القدس العربي - تحسن الملاحة بمضيق هرمز بعد تباطؤها عقب إعلان إيران إغلاقه وكالة الأناضول - إسرائيل تقرر سحب "فرق التأهب" من الشمال بعد وقف النار مع لبنان العربي الجديد - تقييم أولي لأضرار الحرب الإسرائيلية في جنوب لبنان قناة العالم الإيرانية - مونديال 2026.. تعادل مرير لإيران أمام بلجيكا رغم الأداء القوي روسيا اليوم - مقتل 14 شخصا معظمهم طلاب في حريق بمبنى شمال الهند قناة الشرق للأخبار - لبنان في لعبة التوازنات الخطيرة.. ما هي آلية ترمب الجديدة لإنهاء نفوذ حزب الله؟ BBC عربي - فانس: إيران توافق على عودة المفتشين الدوليين والمفاوضات تتقدّم الليوان - حال الطفرانين وهم يجمعون الجطة 😂 Euronews عــربي - اتهامات مثيرة بعد مباراة الجزائر والأرجنتين.. محلل يزعم وجود "لوبي يهودي" يحمي ميسي CNN بالعربية - ما هو التقدم المحرز في المحادثات الأمريكية الإيرانية؟
عامة

سيرة وردة الجزائرية كما كتبها ابنها بالفرنسية

Independent عربية
Independent عربية منذ ساعتين

يجمع كتاب" الصوت والدم والحياة، شذرات من حضور وردة الجزائرية"، بين النظرة الفنية النافذة والحساسة وبين ذكريات الطفولة الدافئة، في حوار متواصل بين تجربة الابن الشخصية وإرث الفنانة التي أسهمت في صنع تار...

يجمع كتاب" الصوت والدم والحياة، شذرات من حضور وردة الجزائرية"، بين النظرة الفنية النافذة والحساسة وبين ذكريات الطفولة الدافئة، في حوار متواصل بين تجربة الابن الشخصية وإرث الفنانة التي أسهمت في صنع تاريخ الأغنية العربية.

لا يندرج كتاب القصري ضمن كتب السيَر التقليدية، ولا يقتصر على سرد تاريخي جاف لحياة وردة الجزائرية، لعله يقدم شهادة إنسانية حميمة تكشف عن الوجه الآخر الذي ظل بعيداً من الأضواء، محفوظاً في ذاكرة الابن الذي عرف وردة أمّاً قبل أن يعرفها الجمهور صوتاً وحضوراً أسطورياً.

يأتي الكتاب بعد ـ14 عاماً من تاريخ الرحيل، وكأن رياض القصري احتاج إلى كل هذه المدة ليجد الكلمات المناسبة للحديث عن شخصية أمه التي طبعت وجدانه ووجدان الملايين.

فالكاتب ينسج نصاً مؤثراً تتداخل فيه الذاكرة العائلية بالتاريخ الفني والسياسي، وتتجاور فيه الحكايات الشخصية مع الأحداث الكبرى التي صنعت مسرى وردة الجزائرية.

ينبني الكتاب على فكرة محورية مفادها بأن وردة كانت تعيش في هيئة شخصيتين متعانقتين لا تنفصل عرى إحداهما عن الأخرى، وردة الفنانة التي أسرت الجمهور العربي برنين صوتها الفريد وحضورها الأخاذ، ووردة المرأة والأم التي نسجت بعيداً من الأضواء حياة حافلة بالمحبة والعطاء والتضحية.

ويشير القصري إلى أن أصعب ما واجهه خلال وضع هذا الكتاب كان السعي إلى الإمساك بالخيط الرفيع الذي يصل بين هاتين الصورتين، فلا يذوب السرد في مديح يطمس الحقيقة، ولا تنجرف الشهادة في تيار العاطفة الجارف والتمجيد المفرط.

ولأنه أراد أن يبقى وفياً للمرأة التي جمعت في شخصها بين بريق النجومية ودفء الحياة الخاصة، يؤكد الابن أن هاجسه الأكبر طوال رحلة الكتابة كان الحفاظ على التوازن الدقيق بين هاتين الصورتين.

فالكرم الذي كانت تبديه وردة على المسرح، كما يروي ابنها، كان امتداداً طبيعياً لكرمها في الحياة اليومية.

والدفء الذي وصل إلى الملايين عبر صوتها وأغانيها كان انعكاساً لشخصية إنسانية عميقة عرفت بالمحبة والعطاء، لذلك لا يرى الكاتب تناقضاً بين وردة الفنانة ووردة الأم، بل يراهما وجهين لحقيقة واحدة.

وإضافة إلى الذكريات الحميمة التي يستعيدها رياض القصري عن والدته، فإن معظم المعلومات الواردة في الكتاب تستند إلى ذاكرة العائلة نفسها.

فهو عبارة عن شهادات وروايات جمعها الابن من والدته الراحلة، ومن أخواله وعماته وأبناء عمومته، لتتكون منها فسيفساء إنسانية تعيد رسم ملامح حياة وردة بعيداً من الأضواء.

ويقول رياض إنه لطالما كان يصغي منذ صغره إلى تلك الحكايات العائلية بشغف كبير، حتى غدت مع مرور الزمن جزءاً من ذاكرته الشخصية، على رغم أنه لم يعِش أحداثها بنفسه، مضيفاً أنه صنع لها صوراً حيّة في مخيلته.

ومن أكثر المشاهد التي يستحضرها بتأثر بالغ تلك الحادثة التي رُويت له عن طفولة والدته، حين عوقبت بالإغلاق عليها داخل ثلاجة لأنها أرادت التهرب من الذهاب إلى المدرسة.

وعلى رغم أنه لم يكُن شاهداً على تلك الواقعة، فإنه يصفها كما لو أنه رآها بعينيه، قائلاً" أرى أمّي الصغيرة داخل تلك الثلاجة، وأنفها يسيل من البرد، وهي ترتجف من شدة الصقيع".

ولعله يؤكد أن قوة السرد العائلي تجعل من بعض الوقائع الموروثة أشبه بذكريات شخصية راسخة، حتى يصبح ما عاشه الآخرون جزءاً من ذاكرتنا نحن، وما سمعناه منهم كأننا شهدناه بأنفسنا.

لذا، يعود رياض القصري لبدايات وردة فتوكي، المولودة في باريس عام 1939 لأب جزائري وأم لبنانية، مشدداً على نشأتها في بيئة موسيقية وثقافية خاصة، في الملهى الذي أسسه والدها في العاصمة الفرنسية.

هناك بدأت علاقتها الأولى بالغناء، قبل أن تصبح لاحقاً من بين أهم الأصوات النسائية في العالم العربي.

لكن ما يلفت الانتباه في هذه السيرة هو الارتباط المبكر بالجزائر، على رغم أن وردة لم تكُن قد زارتها بعد.

فقد نشأت الابنة على حب الوطن الذي حمله والدها عقيدة ونضالاً منذ اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954.

فالرجل حوّل ملهاه في باريس إلى خلية سرّية تخدم رجال المقاومة وتؤازر كفاحهم، غير أن أمره انكشف، فاعتُقل وتعرض للتعذيب قبل أن يُرحَّل عن الأراضي الفرنسية.

ولم تكتفِ السلطات بذلك، بل أغلقت ملهاه وصادرت أمواله، فوجد نفسه مضطراً إلى السفر إلى لبنان، موطن زوجته الراحلة التي اختطفها المرض، مما أسهم في ترسيخ هذا الانتماء الوطني العميق في نفس الفتاة التي بدأت بأداء الأغاني الوطنية في ملهى" طانيوس" في عاليه.

وهكذا ترعرعت الابنة على إرث من التضحية والوفاء، وعلى ذاكرة مشبعة بحب الجزائر والإيمان بقضيتها.

وأصبحت الأغاني الوطنية جزءاً من تجربتها الفنية منذ سنواتها الأولى.

ومن خلال شهادات أفراد العائلة، يرسم القصري صورة وردة كفنانة حملت الجزائر في قلبها وعاشت قضيتها باعتبارها قضية شخصية ووجودية.

لذلك لم يكُن غريباً أن تصبح وردة لاحقاً من أبرز الأصوات الفنية المرتبطة بتاريخ الجزائر الحديثة.

بعد الاستقلال، تزوجت وردة الضابط الجزائري جمال القصري وانتقلت للعيش معه في الجزائر عام 1963، ليبدأ فصل مختلف في حياتها.

فالفنانة التي كانت تعتلي المسارح في باريس والقاهرة وبيروت، اختارت أن تعيش حياة هادئة كزوجة وأم.

يصف الكتاب هذه المرحلة من حياة الفنانة الكبيرة بكثير من الحنين، إذ كانت وردة، بحسب رواية ابنها، تمارس طوال تسعة أعوام، تفاصيل الحياة اليومية بكل بساطة، تتسوق في شوارع الجزائر العاصمة وتهتم بأسرتها وتعيش تجربة الأمومة مع ابنها وابنتها التي حرمتها منها أعوام الشهرة المبكرة.

وقد وجدت في هذه الحياة نوعاً من التوازن والاستقرار بعد سنوات من العمل المتواصل.

لكن القصري يؤكد أن الحنين إلى الغناء لم يفارقها يوماً.

لكأن المسرح كان يسكن أعماقها، وكأن الأغنية كانت جزءاً لا ينفصل من هويتها.

لذلك لم يكُن من الممكن أن تستمر هذه القطيعة إلى الأبد.

يشكّل عام 1972 محطة مفصلية في الكتاب وفي حياة وردة نفسها.

ففي تلك السنة، وبمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ10 لاستقلال الجزائر، عادت الفنانة للمسرح بعد سنوات من الغياب.

ويقول القصري إن الرئيس هواري بومدين قام بدور مهم في هذه العودة، إذ طلب من والده السماح لوردة بالغناء في هذا الاحتفال.

والحقيقة أنها كانت تنتظر تلك اللحظة الثمينة منذ زمن طويل، معترفاً بأن والده لم يحضر الحفل الذي أُقيم في قاعة" الأطلس"، لكنه أقام مأدبة عشاء تكريماً لقائد الفرقة وجميع الموسيقيين.

كانت العودة حدثاً استثنائياً، إذ وقفت وردة أمام الجمهور الجزائري مؤدية أغنية" من بعيد"، مما جعلها تدرك أن علاقتها بالفن لا يمكن أن تنتهي.

ويصف الابن تلك اللحظة بمثابة نقطة اللاعودة أو بمثابة صحوة حاسمة غيّرت مجرى حياة والدته إلى الأبد، لحظة تراجعت فيها صورة ربة المنزل لتعود الأسطورة التي ستتربع على عرش الأغنية العربية للحياة من جديد وسط تصفيق الجمهور.

في نهاية عام 1972 غادرت وردة الجزائر إلى مصر لتستأنف مسيرتها الفنية.

كان القرار صعباً ومؤلماً، لأنه أدى إلى انفصالها عن زوجها وأطفالها، غير أن رياض القصري يروي هذه المرحلة بعيداً من أية نزعة درامية، مؤكداً أن الطلاق تم في أجواء من الاحترام المتبادل والتفاهم الإنساني.

ويشير إلى أن والده كان رجلاً عملياً وواقعياً.

فأدرك أن الجمع بين حياة أسرية مستقرة في الجزائر ومسيرة فنية مزدهرة في مصر أمر يكاد يكون مستحيلاً.

لذلك كان مقتنعاً بأن نجاح أحد الخيارين سيأتي حتماً على حساب الآخر، مما جعل التوفيق بين متطلبات العائلة وطموحات الفن تحدياً بالغ الصعوبة.

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في القاهرة بدأت الولادة الثانية لوردة.

هناك تحولت إلى واحدة من أكبر نجمات الغناء العربي، فعرفت ذروة مجدها الفني بعد أن تعاونت مع كبار الملحنين، علماً أنه لم يكُن من السهل على أية مغنية أن تجد لنفسها مكاناً في مصر في زمن كانت فيه أم كلثوم تتربع على عرش الغناء العربي.

أما العلاقة الفنية والعاطفية التي تركت الأثر الأعمق في حياة وردة، فكانت مع الموسيقي بليغ حمدي، إذ شكّل الاثنان ثنائياً استثنائياً" أنجب" مجموعة من أشهر الأغاني العربية في القرن الـ20.

ومن خلال هذا التعاون رسخت وردة مكانتها كصوت يجمع بين القوة العاطفية والقدرة التعبيرية الفريدة.

وعلى رغم نجاحها الكبير وانشغالاتها الفنية في الغناء والتمثيل السينمائي والتلفزيوني، يصرّ رياض القصري على إبراز جانب الأمومة في شخصية وردة، ذلك أن البعد الجغرافي والانشغالات اللذين فرضتهما الحياة الفنية لم يمنعاها من متابعة أبنائها والحرص على بقائهم قريبين منها.

لذا نراه يتذكر زياراتها المتكررة إلى الجزائر، واصفاً إياها كأعياد حقيقية لطالما انتظرتها الأسرة الصغيرة بشوق كبير.

كما يروي تفاصيل مؤثرة عن تدخل الموسيقار محمد عبدالوهاب لإقناع والده بالسماح له ولشقيقته بزيارة والدتهما في القاهرة، مما يكشف عن المكانة التي كانت تحظى بها وردة في الوسط الفني والإنساني على حد سواء.

يتأمل الكتاب أيضاً في معنى الإرث الذي تركته وردة الجزائرية.

فبالنسبة إلى ابنها، لا يتمثل هذا الإرث في الأرقام أو الجوائز أو الشهرة، بل في المحبة التي لا تزال تحيط باسمها بعد أعوام طويلة على رحيلها، لأن وردة استطاعت أن تتحول إلى جزء من الذاكرة العاطفية العربية.

فأغانيها ما زالت تُسمع في البيوت والمسارح والإذاعات، وصوتها ما زال قادراً على إثارة المشاعر ذاتها لدى أجيال مختلفة.

وربما تكمن خصوصيتها في قدرتها على الجمع بين الحسّ الوطني العميق والتعبير الإنساني الصادق، وبين قوة الأداء ورهافة الإحساس.

إن كتاب" الصوت والدم والحياة، شذرات من حضور وردة الجزائرية" أكثر من مجرد سيرة وذكريات عن وردة الجزائرية.

إنه أولاً محاولة لاستعادة مسرى حياة إنسانة اختبأت طويلاً خلف صورة النجمة، وإنه ثانياً شهادة حب يكتبها ابن أراد أن يعرّف العالم إلى والدته كما عرفها هو امرأة استثنائية وأماً حنوناً وفنانة صنعت جزءاً أساسياً من وجدان العالم العربي.

ومع شهادته وشهادات لفنانين ومقربين عايشوا وردة أو تعاونوا معها في محطات فنية خالدة، ومع انطواء آخر صفحة من الكتاب، تنبعث صورة وردة من جديد كحضور حيّ، وكصوت لا يزال يتردد في آذان كثر من المحيط إلى الخليج.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك