تابع العالم خلال الأشهر الماضية الصواريخ والطائرات المسيّرة والضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ودول الخليج وتكشف التطورات المتلاحقة حتى اليوم أن المرحلة الأخطر لم تعد عسكرية بل اقتصادية وسياسية، فالحروب تنتهي عادة بتوقيع اتفاق أو مذكرة تفاهم أما الصراعات الكبرى فتبدأ بعد الاتفاق واليوم يقف العالم أمام اختبار جديد هل تنجح التفاهمات الأمريكية الإيرانية الأخيرة في تثبيت الاستقرار أم أنها مجرد هدنة مؤقتة وتكتيكية تسبق جولة جديدة من الصراع؟
وقال الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، أنه منذ أمس برزت شهدت سويسرا تطورات تمثلت في استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية في وسط خلافات حادة بشأن الملف النووي والعقوبات ومستقبل مضيق هرمز بينما هددت تصريحات متبادلة من الجانبين بإرباك المسار التفاوضي رغم الحديث عن «تقدم مهم» في بعض الملفات كما أوقفت إيران بعض جلسات التفاوض احتجاجاً على ما اعتبرته تهديدات أمريكية في حين أكدت واشنطن استمرار العمل على تنفيذ التفاهمات الأولية الخاصة بتهدئة الصراع وإعادة فتح الممرات البحرية.
مفاوضات واشنطن وطهران تدخل مرحلة حاسمةوأضاف في تصريحات لـ «الوطن»، أن الموضوع الأهم ليس تفاصيل التفاوض نفسها بل ما تكشفه من تحولات استراتيجية عميقة وأول هذه التحولات هو تراجع فعالية القوة العسكرية التقليدية في تحقيق الأهداف السياسية فرغم مرور حوالى 4 شهور من المواجهة لم تنجح واشنطن في فرض استسلام استراتيجي على طهران كما لم تتمكن إيران من إخراج الولايات المتحدة من المعادلة الإقليمية والنتيجة أن الطرفين عادا إلى مائدة التفاوض بشروط مختلفة ولكن دون حسم كامل.
وأشار إلى أن التحول الثاني فهو صعود «سلاح الاقتصاد» باعتباره الأداة الرئيسية في المرحلة المقبلة فالمفاوضات الحالية تدور حول مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة لدى الغرب وتخفيف العقوبات النفطية ومستقبل صادرات الطاقة الإيرانية وهي ملفات قد تكون أكثر تأثيراً من نتائج العمليات العسكرية نفسها.
وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، فإن الأسواق لا تتابع الصراع من زاوية الحرب أو السلام فقط بل من زاوية استقرار إمدادات الطاقة فمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية ظل خلال الأشهر الماضية أحد أخطر نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم ورغم الحديث عن إعادة فتحه وتخفيف القيود على الملاحة فإن المستثمرين ما زالوا يتعاملون مع منطقة الخليج باعتبارها منطقة مخاطر مرتفعة.
وأوضح أن اليوم يواجه العالم بأسره معادلة جديدة هي ارتفاع الإنفاق العسكري بالتزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي فالولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا والشرق الأوسط تتجه جميعها نحو زيادة الإنفاق الدفاعي وهو ما يعني عملياً إعادة توزيع الموارد بعيداً عن الاستثمار والإنتاج نحو الأمن والتسلح وهذا أحد أهم الأسباب التي قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو نمو أبطأ خلال السنوات المقبلة.
مصر أمام فرصة تاريخية للاستفادة من التحولات العالميةأما بالنسبة لمصر، فإن القراءة العادية التي تركز فقط على أسعار النفط أصبحت غير كافية صحيح أن أسعار الطاقة والشحن تمثل تحدياً مباشراً لكن الفرصة الأكبر تكمن في التحولات الجارية في التجارة العالمية، فالشركات الدولية أصبحت تبحث عن مراكز إنتاج وتخزين وتوزيع أكثر أماناً خارج مناطق الصراع وهو ما يتيح فرصة تاريخية أمام المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة جنوب العلمين الجديدة للتحول إلى مراكز صناعية ولوجستية تخدم أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط معاً.
ومن زاوية أخرى، فإن الأزمة الحالية تكشف أهمية تسريع برنامج توطين الصناعة المصرية فكل أزمة جيوسياسية جديدة تؤكد أن الأمن القومي لم يعد عسكرياً فقط بل أصبح أمن غذاء وأمن طاقة وأمن سلاسل إمداد وأمن تكنولوجي.
وبالنسبة للمواطن المصري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في ارتفاع أسعار بعض السلع فحسب بل في قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل جديدة وسط بيئة دولية مضطربة لذلك فإن الاستفادة من الأزمة تتطلب التركيز على جذب الاستثمارات الصناعية والتصديرية وليس مجرد انتظار هدوء الأسواق العالمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك