هذه ليست المرة الأولى يراجع فيها ألمودوفار أدواته التعبيرية وجوهر فنه، أكثر مما يسعى خلف اكتشافات جديدة.
فـ" عيد ميلاد مر" يندرج في إطار الأعمال التي يتخذ فيها المخرج من تجربته الشخصية مادة للتفكير في الفن نفسه، وفي الحدود الملتبسة التي تفصل الحياة عما يمكن أن نستخرج منها من مادة روائية.
صحيح أنه مع" ألم ومجد"، قبل سبعة أعوام، كان اتجه نحو سينما أكثر انكفاء على الذات، تستعيد الماضي وتفحص المسار المهني والشخصي في آن واحد.
لكن" عيد ميلاد مر" يذهب خطوات أبعد في استجواب العلاقة بين الخيال والواقع، حيناً كمسألة نظرية، وحيناً آخر كمعضلة أخلاقية.
وذاك كله انطلاقاً من سؤال، ما الذي يحدث عندما يتحول الآخرون إلى مادة خام لعمل فني؟ وأين تنتهي الحياة الخاصة ليبدأ عندها الفن؟هنا لا بد من أن نفسح المجال مجدداً لصاحب" كل شيء عن أمي" ليتحدث عما يدور في مخيلته، إذ يقول" هذا البُعد الميتاسينمائي (الذي يتأمل في السينما نفسها) المستوحى من أفكار المسرحي لويجي بيرانديللو يطرح أسئلة عن أخلاقيات الراوي.
فالراوي يلجأ إلى السيرة الذاتية المتخيلة ليروي صدماته وتجاربه المؤلمة المختلفة.
إنه يتحدث عن نفسه (بصورة مستترة) وعن الطريقة التي يؤثر بها محيطه فيه (على نحو أقل استتاراً).
سؤالي، هل توجد جوانب من حياة الآخرين يجب أن تبقى بعيدة من نظر الراوي، فيمتنع عن استخدامها في أعماله؟ أم أنه يحق له استلهام كل ما يحيط به، بحجة أن حياة الآخرين تشكل جزءاً من تجربته الشخصية، بالتالي فهي تنتمي إليه بطريقة ما؟ أخيراً، ما حدود الخيال الذاتي؟ وهل لهذه الحدود أهمية فعلية بالنسبة إلى كاتب يعاني حاجة ملحّة إلى التعبير عن نفسه؟هذا هو السؤال الذي يدور عليه الفيلم، فلا تغيب أي من المفردات البصرية والأجواء المتناغمة التي يكتب فيها ألمودوفار قصيدته الملونة والأنيقة.
كل تفصيلة تسهم في بناء عالمه الموازي الذي يصعب القول إنه يقول كثيراً عن إسبانيا.
أما الأحداث فهي تتمحور حول مخرج سينمائي معروف (ليوناردو سباراغليا) يواجه أزمة إلهام خلال كتابة مشروع جديد له.
ومع تعثر الكتابة، يبدأ باستعارة عناصر من حياة الأشخاص المحيطين به، مستثمراً تجاربهم ومشاعرهم من دون أن يتوقف كثيراً عند التبعات.
من هذه الفرضية، يبني ألمودوفار دهاليز سردية تتنقل بين الأزمنة والوقائع والمستويات التخيلية، حيث يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين ما ينتمي إلى الواقع، وما يتشكل داخل ذهن المخرج الفاقد للإلهام!عن مسألة حدود السيرة الذاتية المتخيلة، يقول ألمودوفار إن المخرج السينمائي لا يطلب الإذن من الأشخاص المحيطين به كي يستخدم عناصر من حياتهم، بما في ذلك أقسى التجارب التي تعرضوا لها.
لكن هناك حدوداً لهذا، الحساسية الأخلاقية لكل شخص.
" في ما يتعلق بي أحاول أن أتجنب إلحاق الأذى بالآخرين.
وحتى الآن، لم أتلقَّ أية شكوى في هذا الشأن.
في ’عيد ميلاد مر‘، الشيء الوحيد المطابق للواقع هو أن مساعدتي الشخصية تنظم جدول أعمالي.
كل ما عدا ذلك فهو خيال.
وعندما تتمرد شخصية المساعدة على الشخصية في الآخر، فهذه الحادثة استعرتها من أشخاص آخرين، ولم يشتكِ أحد من ذلك حتى اليوم.
صحيح أن الكتّاب قد يكونون خطرين على محيطهم.
وقد تحدث الكاتب الفرنسي إيمانويل كارير عن ذلك أخيراً، فقال إن وجود كاتب داخل عائلة يؤدي حتماً إلى نشوء صراعات.
لكنني أحاول أن أكون شديد الحذر".
أسلوبياً، كل ما سبق أن صنع مجد ألمودوفار السينمائي، حاضر بقوة، الألوان الفاقعة والحوارات الواثقة والموسيقى ذات النبرة الميلودرامية والشخصيات المصممة بعناية شديدة.
وقد يرى بعضهم في ذلك ميلاً إلى إعادة إنتاج العناصر نفسها التي رافقت أفلامه السابقة، ولكن يمكن النظر إلى الأمر من زاوية أخرى.
فالفنانون الكبار غالباً ما يعودون للهواجس ذاتها، باعتبارها محاولات متجددة لمقاربة الأسئلة نفسها من مواقع مختلفة.
لا يخلو الفيلم من نقاط ضعف واضحة.
فالحكايات الفرعية التي تتولد من مخيلة المخرج الباحث عن الإلهام، تبدو في كثير من الأحيان مرتبطة بوظيفتها التفسيرية، أكثر من امتلاكها ضرورة درامية مستقلة.
ومع تقدم الأحداث، يتعزز الانطباع بأن بعض هذه المسارات السردية وُجدت أساساً لخدمة الفكرة المركزية لا لتطوير عالم الفيلم أو شخصياته.
كما أن الفيلم برمته يبقى حبيس بيئة اجتماعية مرفهة ومنضبطة إلى حد الزيف.
فكل شيء يبدو مصقولاً، من الأمكنة إلى العلاقات الإنسانية نفسها.
وهذه السمة ليست جديدة في سينما ألمودوفار، لكنها تطرح هنا مشكلة إضافية، لأن الفيلم يتناول الفن كفعل يفترض أن ينطوي على قدر من الفوضى والمغامرة والخروج عن المألوف، فيما تأتي معظم عناصره محكومة بإحساس دائم بالسيطرة.
هذا كله لا يعني أن المخرج فقد تماماً قدرته على صناعة السينما.
فما زالت بصمته حاضرة بقوة، وما زال يمتلك تلك المهارة النادرة في تحويل الأفكار المجردة إلى شخصيات ومواقف قابلة للمشاهدة.
ويعترف ألمودوفار في مقابلاته الصحافية أن منبع الفن والحوار بين الخيال والواقع، من الأشياء التي يجدها محاطة بهالة من الغموض.
وإذا بحثنا جيداً في سجله، لوجدنا أن هذا الغموض يثير اهتمامه منذ" قانون الرغبة" و" التربية السيئة"، وصولاً إلى" ألم ومجد".
وبعد ثلاثة أفلام عن عملية الخلق، يرى أن من الصعب عليه التأكيد أنه قال كل شيء عن هذا الهاجس، معلقاً" أنا نفسي أشعر بأنني مشروع قيد التكوين.
لا أعرف ما ستكون أفلامي المقبلة، لكنني لا أشعر بأنني أنهيت مسيرتي السينمائية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك