في زمن مضى، لم يكن الحب يكبس بزِر، ولم تكن المشاعر تُختزل في" إيموجي" أصفر باهت لا يعبر عن حمرة الخجل أو لوعة الاشتياق.
كان الحب يمر عبر بوابات الصبر، يُكتب بمداد الروح على ورق مسطور، ويُختم بقطرة عطر، وينتظر" البوسطجي" كأنه منقذ البشرية.
اليوم، ونحن نغرق في طوفان الرسائل الفورية والتطبيقات الذكية، يبدو أننا ربحنا السرعة وخسرنا اللهفة.
تحولت كلماتنا إلى وجبات سريعة، نكتبها على عجل، ونمحوها على عجل، ونسينا ذلك الطقس المقدس عندما كان الحبيب يمسك بقلمه، يفكر في الكلمة ألف مرة قبل أن يخطها، خوفاً من أن تفضحه شطبة قلم أو بقعة حبر زائفة.
كانت الرسائل الورقية وثائق عاطفية، تُخبأ في صناديق القطيفة، وتُقرأ تحت ضوء خافت آلاف المرات، وفي كل مرة يتجدد النبض كأنها كُتبت التوِ والساعة.
المفارقة الساخرة أن تكنولوجيا الاتصال التي قيل إنها قَرّبت المسافات، قد تكون هي نفسها التي وسّعت الجفاء.
أصبحنا نصل إلى بعضنا في ثوانٍ، لكننا لا نلتقي فعلياً، " شاشات صماء" تنقل الحروف وتقتل الروح.
أين هذا من زمن كان فيه لساعي البريد هيبة، ولقرع خطى حذائه على السلم إيقاع تتراقص له القلوب؟ كانت الأيام الممتدة بين إرسال الرسالة وتلقي ردها هي المساحة الحقيقية التي ينمو فيها الحب، فالانتظار لم يكن داءً بل كان هو الدواء وهو ذروة المتعة.
نحن الآن نعيش في عصر" البلوزة الزرقاء" والعلامتين اللتين تؤكدان القراءة، فإذا لم يأتِ الرد خلال دقيقة قامت القيامة الاجتماعية، لقد تحولنا من" أناقة الصمت والانتظار" إلى" مذلة المتاح أونلاين".
إن الحنين إلى الرسائل المكتوبة بخط اليد ليس مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هو صرخة احتجاج ضد عالم أصبح كل شيء فيه متاحاً ومبتذلاً، عالم افتراضي سرق منا متعة الطقوس العاطفية الدافئة وتركنا نلوك الصقيع الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك