روسيا اليوم - الجيش المصري يعلن إحباط مخطط استهدف أمن البلاد وكالة الأناضول - تنس.. إيقاف التشيكية ماركيتا فوندروسوفا بطلة ويمبلدون السابقة 4 سنوات روسيا اليوم - بعد الفوز التاريخي على نيوزيلندا.. منتخب مصر يقفز في تصنيف "الفيفا" وكالة سبوتنيك - الدفاع الروسية: استهداف نقاط تمركز وتحكم الطائرات المسيرة الأوكرانية في دونيتسك بقنابل "فاب-500" روسيا اليوم - منتخب الجزائر يتعرض لضربة موجعة قبل لقاء الأردن قناة الجزيرة مباشر - شبكات | سجدة لامين يامال تغضب اليمين الإسباني قناه الحدث - تقرير يكشف حجم وقيمة "الأضرار المباشرة" في مباني جنوب لبنان روسيا اليوم - رويترز: الإمارات تبحث مع نيودلهي شراء صواريخ "براهموس" الروسية الهندية ومنظومة "أكاشتير" الدفاعية فرانس 24 - مالاغو رئيسا للاتحاد الإيطالي لكرة القدم في مهمة إنقاذية العربية نت - مصر.. محامية تتهم الفنان تامر شلتوت بتحطيم سيارتها عمداً
عامة

زهير بهنام بردى.. شعرية الفيض وإعادة تشكيل العالم داخل اللغة

إيلاف
إيلاف منذ ساعتين

ينتمي نص “هو التعيس بحكمته من أربل إلى بغديدا الآلهة” (2013) للشاعر الراحل زهير بهنام بردى (1951–2022) إلى تجربة شعرية عراقية معاصرة تقوم على تفجير اللغة وإعادة إنتاج العالم داخلها، حيث تتحول القصيدة ...

ينتمي نص “هو التعيس بحكمته من أربل إلى بغديدا الآلهة” (2013) للشاعر الراحل زهير بهنام بردى (1951–2022) إلى تجربة شعرية عراقية معاصرة تقوم على تفجير اللغة وإعادة إنتاج العالم داخلها، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء كوني مفتوح تتداخل فيه الأسطورة بالتاريخ، وتندمج فيه الجغرافيا بالذاكرة، وتفقد فيه الحدود بين الواقعي والمتخيل قدرتها على الفصل.

وكتب زهير نصوصاً شعرية تميل إلى الانفتاح الكوني، حيث تتجاور الرموز الدينية والأسطورية مع اليومي، وتتحول اللغة عنده إلى مادة خلق مستمر تعيد صياغة الوجود داخل الجملة الشعرية.

يُستهل العنوان بإحالة لغوية لافتة بين “أربل” و“أربيل”، حيث لا يعمل الاختلاف بوصفه تنويعاً صوتياً فقط، إنما بوصفه استدعاءً لطبقات تاريخية أعمق من المدينة.

فـ“أربيل” هي الصيغة العربية الحديثة للاسم، بينما “أربل” تحيل إلى الجذر السرياني/الآرامي ܐܪܒܝܠ (Arbīl)، بما يحمله من كثافة حضارية تعود إلى الذاكرة الرافدينية والسريانية.

هذا التحول داخل الاسم يفتح العنوان على أركيولوجيا لغوية تجعل المدينة كائناً متراكب الطبقات، حيث تتجاور في صوتها آثار اللغة والتاريخ والأسطورة، ويتحول الاسم نفسه إلى مساحة دلالية تعيد إنتاج الزمن داخل الحرف.

في هذا الأفق يتشكل النص بوصفه بنية مفتوحة لا تكتفي بالسرد، تعمل على تفجير بنية العالم عبر اللغة، بحيث يغدو القول الشعري فعلاً كونياً يعيد تركيب الوجود من داخله.

وتظهر هذه الرؤية منذ البداية عبر تفكيك الزمن إلى طبقات غير خطية، حيث يُستدعى الكائن داخل زمن متشظٍ:“ولد في الالف السابع من القرن الاتي”بهذا يتجاوز الزمن وظيفته التاريخية ليصبح مادة شعرية قابلة للانزياح والتداخل، فلا يعود الماضي أو المستقبل حدوداً ثابتة فحسب، بل طبقات متداخلة داخل الوعي الشعري.

يتأسس المحور الأول للنص عبر بنية الأسطورة وإعادة الخلق، حيث تتجاور رموز التكوين الأولى في مشهد واحد يعيد صياغة فكرة الأصل:“احتفى الطين في تلة موقرتايا بشكله اللوتس”في هذا التشكيل يغدو الطين مادة كونية حية، لا تشير إلى البداية فحسب، بل تشارك في إنتاجها، فتتحول الطبيعة إلى فاعل داخل العملية الخلقية.

ويتعزز هذا البعد عبر دمج أنظمة أسطورية متعددة داخل جملة واحدة:“حمله زيوس في قماط انكيدو وباركته امّه حوّاء بثعبان وتفاحة”حيث تتجاور الميثولوجيا اليونانية والسومرية والدينية داخل بنية لغوية واحدة، مما يخلق شبكة رمزية كونية تتجاوز الحدود الثقافية التقليدية للأصل.

ينتقل النص إلى بناء المكان العراقي ككون موسوعي، حيث تتحول المدن إلى طبقات ذاكرة ممتدة عبر الزمن:“امتلأ شارع الموكب في بابل بالملوك والاباطرة وكرادلة الايمان”في هذا المشهد تتجاور السلطة السياسية مع المقدس الديني والأسطورة التاريخية، فتغدو المدينة فضاءً كوزمولوجياً يعيد إنتاج التاريخ داخل صورة واحدة متراكبة.

ويمتد هذا الفضاء ليشمل الجسد والطبيعة بوصفهما امتداداً متبادلاً:“من القسم الشمالي من ثمار بساتين بعيدة شرق عيونه نضح العنب والزيتون والتين”حيث يتحول الجسد إلى جغرافيا متحركة، وتتحول الجغرافيا إلى ذاكرة عضوية تنبض داخل اللغة.

في هذا السياق يبرز حضور الذاكرة البصرية والفنية داخل النص، حيث يندمج الفن التشكيلي في البنية الشعرية بوصفه طبقة من طبقات التكوين.

ويأتي استدعاء الفنان الراحل لوثر إيشو بوصفه لحظة كولاجية تربط الشعر بالرسم داخل فضاء واحد:“يطوي اوروك ويلمّها من لوحة لوثر ايشو في قاعة الشهداء في مار يوحنان”يتحول الفن التشكيلي إلى عنصر داخلي في إعادة بناء المدينة داخل اللغة، حيث تُستعاد أورك من داخل اللوحة، وتتحول اللوحة إلى ذاكرة موازية للتاريخ الشعري.

تعمل تقنية القوائم والتعداد بوصفها بنية إنشاديه مركزية، حيث تتكاثر الأسماء والرموز في سلاسل طويلة تُحوّل اللغة إلى طقس استحضار للعالم.

في هذا السياق لا تعمل الأسماء بوصفها إحالات فقط، فحسب، وإنما بوصفها أدوات خلق وإعادة تثبيت للوجود داخل النص، مما يمنح الكتابة طابعاً تعويذياً كثيفاً.

ويتجلى البعد الجمالي في صياغة مفارقة “التعيس بحكمته”، حيث يتشكل الوعي بوصفه توتراً دائماً بين المعرفة والانكسار: “التعيس بحكمته”في هذا التكوين تتحول الحكمة إلى عبء معرفي يعمّق إدراك الفوضى بدل تنظيمها، فتغدو المعرفة تجربة انكشاف مستمر داخل عالم مفتوح على الاحتمال والاضطراب.

أما على المستوى اللغوي فتشتغل القصيدة بوصفها فيضاً متدفقاً غير قابل للإغلاق، حيث تنفلت الجملة من النظام التقليدي وتتحول إلى تيار بصري-دلالي يعيد إنتاج العالم داخل ذاته، دون فواصل حادة بين الصورة والفكرة والزمن.

في ضوء ذلك يمكن قراءة النص بوصفه نموذجاً لـ القصيدة-الكون، حيث لا تُبنى الدلالة على الإحالة إلى خارج النص، تسعى إلى إنتاج عالم لغوي مستقل داخل اللغة نفسها.

يتحول التاريخ إلى مادة شعرية قابلة لإعادة التشكيل، وتتحول الجغرافيا إلى أرشيف رمزي مفتوح، ويغدو الإنسان أثراً لغوياً داخل شبكة متحركة من العلامات.

تتجلى حذاقة هذا البناء في قدرته على تحويل الفوضى التاريخية إلى نظام جمالي داخلي، يتعدى تقديم العالم بوصفه معطى جاهزاً، نحو عملية خلق مستمرة داخل اللغة، تتجدد مع كل جملة وتتمدّد مع كل صورة.

ويكتسب هذا النص دلالة إضافية إذا ما قُرئ في ضوء المرحلة الأخيرة من تجربة زهير بهنام بردى.

ففي عامه الأخير كتب سلسلة من البلوكات الشعرية القصيرة، بدا فيها انشداده إلى مفردات الطين والتراب، والأرض أكثر، وضوحًا، وتركيزًا.

ولم يعد الطين مجرد استعارة للبدايات أو مادة للتكوين، بل غدا جوهرًا أنطولوجيًا يعود إليه الكائن بعد رحلته الطويلة في الأسطورة والتاريخ واللغة.

ومن هذه الزاوية، يبدو حضور الطين في «هو التعيس بحكمته من أربل إلى بغديدا الآلهة» إرهاصًا مبكرًا بهذا المنحى، إذ يستهل النص بالاحتفاء بالطين بوصفه مادة الخلق الأولى، قبل أن يتسع المشهد ليحتضن الحضارات، والآلهة، والمدن، والذاكرة.

وكأن تجربة الشاعر، في خواتيمها، كانت تنزع إلى اختزال الكون كله في عناصره الأولى: التراب، والطين، والإنسان.

يصل النص في النهاية إلى لحظة تتقاطع فيها الفوضى بالمعنى، حيث يتحول الإنسان إلى أثر لغوي داخل كون شعري متحرك، ويغدو النص فضاءً لإعادة إنتاج العالم بلا توقف، في اندماج كامل بين اللغة وما تصنعه من وجود.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك