اختتمت الجولة الأولى من المحادثات الأمريكية الإيرانية في سويسرا وسط أجواء وصفت بالإيجابية والحذرة في آن واحد، بعدما تحدث الوسطاء عن تقدم أولي نحو اتفاق نهائي خلال 60 يومًا، بينما كشفت الوقائع على الأرض حجم التعقيدات التي لا تزال تعترض طريق التفاهم بين الطرفين.
وعقب أول جلسة مطولة من المفاوضات المباشرة التي استضافها منتجع بورجنستوك المطل على بحيرة لوسيرن، أعلن وسطاء من قطر وباكستان أن الجانبين الأمريكي والإيراني أحرزا تقدمًا مشجعًا، مؤكدين استمرار المشاورات خلال الأيام المقبلة بهدف وضع أسس لاتفاق دائم يرسخ التهدئة ويمنع عودة التصعيد، بحسب «نيويورك تايمز».
وقال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن المحادثات حققت ما كانت واشنطن تسعى إليه، معتبرًا أن الجولة الأولى شهدت تقدمًا ملموسًا في عدد من الملفات، كما أشار إلى تلقي بلاده تعهدات إيرانية تتعلق بالسماح مجددًا لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى ممارسة مهامهم الرقابية، وهو ما لم تؤكده طهران رسميًا حتى الآن.
توترات في مفاوضات أمريكا وإيرانورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالمفاوضات، فإن مسارها لم يخل من التوترات، فقد انسحب الوفد الإيراني مؤقتًا من جلسات الأحد احتجاجًا على تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوح فيها بإمكانية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران إذا فشلت المفاوضات، وعدم عودة الوفد المفاوض حال إغلاق مضيق هرمز، قبل أن يعود لاحقًا إلى طاولة الحوار.
وتشير المعطيات إلى أن القضايا الأكثر حساسية لا تزال بعيدة عن الحسم، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، فالاتفاق الإطاري الذي أُعلن الأسبوع الماضي ينص على خفض مخزون إيران من المواد النووية المخصبة عالية المستوى، لكنه لا يحدد آليات التنفيذ أو الضمانات الخاصة بمنع إعادة إنتاج هذه المواد مستقبلاً، ما يترك الباب مفتوحًا أمام خلافات كبيرة خلال المرحلة المقبلة.
غياب الملف النووي عن الجولة الأولىالمفارقة أن الجولة الأولى لم تركز بشكل أساسي على الملف النووي، بل انصبت المناقشات على ملفات كان يفترض أن تكون محسومة بالفعل، وعلى رأسها تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية.
وتأتي هذه القضايا في ظل استمرار المواجهات المتقطعة بين إسرائيل وحزب الله رغم الدعوات إلى التهدئة، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، بعدما لوحت إيران بإغلاقه خلال التصعيد الأخير، الأمر الذي ساهم في زيادة القلق داخل أسواق الطاقة العالمية.
وفي المقابل، حذر عدد من المحللين من الإفراط في التفاؤل بشأن نتائج الجولة الأولى، فبحسب تقديرات اقتصادية وسياسية غربية، لا تزال الفجوة واسعة بين مواقف الطرفين، كما أن تاريخ المفاوضات الأمريكية الإيرانية يشير إلى إمكانية امتداد المحادثات لفترات أطول بكثير من الإطار الزمني المعلن.
كما ساهمت التوقفات المتكررة في مسار الحوار في تعزيز حالة عدم اليقين، فقد كان من المقرر أن يتوجه جيه دي فانس إلى سويسرا قبل أيام من انطلاق الجولة الحالية، إلا أن الزيارة أُلغيت مؤقتًا بعدما علقت إيران مشاركتها احتجاجًا على التطورات العسكرية في لبنان.
وفي حين لم تظهر أي مؤشرات على استعداد إيران لتقديم تنازلات جوهرية وسريعة، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة للرد إذا تعرضت بلاده لأي هجوم جديد، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر وانعدام الثقة بين الجانبين.
ومع ذلك، يرى الوسطاء أن أهم ما خرجت به الجولة الأولى هو نجاحها في إعادة إطلاق مسار دبلوماسي منظم بعد أشهر من التصعيد، فقد أعلنت قطر وباكستان الاتفاق على إنشاء آلية للمباحثات الفنية المتخصصة، بينما تحدثت السلطات السويسرية عن وضع خارطة طريق تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي خلال ستين يومًا.
وبينما لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة، تراهن الأطراف المشاركة على أن الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كانت الجولة الأولى تمثل بداية فعلية لتسوية طويلة الأمد، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لا يزال يحمل الكثير من عوامل الانفجار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك