بعد أسابيع من انحسار فيضان نهر الفرات الذي ضرب مناطق واسعة من ريفَي دير الزور والرقة شمال شرقي سورية في مايو/ أيار الماضي، راحت تتّضح أكثر ملامح الخسائر التي لحقت بالقطاع الزراعي، وسط مطالبات متزايدة من المتضرّرين بتعويضات عاجلة تمكّنهم من استعادة نشاطهم الزراعي.
وبينما تشير الجهات الرسمية إلى أنّ الأضرار الناجمة عن فيضان الفرات تركّزت بصورة أساسية في الأراضي الواقعة من ضمن حرم النهر، يقول المزارعون إنّ خسائرهم تجاوزت المحاصيل لتطاول مصادر معيشتهم الأساسية، في وقت تكشف فيه تقديرات المنظمات الإنسانية عن تضرّر واسع طاول الدخل الزراعي والبنية التحتية للريّ.
ويوضح رئيس لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور فايز عباس لـ" العربي الجديد" أنّ فرق العمل تمكّنت، بعد انتهاء مرحلة الطوارئ والانتقال إلى مرحلة التعافي، من الوصول إلى مختلف المناطق المتضرّرة وإجراء تقييم أكثر دقّة للأضرار.
ويبيّن أنّ المساحات التي تعرّضت للغمر بلغت نحو 22 ألفاً و670 دونماً من الأراضي الزراعية، معظمها مزروع بمحاصيل القمح والشعير، بالإضافة إلى مساحات أقلّ من الخضراوات والأشجار المثمرة.
يضيف عباس أنّ لجنة مختصّة بتعويض الأضرار تواصل عملها الميداني للتأكد من البيانات الواردة من الوحدات الإدارية، تمهيداً لرفعها إلى صندوق دعم الأضرار والكوارث بهدف تخفيف آثار الخسائر التي لحقت بالمزارعين.
ويتابع عباس أنّ الخسائر في قطاع الثروة الحيوانية كانت محدودة جداً مقارنة بالأضرار الزراعية، معيداً ذلك إلى إجراءات الإنذار المبكّر التي اتّخذتها الجهات المعنية قبل وصول موجة الفيضان.
ويلفت إلى أنّ فرق الاستجابة اعتمدت على برامج تقنية وأدوات تحليل مكّنتها من تحديد المناطق الأكثر عرضة للغمر، الأمر الذي ساعد في إجلاء السكان ومواشيهم وممتلكاتهم والتقليل من حجم الخسائر البشرية والمادية.
ويكمل رئيس لجنة الاستجابة الطارئة في دير الزور أنّ أحد أبرز التحديات تمثّل، حينها، في ضيق الوقت المتاح للاستعداد للفيضان، إذ لم تتلقَّ الجهات المحلية إشعاراً إلا قبل نحو 48 ساعة من وصول مياه الفرات إلى المحافظة، الأمر الذي فرض اتّخاذ إجراءات عاجلة في فترة زمنية محدودة.
ويؤكد أنّ تقييم الأضرار في فترة فيضان الفرات كان بالغ الصعوبة، بسبب استمرار ارتفاع منسوب المياه، الأمر الذي حال دون الحصول على بيانات دقيقة في حينه، قبل أن تسمح مرحلة التعافي بإجراء عمليات التوثيق والإحصاء بصورة أكثر شمولاً.
وفي ما يتعلق بمنع تكرار الخسائر مستقبلاً، يفيد عباس بأنّ الجزء الأكبر من الأضرار وقع في سرير نهر الفرات والمناطق المصنّفة من ضمن حرمه الطبيعي، التي كانت قد شهدت في خلال سنوات الحرب تزايداً في التعديات الزراعية والسكنية نتيجة غياب الرقابة.
ويشير إلى أنّ الخطط المستقبلية تركّز على إعادة تنظيم هذه المناطق ومنع استثمارها زراعياً أو عمرانياً بما ينسجم مع الطبيعة الهيدرولوجية للنهر، مبيّناً أنّ هذه الإجراءات تحتاج إلى إمكانات وتخطيط على مستوى الدولة.
مزارعون: الموسم ضاع بعد فيضان الفرات والديون تتراكممن جهتهم، يحكي مزارعون متضرّرون لـ" العربي الجديد" عن الخسائر التي تكبّدوها من جرّاء الفيضان الأخير لنهر الفرات، مؤكدين أنّ آثار الكارثة ما زالت مستمرة على الرغم من انحسار المياه.
ويقول المزارع محمد الخلف، من منطقة الكسرات بريف الرقة، إنّ المياه بدأت بالتسرّب تدريجياً إلى الأراضي الزراعية القريبة من نهر الفرات قبل أن تغمر مساحات واسعة مزروعة بالقمح ومحاصيل أخرى، الأمر الذي أدّى إلى خسارة الموسم بالكامل في عدد كبير من المواقع.
يضيف لـ" العربي الجديد" أنّ الأضرار لم تقتصر على الأراضي الزراعية، بل امتدّت إلى الأحياء السكنية والمنشآت القريبة من مجرى النهر، مشيراً إلى أنّ المياه وصلت إلى منازل ومخيمات سكنية في مناطق عدّة، واضطرّت عائلات إلى مغادرة منازلها قبل غرقها.
ويبيّن الخلف أنّ مزارعين كثيرين ممّن تضرّروا كانوا قد أنفقوا مبالغ كبيرة على مستلزمات الإنتاج الزراعي قبل وقوع الفيضان، الأمر الذي ضاعف حجم الخسارة.
ويشدّد: " نحن لا نطالب بتعويض تعبنا وجهدنا، لكنّنا نحتاج على أقلّ تقدير إلى تعويض ما استثمرناه في الزراعة، فكثيرون صاروا عاجزين عن تأمين مستلزمات الموسم المقبل".
بدوره، يشير المزارع عامر نور الدين، من منطقة خشام بريف دير الزور، إلى أنّ الجزء الأكبر من أرضه المزروعة بالقمح تعرّض للغمر من جرّاء فيضان الفرات الأخير، ولم يتمكّن إلا من حصاد مساحة محدودة لا تتجاوز أربعة دونمات قبل وصول المياه.
ويوضح لـ" العربي الجديد" أنّ المشكلة لا تتعلّق بالموسم الحالي فحسب، بل تمتدّ إلى الموسم المقبل كذلك، إذ إنّ المياه ما زالت تغطّي أجزاء من الأرض، الأمر الذي يثير مخاوف من عدم جهوزيتها للزراعة في الفترة المقبلة.
ويؤكد أنّ خسائر المزارعين كبيرة، وتتطلب بالتالي تدخّلاً حكومياً سريعاً من خلال لجان تقدير الأضرار وبرامج تعويض حقيقية تتيح لهم العودة إلى العمل الزراعي.
" أوكسفام": 85% من المزارعين فقدوا دخلهم الزراعيوتتوافق شهادات المزارعين مع نتائج تقييم سريع للاحتياجات أجرته منظمة" أوكسفام" في المناطق المتضرّرة من فيضان نهر الفرات بريف دير الزور الغربي، في الفترة الممتدّة ما بين الواحد والثلاثين من مايو/ أيار 2026 والثالث من يونيو/ حزيران منه.
وشمل تقييم" أوكسفام" 89 أسرة زراعية في مناطق التبني ودير الزور وخشام، وأظهر أنّ نحو 85% من المزارعين فقدوا دخلهم الزراعي بصورة كلية أو جزئية نتيجة فيضان الفرات الأخير، فيما خرجت 85% من أنظمة الري الفردية والجماعية عن الخدمة.
ووفقاً للتقييم، فإنّ تعطّل شبكات الري جاء نتيجة غمر المضخات بالمياه وتراكم الأوحال والمخلفات في أنابيب السحب، الأمر الذي أدّى إلى توقّف البنية التحتية الزراعية الأساسية التي يعتمد عليها المزارعون في إنتاجهم.
وأشارت" أوكسفام" في تقريرها نفسه إلى أنّ توقيت فيضان نهر الفران كان من أكثر العوامل التي ضاعفت الخسائر، إذ تزامن مع ذروة موسم الحصاد، الأمر الذي تسبّب في تلف محاصيل كانت جاهزة للجني، من بينها القمح والشعير والقطن والخضراوات.
كذلك كشفت أنّ عدداً كبيراً من الأسر لجأ إلى إجراءات قاسية للتكيّف مع الأزمة؛ إذ اضطرّت 43% من الأسر المتضرّرة إلى بيع مواشيها أو أصولها الإنتاجية لتغطية احتياجاتها الأساسية، في حين تعتزم 25% منها اللجوء إلى الاقتراض من أجل تأمين متطلبات المعيشة واستئناف نشاطها الزراعي.
وعلى الرغم من حجم الخسائر، أظهرت" أوكسفام" في تقييمها مؤشرات إيجابية بشأن رغبة السكان في التعافي.
فأكّد أكثر من 63% من المزارعين نيّتهم زراعة أراضيهم في الموسم المقبل، في حال توفّرت مستلزمات الإنتاج والدعم اللازم في الوقت المناسب.
ودعت" أوكسفام" إلى إعطاء الأولوية لإعادة تأهيل شبكات الري والبنية التحتية الزراعية، وتوفير البذور والأسمدة والأعلاف، إلى جانب تقديم دعم نقدي مباشر للأسر المتضرّرة لسدّ فجوة الدخل التي خلّفتها الكارثة.
وفي ظل استمرار عمليات حصر الأضرار وانتظار آليات التعويض الحكومية، يبقى مستقبل آلاف من أسر المزارعين في شرق سورية مرتبطاً بسرعة الاستجابة وقدرة الجهات المعنية على تحويل الوعود إلى إجراءات عملية.
وبين حقول غمرتها المياه ومحاصيل ضاعت قبل حصادها، يراهن المزارعون على موسم جديد يعوّض بعضاً من خسائرهم، فيما تبدو إعادة تأهيل البنية الزراعية ودعم سبل العيش شرطاً أساسياً لتحويل التعافي من مجرّد أمل إلى واقع ملموس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك