يبدو أن هذا السحر الخاص الذي اعتاد نتنياهو ممارسته على الجمهور بدأ ينقلب عليه؛ إذ لم يعد الساحر القادر على ترويض واشنطن، بل أضحى مجرد أرنب من بين أرانب عديدة في قبعة الرئيس دونالد ترامب.
لا يحتاج المرء إلى جهد كبير لإدراك عمق التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل في أعقاب وقف الحرب على إيران؛ فقد تجاوزت تصريحات دونالد ترامب دونالد ترامب الأخيرة أروقة السياسة المغلقة وتصدرت المشهد الإعلامي.
فقد فتحت تصريحات ترامب الأخيرة" بأن إسرائيل شريك صغير جداً، وأن لولاه لما صمدت إسرائيل ساعتين، وبفضل جهوده لكان نتنياهو خلف القضبان" أبواب الجحيم في إسرائيل.
وبدورها، أدرك الإعلام الإسرائيلي الذي لطالما تغنى بخطابات الثناء والمديح تجاه شخص بنيامين نتنياهو كزعيم لا يشق له غبار، بات يدرك الآن حجم الأزمة التي يعيشها رئيس وزرائهم وتعيشها إسرائيل بالتبعية.
لقد تحولت أقلام المحللين السياسيين إلى ما يشبه استغاثة الثكلى؛ إذ يحاولون الفصل بين إسرائيل ونتنياهو، مناشدين ترامب ألا يصب غضبه على الدولة بسبب بنيامين نتنياهو، رغم محاولات الأخير ترسيخ معادلة" أنا الدولة، والدولة أنا".
تشير التحليلات السيكولوجية لشخصية ترامب إلى أن الرجل لا يستسيغ الخسارة، ولا يميل إلى الرهان على الضعفاء أو الخاسرين.
ولا شك أنه يدرك التراجع الحاد لنتنياهو وائتلافه الحكومي في استطلاعات الرأي؛ إذ يعجز الائتلاف الحكومي عن تجاوز حاجز ال 50 إلى 52 مقعداً في الكنيست، مما يعني استحالة تشكيل حكومة تحظى بالأغلبية المطلوبة.
كما يدرك ترامب هشاشة وضعه القانوني في ظل المحاكمات الجارية في أكثر من ملف؛ والتي دفعته بدورها إلى ممارسة الضغوط على الرئيس الإسرائيلي لمنحه عفواً عاماً من القضايا، والتفرغ لأداء مهامه.
هذه المعطيات، مضافاً إليها ما أشارت إليه الصحف الإسرائيلية مؤخراً حول شعور ترامب بأنه وقع ضحية خديعة من نتنياهو، عززت انطباعاً لدى النخب أن العلاقة بين الرجلين قد بلغت خط النهاية.
وبات تصريح ترامب الأخير-" لست متأكداً إن كان نتنياهو سيترشح مرة أخرى" - بمثابة تعبير صريح عن تفكيره في مرحلة ما بعد نتنياهو، بعدما تيقن أن الرهان على فطنته وتصرفه بمسؤولية قد أصبح عديم الجدوى.
يمثل جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، تياراً سياسياً يتجاوز ما بات يعرف في الأوساط السياسية الأمريكية باسم" الجمهوريون الجدد"، المرتبط بحركة ماجا التي أرسى دعائهما الرئيس ترامب.
ويمكن وسم هذا التوجه" بالقومية لأمريكية الجديدة"، التي تضع مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية بوصلة مطلقة لا تقبل المقايضة أو التنازل عنها لصالح الحلفاء، أياً كان طبيعة هذا التحالف، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل.
ويتجلى هذا التحول في حدة المفردات تجاه الحكومة الإسرائيلية، حيث وجه لها اتهاماً مبطناً بسعيها لاستخدام القتل والتدمير كأداة للبقاء السياسي، ووسيلة لحل النزاعات.
إن الخطاب الذي استخدمه فانس يشي بتحول بنيوي في العقيدة الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، منهياً حقبة التطابق التام مع رؤى ورغبات تل أبيب، وهو ما يزعزع الركيزة الأساسية التي قامت عليها سياسات نتنياهو وحملاته الانتخابية لسنوات؛ حصرية وعمق علاقته مع الولايات المتحدة.
لم يعد نتنياهو هو ذاته الذي عرفناه قبل خمس سنوات؛ فقد نال منه المرض، وتقدم به العمر، وأنهكه الوقوف أمام الهيئات القضائية.
لقد بات محاصراً في الداخل، ومطلوباً للعدالة في الخارج، وخسر على المستويين العسكري والاستراتيجي.
ولم يصدق في أي من وعوده -داخلياً وخارجياً-، وتحول النصر المطلق الذي وعد به الجمهور إلى هزيمة جيوسياسية مرعبة، وتآكلت معه قوة الردع الإسرائيلي، فأضحى الجيش كنمر من ورق، والبلاد في عهده على شفا حرب أهلية؛ فهل يصمد أمام الضغط الأمريكي الهائل؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك