تسقط أقنعة بعضهم سريعاً، في اللحظات التي تتعرض فيها الدول لاختبار سيادتها الحقيقي.
وقتها لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ وإنما: كيف اختار المسؤولون أن يتحدثوا عما حدث؟ذلك ما وقع بالضبط، في سياق تداعيات قضية المعدنين السودانيين، الذين سقطوا داخل الأراضي السودانية بنيران القوات المصرية.
كان المتوقع من أي مسؤول في دولة تحترم نفسها، أن يبدأ من نقطة واحدة واضحة: إدانة الاعتداء، الترحم على الضحايا، المطالبة بالتحقيق والمحاسبة، وإبلاغ المواطنين بأن الدولة لن تتهاون في حماية أرواحهم وسيادة أرضهم.
لكن أمجد فريد اختار طريقاً آخر.
لم يبدأ بالقتلى.
لم يبدأ بالسيادة.
لم يبدأ بالسؤال عن كيفية وصول طيران أجنبي إلى عمق الأراضي السودانية واستهداف مواطنين عزل.
لم يبدأ حتى بمساءلة المؤسسات التي يعمل مستشاراً لإحداها.
ماذا فعل؟ بدأ بالبحث عن خصوم سياسيين يحمّلهم مسؤولية الغضب الشعبي.
كأن المشكلة ليست في القصف، وإنما في الذين احتجوا على القصف.
هنا تظهر المعضلة الأخلاقية كاملة.
فالرجل الذي أمضى معظم بيانه مهاجماً تحالف “صمود” وبعض القوى المدنية، لم يقدم للسودانيين إجابة واحدة عن السؤال الجوهري: ماذا فعلت الدولة السودانية إزاء مقتل مواطنيها؟ هل استدعت السفير المصري؟ هل أصدرت احتجاجاً رسمياً؟ هل فتحت تحقيقاً مستقلاً؟ هل طالبت بمحاسبة؟ هل شرحت للرأي العام ما جرى؟بدلاً من ذلك لجأ إلى واحدة من أقدم الحيل السياسية وأكثرها ابتذالاً: الهروب من القضية إلى قضية أخرى.
فالحديث عن الإمارات، مهما كانت الاتهامات الموجهة إليها، لا يجيب عن سؤال مصر.
وإدانة الدعم السريع لا تبرر الصمت على قتل مدنيين سودانيين.
والغضب من مواقف بعض السياسيين لا يلغي مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها.
الجريمة لا تصبح أقل فداحة لأن مرتكباً آخر ارتكب جريمة مختلفة.
والسيادة لا تتجزأ بحسب هوية المعتدي.
إذا كان اختراق الحدود السودانية وقصف المدنيين جريمة عندما يصدر من جهة ما، فهو جريمة أيضاً عندما يصدر من مصر.
وإذا كانت الوطنية تعني الدفاع عن السودان، فإنها لا يمكن أن تتحول إلى سلعة انتقائية تُستخدم ضد الإمارات وتُعطَّل أمام القاهرة.
الأخطر من ذلك أن أمجد فريد حاول إعادة توصيف ما حدث بلغة مخففة بصورة تثير الدهشة.
فجريمة قصف أودت بحياة عشرات السودانيين تحولت إلى “أحداث مؤسفة”.
واعتداء نفذته قوات نظامية مدججة بالسلاح ضد مواطنين عزل أصبح “احتكاكات واعتداءات متبادلة”.
هل يملك المعدنون السودانيون طائرات حربية؟هل يملكون مدرعات عابرة للحدود؟هل اقتحموا الأراضي المصرية وقصفوا مواطنين مصريين؟إن المساواة بين الضحية والفاعل ليست حياداً.
إنها شكل من أشكال تمييع الحقيقة.
وحين تصل السلطة إلى مرحلة تصبح فيها عاجزة عن تسمية الأشياء بأسمائها، فإنها لا تدافع عن الدولة، بل تدافع عن عجزها.
لهذا لم يكن مستغرباً أن تأتي معظم الردود الغاضبة؛ من أشخاص يختلفون في السياسة والانتماءات، لكنهم التقوا عند حقيقة واحدة: أن بيان مستشار البرهان بدا أقرب إلى بيان ناشط حزبي مبتدئ يخاصم خصومه السياسيين؛ منه إلى موقف مسؤول في دولة قُتل مواطنوها داخل حدودها.
لقد أراد أمجد فريد أن يحوّل الأنظار من سؤال الجريمة إلى سؤال الخصومة السياسية.
ومن سؤال السيادة إلى سؤال “من الذي استغل الحادثة”.
ومن سؤال دماء الضحايا إلى سؤال المواقف السابقة للمدنيين.
لكن المشكلة أن الدم لا يختفي بمجرد تغيير موضوع النقاش.
والضحايا لا يعودون إلى الحياة لأن السلطة نجحت في شن هجوم إعلامي على خصومها.
بل إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يرسل رسالة محبطة جداً للسودانيين: أن موتهم قد يصبح مادة ثانوية؛ إذا تعارض مع حسابات السلطة وتحالفاتها الإقليمية.
هنا تكمن الفضيحة الحقيقية.
فالدول تُقاس أولاً بقدرتها على حماية مواطنيها، أو على الأقل الدفاع عنهم حين يُقتلون.
أما حين يصبح همّ المسؤول الأول هو مهاجمة المنتقدين بدلاً من مواجهة المعتدي، فإن القضية لا تعود قضية حدود فقط، بل قضية انهيار في ترتيب الأولويات الأخلاقية والسياسية للدولة نفسها.
لهذا فإن السؤال الذي لم يجب عنه أمجد فريد سيبقى قائماً:من الذي قتل هؤلاء السودانيين؟وماذا فعلت الدولة السودانية دفاعاً عنهم؟كل ما عدا ذلك ليس سوى ضجيج يراد منه إبعاد الأنظار عن الحقيقة الأكثر إيلاماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك