مذكرة التفاهم تجاهلت تماما العدوان الإيراني ومطالب مجلس التعاونلا أحد بمقدوره دفع دول المجلس لمكافأة العدو الإيراني بـ 300 مليار ولا بدولار واحد المذكرة تتيح استئناف العدوان على دولنا في أي وقتالتسليم بإدارة إيران لمضيق هرمز انتهاك للقانون الدوليأخطر ما في الاتفاق تجاهل الصواريخ الإيرانية والمليشيات الإرهابيةأمن واستقرار الخليج العربي لم يعد في صلب اهتمامات أمريكا بمجرد أن تم إعلان النص الرسمي لمذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران، انهالت الانتقادات الحادة في أمريكا على المذكرة وما تضمنته وعلى إدارة ترامب.
اللافت هنا أن هذه الانتقادات جاءت من الديمقراطيين والجمهوريين معا بالإضافة إلى الخبراء والمصادر المستقلة.
بالطبع هؤلاء انتقدوا المذكرة من منطلق اعتبارات تتعلق بالمصلحة الأمريكية مباشرة فقط في تقديرهم.
نحن لا يعنينا كثيرا الموقف في داخل أمريكا من مذكرة التفاهم.
الذي يعنينا في المقام الأول هو هذا السؤال: ما الذي تمثله مذكرة التفاهم وما تضمنته من بنود بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي؟ .
ما الذي تعنيه بالنسبة إلى العدوان الإيراني على دول المجلس ولمطالب المجلس الأمنية والتهديدات التي تتعرض لها حاليا ومستقبلا؟قبل أن نتطرق تفصيلا إلى ما تضمنته مذكرة التفاهم من وجهة نظر دول مجلس التعاون، هناك ملاحظات أولية من المهم الإشارة إليها.
الملاحظة الأولى: هناك إجماع في أوساط المراقبين والمحللين على أن بنود مذكرة التفاهم تعني استجابة كاملة تقريبا لكل ما طالبت به إيران وما وضعته من شروط.
بعبارة أخرى، إدارة ترامب رضخت لكل مطالب إيران تقريبا وضمنته في بنود المذكرة.
لسنا هنا بصدد مناقشة لماذا فعل ترامب هذا، وإن كنا قد ذكرناه في مقالات سابقة ويتلخص في أن الرئيس الأمريكي بسبب الأزمات الداخلية التي يواجهها أراد إنهاء الحرب بأي شكل وأيا كان الثمن، وكان الثمن هو ما تضمنته المذكرة.
المهم إننا أصبحنا أمام أمر واقع كرسته المذكرة، ويراد تكريسه بشكل دائم بعد الاتفاق النهائي.
الملاحظة الثانية: إن المذكرة في كل بنودها تجاهلت تماما العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون بكل ما يعنيه، وتجاهلت كل المطالب الأمنية الخليجية المعروفة بناء على هذا العدوان وبناء على استراتيجية إيران الإرهابية في المنطقة عموما.
حقيقة الأمر أن المذكرة تعاملت مع دول مجلس التعاون كما لو أنه لا علاقة لها أبدا بالأوضاع في المنطقة وبالحرب والعدوان.
الملاحظة الثالثة: قد يقول البعض إنه لا داعي للمبالغة كثيرا في تحليل بنود مذكرة التفاهم على اعتبار أن ما تتضمنه مجرد مبادئ عامة، وإن الأمر مرهون بالاتفاق النهائي الذي من المفترض التوصل إليه بين أمريكا وإيران خلال 60 يوما.
لكن حقيقة الأمر أن المفاوضات التي ستجري والاتفاق الذي من المفترض أن يترتب عليها ستكون محكومة فقط بالبنود التي تتضمنها المذكرة وتحديدا حول آليات وخطوات تنفيذها لتصبح ترتيبا دائما في الاتفاقية.
بقي أن نتوقف بشيء من التفصيل عند ما تعنيه الاتفاقية بالنسبة إلى دول مجلس التعاون، وسنتوقف تحديدا عند خمسة جوانب كبرى في هذا الخصوص.
البند الأول في مذكرة التفاهم يتعلق بإنهاء الحرب.
وينص بالذات على إعلان الطرفين «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهدان من الآن فصاعداً بعدم الشروع في أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد بعضهما البعض».
إعلان انتهاء الحرب نص على إنهائها بين أمريكا وإيران وعل جبهة لبنان.
طبعا إدخال جبهة لبنان أتى رضوخا لطلب إيران لأسباب معروفة تخصها.
المهم إن هذا النص تجاهل تماما الحرب على جبهة مجلس التعاون والعدوان الايراني على دول المجلس كأنها ليست طرفا في القضية برمتها.
هذا على الرغم من أن دول المجلس أكثر من دفع الثمن في هذه الحرب بعدوان إيران عليها من دون أن يكون لها دخل بالحرب أصلا.
جانب خطير هنا قد لا ينتبه إليه البعض.
تجاهل وقف الحرب والعدوان الإيراني على دول مجلس التعاون يتيح لإيران أن تستأنف العدوان في أي وقت وتقول إن هذه الجبهة ليست مشمولة في الاتفاق.
ما يتعلق بمضيق هرمزمن أخطر بنود مذكرة التفاهم ما تنص عليه بخصوص مضيق هرمز وهي القضية التي تهم مجلس التعاون والعالم كله.
المذكرة تنص على أن يكون مضيق هرمز مفتوحا أمام حرية الملاحة ومن دون رسوم في فترة الـ60يوما.
الرئيس ترامب تحدث عن هذا كأنه حقق إنجازا عظيما.
والحقيقة أنه ليس إنجازا على الإطلاق، بل هو بند خطير جدا.
الخطير هنا أن المذكرة تقر بسيطرة إيران على مضيق هرمز وحقها في إدارته بالتشاور مع سلطنة عمان.
يعني هذا أنه بعد الـ60يوما ستتولى إيران إدارة مضيق هرمز وبمقدورها أن تفرض الرسوم التي تريدها وأي شروط أخرى.
هذا النص يخالف القانون الدولي وينتهك ما ينص عليه من أن المضيق مضيق دولي لا حق لأحد في السيطرة عليه أو إدارته.
وقد كان هذا هو الوضع فعلا قبل الحرب.
ومنذ الآن وقبل أن تبدأ المفاوضات أعلنت إيران أنها هي التي تدير فعلا المضيق وأن أي سفينة عليها أن تحصل عل ترخيص مسبق كي تعبره.
أي إن أمريكا رضوخا لطلب إيران فيما يتعلق بالمضيق انتهكت القانون الدولي وتريد أن ترسي وضعا جديدا خطيرا بالنسبة إلى مجلس التعاون وكل دول العالم.
خطة الـ300 مليار دولارمن أغرب بنود مذكرة التفاهم البند السادس الذي ينص على تخصيص 300 مليار دولار لإيران وينص تحديدا على: «تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية، مع الشركاء الإقليميين، بوضع خطة نهائية ومتفق عليها بشكل متبادل، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار أمريكي، لإعادة إعمار جمهورية إيران الإسلامية وتنميتها اقتصادياً».
يجب أن نعلم خلفية هذ النص.
الذي حدث أن إيران وضعت أحد شروطها منذ البداية أن تتعهد أمريكا بدفع تعويضات لإيران عن خسائر الحرب.
وبدلا من أن تتعهد أمريكا بدفع هذه التعويضات طالما تقبل بهذا الشرط، وضعت هذا النص في المذكرة.
فما دخل «الشركاء الإقليميين» في الموضوع؟ .
الرئيس الأمريكي أصر حتى بعد توقيع المذكرة على أن أمريكا لن تدفع أي أموال لإيران ولا حتى عشرة سنتات.
فمن الذي من المفروض أن يدفع الـ300 مليار دولار إذن؟من المفهوم بالطبع أنهم يقصدون أن تدفع دول مجلس التعاون هذا المبلغ لإيران.
وقد قال نائب الرئيس الأمريكي فانس هذا صراحة في تصريحات علنية.
هذا أمر غريب وفي منتهى الاستفزاز.
دول مجلس التعاون لم تكن طرفا في الحرب ولم يؤخذ رأيها في شنها أصلا.
ودول مجلس التعاون هي التي تعرضت لعدوان إيراني غاشم لأسابيع طويلة وتعرضت منشآتها المدنية وأرواح أهلها لخسائر فادحة.
دول مجلس التعاون هي التي يجب أن تحصل على تعويضات من إيران نتيجة عدوانها الغاشم غير المبرر.
بأي وجه حق إذن يريدون من دول مجلس التعاون ليس فقط أن تتغاضى عن حقوقها في التعويض، بل أن تكافئ النظام الإيراني على عدوانه علينا؟وتنص المذكرة أن أمريكا تتعهد بهذا مع «شركائها الإقليميين»، فهل تعهدت دول مجلس التعاون أو وعدت بدفع مبلغ الـ300 مليار دولار؟ وهل ستدفع إسرائيل مثلا شريكة أمريكا في الحرب على إيران تعويضا لطهران؟ على أي حال، وعلى طريقة ترامب نقول إنه ليس بمقدور أي أحد في العالم أن يدفع دول مجلس التعاون لمكافأة العدوان عليها أو الإسهام في إنقاذ النظام الإرهابي الإيراني لا بـ 300 مليار ولا بدولار واحد؟ .
رفع العقوبات والأموال المجمدةتنص مذكرة التفاهم على رفع كل العقوبات المفروضة على إيران بالكامل، وأيضا على الإفراج عن جميع الأموال الإيرانية المجمدة في العالم.
رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة يعني توفير أموال طائلة للنظام الإيراني.
الأموال المجمدة مثلا وحدها تزيد على مائة مليار دولار.
هذا أيضا أمر في صميم اهتمام دول مجلس التعاون.
لماذا؟لأن توفير كل هذه الأموال للنظام الإيراني يعني منحه مزيدا من القوة ويمكنه من مواصلة استراتيجيته العدوانية التوسعية ضد الدول العربية ومخططاتها الإرهابية ضد ودلنا.
الصواريخ والمليشيات الإرهابيةالخطير في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية ليس فقط ما تضمنته على نحو ما أوضحنا وإنما أيضا ما لم تتضمنه.
وآخر ما لم تتضمنه المذكرة ولم تشر إليه إطلاقا قضيتان هما أهم ما يشغل دول مجلس التعاون ويهدد أمنها واستقرارها، أي قضيتي الصواريخ البالستية الإيرانية، والمليشيات الإرهابية التابعة لإيران في الدول العربية.
كتبنا كثيرا من قبل عن القضيتين وما تمثلانه من خطر داهم على أمن واستقرار دولنا وسلامة مجتمعاتنا.
الصواريخ كانت أداة إيران الأساسية بجانب المسيرات في العدوان على دولنا.
وطالما بقيت قوة إيران الصاروخية على حالها فسيظل خطرها الإرهابي قائما وملحا.
ولسنا بحاجة إلى أن نعيد الحديث عن خطر المليشيات الإرهابية الإيرانية في الدول العربية.
في العدوان الإيراني الأخير شاركت هذه المليشيات في العراق في العدوان المباشر على دولنا.
ونشرت وكالة رويترز مؤخرا تقريرا عن إنشاء الحرس الثوري الإيراني خلايا سرية في العراق للعدوان على دول مجلس التعاون وبتخطيط وتوجيه مباشر من الحرس الثوري.
قبل ذلك كانت الإدارة الأمريكية تصر على ضرورة مناقشة قضية البرنامج الصاروخي الإيراني وقضية دعم إيران وتمويلها للمليشيات الإرهابية كشرط في أي مفاوضان أو اتفاق.
لكن إدارة ترامب رضخت ببساطة لإيران وتم استبعاد القضيتين من أي مفاوضات أو تفاهم أو اتفاق.
ولتأكيد هذه الرضوخ نصت مذكرة التفاهم على أن المفاوضات التي ستجري خلال الـ60 يوما ستناقش فقط و«حصريا» البنود التي تتضمنها مذكرة التفاهم.
الأمر العجيب أن الرئيس ترامب قال بعد توقيع المذكرة إنه سوف يناقش قضية الصواريخ وتمويل المليشيات الإرهابية مع دول مجلس التعاون بشكل منفصل.
هذا أمر غريب جدا.
ما دخل دول مجلس التعاون وما الذي سيناقشه معها بالضبط في هذا الخصوص؟ ! المفروض أن يناقش القضيتين مع إيران كما كان يشترط من قبل.
المهم أن معنى هذا بحكم مذكرة التفاهم أن الاتفاق يريد أن يترك التهديدات الكبرى لدول مجلس التعاون من إيران كما هي دون معالجة أو ردع أو حتى مناقشة.
مؤخرا كتبت تحليلا في «أخبار الخليج» تحت عنوان «إعادة تأهيل النظام الإيراني» قلت فيه إن الاتفاق المتوقع بين أمريكا وإيران سوف يترك دول مجلس التعاون وحدها في مواجهة العدو الإيراني وإرهابه.
وهذا بالضبط هو المحصلة النهائية لما تتضمنه بنود مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران.
كما ذكرت، المذكرة من جانب تتجاهل تماما العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون وكل مطالبها الضرورية من أجل حفظ أمنها واستقرارها.
ومن جانب آخر، ما تتضمنه المذكرة يعني إمداد النظام الإيراني بمصادر قوة جديدة وموارد مالية هائلة تمكنه من مواصلة استراتيجيته التوسعية العدوانية ودعم القوى والمليشيات الإرهابية العميلة له في المنطقة.
بعبارة أخرى، من شأن مذكرة التفاهم حال تنفيذ بنودها أن تفاقم الخطر الإرهابي الإيراني على دولنا.
كل ما ذكرت ليس له من معنى سوى أن أمن واستقرار دولنا الخليجية العربية ومطالبها وانشغالاتها الأمنية ليست في صلب اهتمامات الإدارة الأمريكية.
في المحصلة النهائية كل هذا يعني أن على دول مجلس التعاون أن تشرع فورا في صياغة استراتيجية جديدة لحماية أمنها واستقرارها وتحقيق مصالحها بناء على المعطيات الحالية.
إقرأ أيضا لـ" السيـــــــد زهـــــــره".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك