تستعدّ أوروبا هذا الأسبوع لموجة حرّ جديدة متصاعدة الشدّة قد تبلغ مستويات قياسية مستجدّة، الأمر الذي دفع دولاً كثيرة إلى اتخاذ إجراءات احترازية في هذا الشأن لتفادي آثار هذه الموجة المدفوعة بتداعيات تغيّر المناخ.
وأصدرت السلطات المعنية في مختلف أنحاء أوروبا تحذيرات من موجة الحرّ الراهنة، اليوم الاثنين، والتي أدّت إلى وفاة مسنّين في فرنسا.
وتُعَدّ هذه موجة الحرّ الثانية التي تضرب أوروبا الغربية في أقلّ من شهر من موجة أولى في هذا الموسم، بسبب" القبّة الحرارية" التي سيطرت على دول عدّة في المنطقة في مايو/ أيار الماضي، في وقت يُجمع العلماء على أنّ تغيّر المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية يفاقم حدّة الظواهر المناخية المتطرّفة، لا سيّما موجات الحرّ.
وفي قرار يمثّل سابقة في فرنسا، أعلنت هيئة الأرصاد الجوية" ميتيو فرانس" حالة تأهّب قصوى من المستوى الأحمر في 49 مقاطعة، أي أكثر من نصف مقاطعات البرّ الرئيسي لفرنسا الذي يشمل 96 مقاطعة أوروبية (إلى جانب خمس مقاطعات ما وراء البحار)، بدءاً من ظهر اليوم بالتوقيت المحلي (العاشرة صباحاً بتوقيت غرينتش).
كذلك، أعلنت الهيئة الفرنسية حالة التأهّب البرتقالية في 40 مقاطعة أخرى بالبرّ الرئيسي.
وقالت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست، في تصريحات إلى قناة" تيه إف 1" التلفزيونية: " نتوقّع، على أقلّ تقدير، أياماً عدّة من الطقس شديد الحرارة".
أضافت: " ولا نعلم متى ستبدأ درجات الحرارة بالانخفاض".
في سياق متصل، ذكرت المسؤولة في الحكومة المحلية في بوردو، جنوب غربي فرنسا، صوفي بروكا، في تصريحات لقناة" فرانس تيه فيه" مساء أمس الأحد، أنّ ثلاثة مسنّين، تتراوح أعمارهم ما بين 80 عاماً و95 عاماً، توفّوا نتيجة مضاعفات صحية ناجمة عن موجة الحرّ الحالية في فرنسا.
ووفقاً للتوقعات، سوف يتأثّر أكثر من 90% من الفرنسيين بموجة الحرّ التي تضرب أوروبا راهناً.
وقد اتُّخذت تدابير للحدّ من آثارها السلبية على العمّال، لا سيّما في قطاع البناء، وكذلك في المؤسسات التعليمية.
وسوف تُغلَق 845 مدرسة ابتدائية وثانوية اليوم الاثنين، فيما ستصرف 1800 مؤسسة تعليمية أخرى، من أصل 60 ألفاً، تلاميذها في وقت مبكّر من بعد الظهر قبل انتهاء الدوام المعمول به في العادة.
في سياق متصل، حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية من" مخاطر حرائق مرتفعة".
وأوضحت أنّ" درجات الحرارة المتوقّعة المرتفعة جداً" إلى جانب" تدنّي الرطوبة في الهواء" تفاقم المخاطر التي قد تهدّد مناطق إضافية.
وفي إسبانيا، أشارت هيئة الأرصاد الجوية" أييميت" إلى" ارتفاع كبير في درجات الحرارة لهذه الفترة من العام، ليلاً ونهاراً، في معظم أنحاء شبه الجزيرة الأيبيرية وجزر الباليار حتى بعد غدٍ الأربعاء".
وأفادت الهيئة الإسبانية، في بيان نشرته على حسابها الرسمي على موقع إكس أمس الأحد، بأنّ" درجات الحرارة تعاود انخفاضها الخميس المقبل، لكنّ الحرّ سوف يبقى شديداً".
وقال المتحدّث باسم هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية روبين ديل كامبو: " نشهد درجات حرارة أعلى من المعدّل الطبيعي لهذا الوقت من العام بما يتراوح ما بين خمس درجات وعشر".
أضاف أنّ الدرجات سوف ترتفع في" عدد من المناطق الشمالية أكثر من المعدّل بما يفوق عشر درجات".
من جهتها، أفادت وزارة العمل الإسبانية، اليوم الاثنين، بأنّها تراقب مدى التزام الشركات بالقوانين التي تتيح للعمّال تقليص ساعات عملهم أو تعديلها عند إصدار تحذيرات من ارتفاع الحرارة، من اللونَين البرتقالي والأحمر.
أضافت الوزارة أنّ للعمّال الحقّ كذلك في الحصول على إجازة مدفوعة الأجر لمدّة تصل إلى أربعة أيام، في حال تعذّر عليهم الوصول إلى أماكن عملهم بسبب الأحوال الجوية.
وفي بلجيكا، يُنتظَر أن يكون هذا الأسبوع" الأكثر حرّاً على الإطلاق"، مع تجاوز متوسط الحرارة 27 درجة مئوية، بحسب رئيس قسم التوقّعات في معهد" آي آر إم" للأرصاد الجوية ديفيد ديهينو.
وقد ألغت هيئة السكك الحديد الوطنية البلجيكية عدداً من رحلات القطارات خلال الساعات التي ستشهد أعلى درجات حرارة يومي الاثنين والثلاثاء.
بدورها، توقّعت السلطات المعنية في البرتغال أن يكون يوم غدٍ الثلاثاء أشدّ الأيام حرّاً.
وقد وضعت هيئة الأرصاد الجوية البرتغالية ثلاث مناطق داخلية في حالة تأهّب برتقالية، أي في ثاني أعلى مستوى من الإنذار الخاص بالطقس، وسط موجة الحرّ الأخيرة التي تضرب أوروبا الغربية.
في الإطار نفسه، توقّع مكتب خدمة الأرصاد الجوية البريطاني أن تشهد المملكة المتحدة موجة حرّ شديدة في أقسام من وسط إنكلترا وجنوبها، وكذلك في ويلز، بحلول منتصف الأسبوع الجاري.
وقد أصدر المكتب إنذاراً برتقالي اللون ليومَي الأربعاء والخميس المقبلَين.
يُذكر أنّ المملكة المتحدة كانت قد سجّلت، في الشهر الماضي، أعلى درجات حرارة لشهر مايو منذ بدء رصدها، وفقاً لما أفادت به السلطات المعنية حينها.
وحذّر العالم المتخصّص في الغلاف الجوي لدى جامعة" ريدينغ" البريطانية أكشاي ديوراس من أنّ إنكلترا تواجه موجة حرّ شديدة و" غير مسبوقة".
وقد عبّر عن مخاوفه من" تداعيات واسعة النطاق على الصحة العامة وكذلك على البنى التحتية والخدمات الأساسية" في البلاد.
ووسط موجة الحرّ نفسها التي تضرب أوروبا أخيراً، قد تصل الحرارة في هولندا إلى 37 درجة مئوية بحلول نهاية هذا الأسبوع، وفقاً للتوقّعات المحلية.
ويسري إنذار أصفر في مختلف أنحاء البلاد بسبب" الحرّ الخانق والمزعج".
وفي سويسرا، من المرجَّح أن تستمرّ موجة الحرّ التي تضرب أوروبا الغربية حتى نهاية الأسبوع المقبل، مع ارتفاع طفيف في درجات الحرارة، ابتداءً من يوم غدٍ الثلاثاء.
ووفقاً لتقديرات هيئة الأرصاد الجوية السويسرية" ميتيو سويس"، فإنّ موجة الحرّ تصل إلى ذروتها في النصف الثاني من هذا الأسبوع.
ومن المتوقَّع أن يسود اتّجاه مماثل في النمسا، مع استمرار موجة الحرّ طوال هذا الأسبوع.
وقد توقّعت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية في معظم أنحاء البلاد.
وفي منطقة البلقان، من المتوقّع أن تشهد مناطق في كرواتيا وصربيا، في الأيام المقبلة، حرارة مرتفعة قد تصل إلى 35 درجة مئوية.
وفي مقدونيا الشمالية، توقّعت هيئة الأرصاد الجوية أن تصل الحرارة، اليوم الاثنين، إلى 38 درجة مئوية في عدد من المناطق، كما هي الحال في البوسنة والهرسك.
وتبدو درجات الحرارة في أوروبا، اليوم الاثنين، أبعد ما تكون عن معدّلاتها المعتادة، إذ بلغ متوسّط درجة الحرارة القصوى 24 درجة مئوية، أي بزيادة قدرها 4.
1 درجات مئوية عن المعدّل المعتاد في الفترة الممتدّة من عام 1961 إلى عام 1990.
أمّا درجات الحرارة في آسيا وأميركا الشمالية فأتت، وفقاً للرصد، أعلى من المعدّل بنحو درجتَين مئويّتَين و1.
3 درجة مئوية على التوالي.
ويأتي ذلك ليندرج في إطار" الحرّ الشديد" الذي كان قد حذّر منه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس قبل نحو عامَي، معبّراً عن قلقه إزاء تهديده العالم نتيجة تغيّر المناخ.
وقد أطلق، في يوليو/ تموز من عام 2024، نداءً لتحرّك عالمي في مواجهة ذلك، قائلاً: " دعونا نواجه الحقائق، درجات الحرارة القصوى لم تعد ظاهرة ليوم واحد أو أسبوع واحد أو شهر واحد.
الأرض صارت أكثر سخونة وأكثر خطورة على الجميع، في كلّ مكان".
ولفت المسؤول الأممي الانتباه، حينها، إلى أنّ ثمّة مناطق تواجه" وباء حر شديد"، الأمر الذي يدفع إلى دخول المستشفيات ويتسبّب كذلك في وفيات، في وقت لا تتحرّك فيه الحكومات كفاية لاتخاذ الخطوات اللازمة من أجل الحدّ من تبعات ذلك.
(العربي الجديد، فرانس برس، رويترز).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك