قناة الجزيرة مباشر - نافذة من بيروت | لبنان يرحب بأي مساعدة لإنهاء الحرب قناة الجزيرة مباشر - مخرجات قمة بحيرة لوسيرن بين أمريكا وإيران روسيا اليوم - "مزق سروالي وسقط على منطقة حساسة في جسدي".. لاعب نيوزيلندا ينتقد مدافع المنتخب المصري روسيا اليوم - "مفيش مدربين أجانب لمنتخب مصر تاني".. تداول فيديو للسيسي يتحدث عن كرة القدم قناة الغد - إيران: لم نبحث الملف النووي أو نقبل أي التزامات جديدة بمحادثات سويسرا العربي الجديد - مسؤول أممي: عملية الانتقال السياسي في سورية تمر بمرحلة حرجة العربي الجديد - تحالف استخباري يحذّر من خطر الذكاء الاصطناعي المتطور على الحكومات قناة الغد - رغم تلوثه.. البحر آخر ملاذ لسكان قطاع غزة من قيظ الخيام قناه الحدث - وزاري خليجي يبحث تطورات المنطقة ويرحب بمذكرة التفاهم بين أميركا وإيران روسيا اليوم - مندوب تركيا في مجلس الأمن: الاعتداءات الإسرائيلية تؤثر على الاستقرار في سوريا ويجب أن تتوقف
عامة

معاوية نور… الذي سار وحيداً

سودانايل الإلكترونية

في تاريخ الأدب والنقد العربي، ثمة شهبٌ مرت سريعة، لكنها تركت خلفها خطوطاً من لهب ونور لا تنطفئ. ومن بين أكثر هذه الشهب غسقاً وعبقرية، يبرز اسم الناقد والكاتب السوداني الفذ معاوية محمد نور (1909 – 1941...

في تاريخ الأدب والنقد العربي، ثمة شهبٌ مرت سريعة، لكنها تركت خلفها خطوطاً من لهب ونور لا تنطفئ.

ومن بين أكثر هذه الشهب غسقاً وعبقرية، يبرز اسم الناقد والكاتب السوداني الفذ معاوية محمد نور (1909 – 1941)؛ ذلك الشاب الذي حمل في عقله وعياً يسبق عصره بعقود، وسار في دروب الفكر والثقافة وحيداً، ومات وحيداً، تاركاً خلفه لغزاً إبداعياً وتجربة إنسانية تقطر شجناً وعظمة.

لقد ولد معاوية نور في أم درمان، لكن عقله لم يكن ليتسع له أفق جغرافي ضيق؛ إذ كان يمتلك حساسية نقدية مذهلة، وقدرة استثنائية على تمثل الثقافة الغربية دون أن يفقد هويته السودانية والعربية.

وعندما انتقل إلى بيروت للدراسة في الجامعة الأمريكية، ثم إلى القاهرة، لم يكن مجرد طالب عابر، بل كان إعصاراً فكرياً يقتحم الصالونات الأدبية.

وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وفي وقت كان النقد العربي لا يزال يتلمس طريقه بين التقليد والمحاكاة، ويغرق في معارك البيان والبلاغة الجافة، كتب معاوية نور في كبريات الصحف والمجلات المصرية مثل “الرسالة”، و”الهلال”، و”السياسة الأسبوعية”، فأبهر معاصريه من أمثال العقاد، والمازني، ومي زيادة بوعيه النقدي الحديث.

لم يكن معاوية يقرأ النص ليثني عليه أو يذمه، بل كان يفككه بمشرط علم النفس الحديث متأثراً بنظريات فرويد، ومستنداً إلى سعة اطلاعه على الأدب الإنجليزي، وخاصة أعمال شيكسبير وبرنارد شو؛ ليكون بذلك الرائد والمبشر، والمنظّر الأول للحداثة النقدية في العالم العربي، الذي تجاوز الانطباعية السائدة نحو عمق المنهج.

لقد كان يبحث عن “الإنسان” في النص الأدبي، ويرى الأدب مرآة للروح الإنسانية المعقدة والمضطربة، فكتب عن الشك، والعبقرية، والجنون، والوجدان، وكأنه كان يخط سيرة ذاتية غير مكتوبة لروحه هو، متلمساً في كتاباته المبكرة فلسفة الوجود وتقلباته؛ حيث خطّ بقلمه رؤية مفعمة بالحياة حين قال: «الحياة لحنٌ شجيّ.

الحياةُ جمال.

الحياةُ أنوار.

الحياة قوة… الحياة لحن شجيّ يختلف قوةً وضعفاً، وبكاءً وفرحاً، وتفنُّناً وإبداعاً… ولو سمعْته نغمةً حزينة باكية، وأخرى ضاحكةً مستبشرة، وغيرها سطحيةً جوفاء، وتلك عميقةً بعيدة الغور… هذه هي الحياة، تختلف باختلاف العازفين، وتتلوَّن بأميال الموسيقيين وتُحكم بذوق السامعين».

وإن مأساة معاوية نور تكمن في أنه كان يتحدث بلغة لم يدرك معاصروه كنهها إلا بعد رحيله؛ فقد سار وحيداً لأنه رفض القطيع فكرياً، ونأى بنفسه عن المعارك الحزبية والسياسية الضيقة التي رآها تلتهم طاقة المثقف وتُفقد الإبداع عذريته، مؤمناً بأن النقد رسالة تنويرية، وأن الأدب تجربة وجودية عميقة.

وهنا تحديداً يشفع له إرثه الوجيز؛ فرغم قصر رحلته وثراء المنجز الذي بُتر مبكراً، إلا أن مقالاته القليلة كانت كافية لتؤسس لوعي نقدي مغاير، وتثبت أن قيمته لم تكن في غزارة الإنتاج بل في ريادة الاتجاه وزرع بذور الحداثة قبل أوانها.

لكن هذه العبقرية الفذة كانت تصطدم بواقع شديد القسوة؛ فالوعي الحاد صنو الشقاء حينما يولد في بيئة لم تكن مستعدة بعد لهذا الانفجار المعرفي.

لقد عانى معاوية كثيراً من وطأة التجاهل المؤسسي، والفقر المدقع، والإحباط من مجتمع ثقافي آثر الجمود على التجديد، مما خلق داخل معاوية مغترباً أبدياً؛ فشعر بالغربة في القاهرة وبيروت، وبغربة أشد وطأة حين عاد إلى السودان دون رعاية أو احتواء يُناسب قامته.

وانتهت تلك الرحلة القصيرة ــ حيث توفي ولم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره ــ بنهاية تراجيدية، إذ تداخلت لديه خطوط العبقرية بخطوط الذهان تحت ضغط العزلة والخذلان، فغاب الربيع الذي طالما بشر به، لينطفئ ذلك العقل المتوقد في صمت، ويموت وحيداً في إحدى غرف أم درمان؛ تلك المدينة التي أحبها وكتب عنها مقاله الرائع “أم درمان مدينة السراب والحنين”.

رحل معاوية نور جسداً، لكنه بقي علامة فارقة في تاريخ النقد العربي والسوداني.

إن مقالاته التي جُمعت لاحقاً، تظل شاهداً على أن السودان أنجب عقلاً نقدياً لو أتيحت له ظروف الاستمرار والاحتواء لغيّر مجرى النقد العربي الحديث.

لقد سار معاوية نور وحيداً في حياته، لكنه ترك خلفه درباً مضيئاً لكل من ينشد عمق الفكر وحرية الكلمة؛ فقد كان وجهاً فريداً رُسم على رمال الإبداع، ورغم رحيل جسده، فإن موجة النسيان لم تستطع قط أن تمحو أثره.

hishamissa.

issa50@gmail.

com.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك