وكالة سبوتنيك - الخارجية الروسية: أرمينيا ما زالت عضوا في منظمة الأمن الجماعي مع كامل الحقوق والالتزامات وكالة سبوتنيك - إيران: التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيخضع لموافقة البرلمان ومجلس الأمن القومي القدس العربي - «إعدامات الفجر» في الأردن: رسالة لـ«وكلاء المخدرات الإقليميين» وكالة الأناضول - "القاموس الفلسطيني".. موسوعة من 1860 صفحة تصدر عن الأناضول Euronews عــربي - تحقيق وفاة مؤسس مانغو يستدعي شهودا رئيسيين ويأمر بإعادة تمثيل وكالة الأناضول - بايكار وليوناردو تطلقان أول اختبار تنسيق جوي بين طائرات مأهولة ومسيّرة الجزيرة نت - بين الأخلاق والهدف.. تصرف صادم للاعب أوروغواي في كأس العالم (شاهد) CNN بالعربية - ماذا قال الشرع بعد اقتراح ترامب تدخل سوريا لقتال حزب الله؟ وكالة سبوتنيك - نتنياهو يعلن منح الجيش الإسرائيلي صلاحيات كاملة في لبنان "لمواجهة التهديدات" القدس العربي - الأبيض السودانية: قتلى واحتراق سيارات في هجوم لـ «لدعم» على محطة وقود
عامة

أبيي بين حق تقرير المصير ومأزق السياسة (3

سودانايل الإلكترونية

أبيي والصحراء الغربية: عندما يصبح تعريف الناخب أهم من حق التصويتفي النزاعات المرتبطة بحق تقرير المصير، لا يكون الصراع دائماً حول المبدأ نفسه، بل كثيراً ما يكون حول من يملك حق ممارسة ذلك المبدأ. فالد...

أبيي والصحراء الغربية: عندما يصبح تعريف الناخب أهم من حق التصويتفي النزاعات المرتبطة بحق تقرير المصير، لا يكون الصراع دائماً حول المبدأ نفسه، بل كثيراً ما يكون حول من يملك حق ممارسة ذلك المبدأ.

فالدول والحركات السياسية نادراً ما ترفض حق تقرير المصير بصورة صريحة أمام المجتمع الدولي، لكنها كثيراً ما تلجأ إلى وسائل أخرى تجعل تطبيقه أمراً بالغ الصعوبة.

ومن بين أكثر هذه الوسائل شيوعاً تحويل الجدل من حق التصويت إلى هوية الناخبين أنفسهم.

وهذا بالضبط ما حدث في قضية أبيي، وهو أيضاً ما حدث في الصحراء الغربية، حيث تحولت قضية تحديد الهيئة الناخبة إلى العقبة الرئيسية التي حالت دون تنفيذ الاستفتاء لعقود طويلة.

وعندما ننظر إلى التجربتين جنباً إلى جنب، نجد أوجه تشابه تتجاوز المصادفة السياسية لتصل إلى مستوى التشابه البنيوي في إدارة النزاع.

في عام 1991 وافق المغرب وجبهة البوليساريو، تحت رعاية الأمم المتحدة، على خطة سلام تتضمن وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية.

وكان الهدف واضحاً: منح الشعب الصحراوي فرصة الاختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب.

في البداية بدا الأمر وكأنه اتفاق تاريخي مشابه لما حدث لاحقاً في السودان مع بروتوكول أبيي.

لكن سرعان ما ظهرت المشكلة الأساسية: من هو الصحراوي الذي يحق له التصويت؟ أصرت جبهة البوليساريو على اعتماد السكان الأصليين الذين شملهم الإحصاء الإسباني قبل انسحاب إسبانيا من الإقليم، بينما دفعت المملكة المغربية باتجاه توسيع قائمة الناخبين لتشمل أعداداً كبيرة من السكان الذين انتقلوا إلى الصحراء الغربية بعد سيطرة المغرب عليها.

ومنذ تلك اللحظة تحول الخلاف حول تحديد الناخبين إلى عقبة شبه مستحيلة أمام إجراء الاستفتاء.

لقد كانت الأمم المتحدة تتحدث عن الاستفتاء، والمغرب يتحدث عن الاستفتاء، والبوليساريو تتحدث عن الاستفتاء، لكن الاستفتاء نفسه لم يحدث أبداً.

والمفارقة أن الوضع ذاته تكرر في أبيي.

فلم يكن الخلاف الرئيسي بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني حول مبدأ الاستفتاء، إذ إن الطرفين وقعا على بروتوكول أبيي وقبلا بفكرة تقرير المصير.

لكن الخلاف بدأ عندما اقترب موعد التنفيذ.

عندها ظهر السؤال الذي سيعطل العملية كلها: من هو المواطن الذي يحق له التصويت؟ بالنسبة للحركة الشعبية وأبناء دينكا نقوك، كانت الإجابة واضحة.

فبروتوكول أبيي يتحدث عن سكان المنطقة المقيمين بصورة دائمة، أي المجتمع الذي يرتبط بالأرض والإدارة المحلية والحياة اليومية بصورة مستقرة.

أما المؤتمر الوطني فقد تمسك بإشراك المسيرية في عملية التصويت، استناداً إلى ارتباطاتهم الموسمية وعلاقاتهم الرعوية بالمنطقة.

وهكذا أصبح تعريف الناخب أكثر أهمية من الاستفتاء نفسه.

فلو اتفق الطرفان على تعريف الناخب، لأصبح تنظيم الاستفتاء مسألة فنية وإدارية لا أكثر.

لكن لأن النتيجة النهائية كانت مرتبطة مباشرة بمن يشارك في التصويت، تحول تعريف الناخب إلى المعركة الحقيقية.

وهنا تظهر أوجه الشبه مع الصحراء الغربية بصورة أكثر وضوحاً.

في الحالتين لم يكن النزاع حول حق تقرير المصير من حيث المبدأ، بل حول تحديد الجهة التي تملك حق ممارسته.

وفي الحالتين استخدمت قضية السكان والهوية الديموغرافية كأداة سياسية لتأجيل الحسم.

وفي الحالتين أيضاً أدى غياب الاتفاق حول الهيئة الناخبة إلى تعطيل الاستفتاء لعقود طويلة.

لكن هناك جانباً آخر من المقارنة لا يقل أهمية.

ففي الصحراء الغربية اتهمت جبهة البوليساريو المغرب بالسعي إلى تغيير الواقع الديموغرافي للإقليم من خلال تشجيع انتقال أعداد كبيرة من المواطنين المغاربة إلى المنطقة، بما يؤدي إلى خلق واقع سكاني جديد يؤثر على أي استفتاء مستقبليا.

وبغض النظر عن المواقف السياسية المختلفة من النزاع، فإن هذه المسألة أصبحت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف الصحراء الغربية.

وفي أبيي ظهرت مخاوف مشابهة لدى أبناء دينكا نقوك فمن وجهة نظرهم، لم يكن الإصرار على إشراك المجموعات الرعوية الموسمية مجرد خلاف قانوني، بل محاولة لإعادة تعريف المجتمع الذي يملك حق اتخاذ القرار بشأن مستقبل المنطقة في ظل وجود الحكومة السودانية تمول استيطان المسيرية في مناطق شمال ابيي وتمارس أقصى درجات العنف والتهجير والتهميش ضد سكان المنطقة الأصليين.

لذلك اعتبر كثير من أبناء أبيي أن المعركة لم تكن حول الاستفتاء، وإنما حول هوية أصحاب الحق في تقرير المصير.

وقد تعزز هذا الشعور بصورة أكبر بعد فشل إجراء الاستفتاء الرسمي، ثم بعد رفض نتائج الاستفتاء الشعبي الذي نظمه أبناء دينكا نقوك عام 2013.

فبالنسبة لهم، بدا الأمر وكأن المطلوب ليس معرفة رأي السكان، بل إيجاد معادلة سياسية تضمن نتيجة مختلفة عن الإرادة المتوقعة للسكان الأصليين.

غير أن المقارنة بين أبيي والصحراء الغربية تكشف أيضاً عن اختلاف مهم.

فالصحراء الغربية تحولت إلى قضية دولية كبرى ظلت حاضرة بصورة مستمرة في أجندة الأمم المتحدة لعقود طويلة، بينما ظلت قضية أبيي مرتبطة في معظم الأحيان بالعلاقات بين السودان وجنوب السودان وبجهود الاتحاد الإفريقي والشركاء الإقليميين.

وهذا الاختلاف كان له تأثير مباشر على حجم الضغوط الدولية الممارسة على الأطراف المختلفة.

ففي الوقت الذي استمرت فيه الأمم المتحدة في إدارة ملف الصحراء الغربية باعتباره قضية تصفية استعمار وحق تقرير مصير، تراجعت قضية أبيي تدريجياً من موقع الأولوية الدولية، خاصة بعد انفصال جنوب السودان واندلاع أزمات جديدة في كل من السودان وجنوب السودان.

وبمرور الوقت أصبح الاهتمام الدولي يركز على منع اندلاع حرب جديدة في المنطقة أكثر من التركيز على تنفيذ الاستفتاء نفسه.

وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات في قضية أبيي.

فكل الجهود الدولية التي بُذلت بعد عام 2011 نجحت إلى حد كبير في منع الحرب الشاملة، لكنها لم تنجح في معالجة السبب الأساسي للأزمة.

لقد جرى التعامل مع النتائج بينما تُرك السبب قائماً.

وجرى احتواء الانفجارات المتكررة دون إزالة أسباب الانفجار.

ولهذا استمرت القضية معلقة حتى اليوم.

إن الدرس الذي تقدمه تجربتا أبيي والصحراء الغربية هو أن حق تقرير المصير لا يُجهض دائماً عبر الرفض المباشر، بل قد يُجهض عبر التأجيل المستمر.

فأحياناً لا يحتاج تعطيل الاستفتاء إلى إلغائه، بل يكفي جعل شروطه موضع خلاف دائم.

وبهذه الطريقة تتحول العملية السياسية إلى دائرة مغلقة تدور حول نفسها لسنوات وربما لعقود.

وفي حالة أبيي، يبدو أن هذا ما حدث بالفعل.

فبعد أكثر من عشرين عاماً على توقيع بروتوكول أبيي، وخمسة عشر عاماً على اتفاقية 20 يونيو، ما زال النقاش يدور حول القضايا نفسها التي كانت مطروحة في بداية الأزمة، بينما لم يقترب الاستفتاء خطوة واحدة من التنفيذ.

لكن إذا كانت تجربة الصحراء الغربية تقدم مثالاً على نزاع طويل ما زال يبحث عن حل، فإن هناك تجربة أخرى مختلفة تماماً تستحق التوقف عندها، وهي تجربة تيمور الشرقية.

ففي تلك القضية أيضاً كان هناك نزاع حول الهوية والسيادة وحق تقرير المصير، وكانت هناك دولة ترفض الانفصال، وكانت هناك اعتبارات أمنية وسياسية معقدة.

ومع ذلك انتهى الأمر بإجراء استفتاء حقيقي قاد في النهاية إلى استقلال الدولة الجديدة.

فما الذي جعل تيمور الشرقية تصل إلى خط النهاية بينما بقيت أبيي عالقة عند نقطة البداية؟ وهل كان الفرق في القانون أم في السياسة أم في موقف المجتمع الدولي؟ هذا ما سنناقشه في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة.

يتبع….

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك