول النيات الحقيقية لبكين وقدرتها على ترجمة أقوالها إلى إجراءات عملية.
في المقابل، رأى أستاذ الدراسات السياسية في معهد قوانغ دونغ، لين تشين، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن التشكيك بمبادرة بكين بشأن الحوكمة العالمية، نابع من سوء فهم وقلة تقدير لمكانة الصين الدولية.
وأضاف أنه يجب التعامل مع بروز بكين قوة عظمى بحكمة واحترام، بدلاً من تصويرها على أنها تهديد يجب احتواؤه.
واعتبر أن جوهر المبادرة الصينية يقوم على أساس سيادة القانون الدولي والالتزام بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئها، باعتبارها الضمانة الأساسية للحوكمة العالمية، وهذا يجب ألا يثير أي علامات استفهام، لأن الصين لا تريد تفصيل عالم على مقاسها، بل تراعي مصالح جميع الدول انطلاقاً من دورها القيادي والمسؤول على الساحة الدولية.
لين تشين: التشكيك بمبادرة بكين بشأن الحوكمة العالمية، نابع من سوء فهم وقلة تقدير لمكانة الصين الدوليةواعتبر أن الصين اليوم ليست كما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، فهي تمتلك النفوذ الاستراتيجي اللازم لطرح رؤيتها وأفكارها، وتتجلى ثقتها بوضوح في ردودها القوية وإجراءاتها المضادة الحازمة ضد المزاعم الغربية والعقوبات الأحادية التي استهدفتها خلال السنوات الأخيرة.
وقال: عندما استهدفت الولايات المتحدة في البداية عمالقة التكنولوجيا الصينية، مثل هواوي، وفرضت قيوداً على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، كان رد بكين في معظمه خطابياً.
لكن هذا تغير بشكل كبير.
فعقب إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض تعرفات جمركية شاملة في إبريل/ نيسان 2026، ردّت الصين بفرض تعرفات جمركية مماثلة على الولايات المتحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك