لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل وتبادل الأخبار والآراء، بل غدت فضاء ثقافيا مؤثرا يعيد إنتاج القيم والمعايير والتمثلات الاجتماعية، ويعيد تشكيل العلاقة بين الأفراد والسلطات الرمزية التي تنتجها الثقافة.
وفي هذا الفضاء برزت ظاهرة آخذة في الاتساع يمكن تسميتها بـ»ثقافة تقويض الرموز»، وهي نزعة تتجلى في التتبع المستمر لأخطاء الشخصيات البارزة في مختلف المجالات: سياسية كانت أم رياضية أم دينية أم فنية أم فكرية، وغيرها من مجالات، وتصيّد زلاتها وهفواتها، وتحويلها إلى مدخل للنيل من مكانتها الرمزية، وتقليل تأثيرها في الوعي الجمعي.
ويتفرّع من هذه الظاهرة الآخذة بالتفشّي على وسائل التواصل الاجتماعي سلوكٌ آخر، يتمثل في ادعاء الخبرة الشاملة؛ إذ يظهر بعض مستخدمي المنصّات الرقمية بوصفهم متخصِّصين في مختلف الحقول المعرفية، فيتحدثون في الدين والسياسة والاقتصاد والطب والأدب والرياضة، بالثقة نفسها التي يتحدث بها أهل الاختصاص.
وكما هو معلوم أنَّ في كل اختصاص عدة فروع، وهذه الفروع لها مرجعياتها الفكرية التي لا يمكن تجاوزها في مراجعة نتاج، أو منجز يتصل بذلك المجال، وهنا أيضا تجد من يتداخل من حقلٍ لآخر في داخل المجال الواحد، من دون تحصيلٍ يؤهّله لمراجعة نقدية في ذلك الحقل، بما يفضي إلى تشكيل ظاهرة «ادّعاء الخبرة الشاملة» في كل الحقول، داخل المجال الواحد، إذ تجد أحد من يمثّل هذه الظاهرة في معرض دفاعه عن هذه الفوضى، قائلا بالمعنى: «إن هذا العصر لم يعد فيه للتخصص ذات أهمية في حقبة الما بعديات، ولما كان النص ـ أي نص ـ منظومة من شتات المعارف، يشترط إلمام الناقد بكل المعارف لمحاصرة تلك المحمولات»، ولا يخفى أن مثل هذا الطرح ينطوي على قدرٍ من المبالغة؛ إذ إن تراجع صرامة الحدود بين التخصصات في حقبة «ما بعديات» لا يعني انتفاء قيمة التخصص، أو الاستغناء عنه.
فالنص، مهما اتسعت مرجعياته وتشابكت أنساقه المعرفية، لا يستلزم من الناقد الإحاطة الشاملة بكل المعارف الإنسانية، لأن مثل هذا الشرط متعذر عمليا ومنهجيا.
والأدق أن يمتلك الناقد كفاية تخصصية راسخة، مع انفتاح واعٍ على المعارف المجاورة التي تقتضيها طبيعة النص، بحيث يتحقق التوازن بين عمق الاختصاص وخصوبة المقاربة البينية، من غير ادعاء الإحاطة الكلية بالمحمولات المعرفية للنص.
ولا تعود المسألة هنا متصلة بحرية التعبير، أو إبداء الرأي بقدر ما تكشف عن تحولات ثقافية أعمق، أعادت تعريف العلاقة بين المعرفة والسلطة والاعتراف الاجتماعي.
ومن منظور النقد الثقافي لا تكمن أهمية هذه الظاهرة في مظاهرها اللغوية المباشرة، بل في الأنساق المضمرة التي تنتجها وتعيد إنتاجها.
فالخطاب الذي يبدو في ظاهره ممارسة نقدية، قد يخفي في عمقه نسقا معاديا للتميز، يرى في كل نجاح نوعا من الامتياز المثير للريبة، وفي كل مكانة رفيعة تهديدا رمزيا لمكانته الذاتية.
ومن ثم يصبح البحث عن ثغرة في شخصية ناجحة وسيلة لخفض الآخر بدل الارتقاء بالذات، وتقويض الرمز بدل منافسته.
وتسهم المنصات الرقمية في تغذية هذا النسق، بصورة غير مباشرة؛ لأنها تمنح الانتشار الأكبر للمحتويات المثيرة للجدل والصادمة.
فالكشف عن زلة شخصية معروفة يحقق تفاعلا يفوق ما تحققه مناقشة منجزها أو أثرها المعرفي.
وبهذا تتحول الإثارة إلى قيمة ثقافية متقدمة على المعرفة، ويصبح الهدم أكثر جاذبية من البناء.
ومن الأنساق المضمرة التي تكشفها هذه الظاهرة نسق المساواة الزائفة بين المتخصص وغير المتخصص.
فسهولة النشر والتعليق أوجدت انطباعا عاما بأن جميع الآراء متساوية في القيمة، وأن الخبرة العلمية لا تمنح صاحبها، أي امتياز معرفي.
وبمرور الوقت نشأت سلطة جديدة لا تستند إلى الإنجاز أو المعرفة، بل إلى القدرة على إثارة الجدل وجذب الانتباه.
ويرتبط بذلك ما يمكن تسميته بـ»النسق المضاد للنخبة».
فالكثير من الخطابات الرقمية لا تتوجه إلى الأفكار بقدر ما تتوجه إلى أصحابها بوصفهم ممثلين للتميز والنجاح والتفوق، ولذلك لا يصبح الهدف من النقد اختبار صحة الفكرة أو خطئها، وإنما تقويض المكانة الرمزية التي يتمتع بها صاحبها.
فالهفوة الصغيرة أو الخطأ الجزئي يتحولان إلى ذريعة لإسقاط رصيد كامل من العمل والإنجاز، وكأن التفوق ذاته أصبح تهمة تستدعي المحاكمة! ومن هنا يغدو التشكيك بالرموز الثقافية والعلمية والدينية والفنية فعلا يوميا متكررا، لا لأن المجتمع يمتلك بدائل أكثر كفاءة، بل لأنه بات يميل إلى تقويض المرجعيات القائمة أكثر من ميله إلى إنتاج مرجعيات جديدة.
وإذا كان النقد الثقافي معنيا بالكشف عن علاقات السلطة الكامنة خلف الخطابات، فإن مفهوم «رأس المال الرمزي» يتيح فهم جانب مهم من هذه الظاهرة.
فالرموز لا تستمد تأثيرها من سلطة مادية مباشرة، بل من رصيد متراكم من الاعتراف الاجتماعي والثقة والمكانة المعنوية.
ولذلك فإن استهدافها لا يكون موجها دائما إلى أفكارها أو مواقفها، بل إلى رأس مالها الرمزي ذاته.
فكلما تراجعت مكانة الرمز ارتفعت القيمة الرمزية لمن نجح في التشهير به، أو النيل من صورته أمام الجمهور.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه ساحة لإعادة توزيع رأس المال الرمزي.
فبعض الفاعلين لا يبنون حضورهم من خلال إنتاج معرفة جديدة، أو تحقيق إنجاز متميز، بل من خلال استهلاك الرصيد الرمزي للآخرين عبر الطعن فيهم، أو كشف تناقضاتهم أو تضخيم أخطائهم.
كما تكشف الظاهرة عن حضور ما يمكن تسميته بـ»اقتصاد الاعتراف».
فوسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد فضاء للتعبير، بل سوق رمزية يتنافس فيها الأفراد على الانتباه والحضور والتأثير.
وفي ظل هذه المنافسة يصبح الهجوم على شخصية معروفة أكثر ربحية من إنتاج محتوى معرفي رصين؛ لأن الجدل يحقق انتشارا أسرع من المعرفة، والاستفزاز يجلب الاعتراف أكثر مما يجلبه العمل الهادئ والمتراكم.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الأشخاص، لأن الرمز في الحقيقة ليس فردا فحسب، بل تمثيل ثقافي لقيمة أو مؤسسة أو مرجعية.
فالعالم يمثل سلطة المعرفة، والمثقف يمثل سلطة التأويل، ورجل الدين يمثل سلطة المرجعية، والفنان يمثل سلطة الذائقة الجمالية.
ومن ثم فإن استهداف هذه الشخصيات لا يتوجه إليها وحدها، بل إلى ما تمثله من معانٍ وقيم.
وبهذا المعنى تغدو ثقافة تقويض الرموز جزءا من صراع أوسع على التمثيلات الثقافية المهيمنة داخل المجتمع.
ومن الأنساق الجديرة بالانتباه أيضا ما يمكن تسميته بـ»نسق التسوية الثقافية»، وهو نسق يعمل على تقليص الفوارق الرمزية بين الأفراد عبر التشكيك المستمر بكل أشكال التميز والتفوق.
ووفق هذا المنطق لا يُنظر إلى الإنجاز بوصفه حصيلة جهد واستحقاق، بل بوصفه ادعاء ينبغي تفكيكه.
ومن ثم تتحول عملية تقويض الرموز إلى آلية ثقافية تهدف إلى إعادة الجميع إلى المستوى نفسه، ولو كان الثمن إضعاف المرجعيات الثقافية والمعرفية للمجتمع.
ولعل أخطر ما أنتجه هذا التحول هو إعادة تشكيل مفهوم البطولة الاجتماعية نفسه.
ففي الأزمنة السابقة كان البطل هو العالم أو المبدع أو المفكر أو صاحب الإنجاز الاستثنائي.
أما في الفضاء الرقمي فقد أخذت تتشكل صورة جديدة للبطل، قوامها القدرة على كشف أخطاء الآخرين وتتبع عثراتهم وفضح تناقضاتهم.
وهكذا انتقل مركز الجاذبية من صانع الإنجاز إلى كاشف العيوب، ومن المنتج للمعرفة إلى المشتغل بهدم الصورة الرمزية للمنتجين.
ومن هنا نشأت ما يمكن تسميته بـ»البطولة المضادة»، وهي بطولة لا تقوم على البناء والإبداع وإنتاج القيمة، بل على الهدم والتشكيك والإلغاء الرمزي.
فكلما نجح الفرد في إسقاط رمز أو التشهير به ازداد حضوره داخل المجال الرقمي، حتى لو لم يقدم بديلا معرفيا أو ثقافيا حقيقيا.
إن خطورة ثقافة تقويض الرموز لا تكمن في ممارسة النقد، فالنقد ضرورة حضارية لا غنى عنها، وإنما تكمن في تحويله من أداة للفهم والتقويم إلى أداة للهدم والإلغاء.
فثمة فرق جوهري بين مساءلة الرموز ومراجعة تجاربها من جهة، واختزال تاريخها ومنجزاتها في أخطائها من جهة أخرى.
فالنقد الحقيقي يوازن بين الإنجازات والإخفاقات، أما الخطاب الهدمي فيبحث عن العثرة ليجعلها الصورة الكاملة.
ومثل هذه الثقافة لا تكشف عن أزمة في الرموز بقدر ما تكشف عن أزمة في مفهوم الاعتراف ذاته؛ فالمجتمع الذي يعجز عن إنتاج رموزه أو الاحتفاء بمنجزيه قد يلجأ إلى استهلاكهم رمزيا عبر تفكيكهم وتقويض مكانتهم.
وعندئذٍ يغدو الهدم بديلا عن المنافسة، والتشهير بديلا عن الإنجاز، وتقويض الرموز بديلا عن صناعة رموز جديدة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى استعادة ثقافة نقدية واعية تميز بين النقد والتشهير، وبين المراجعة والهدم، وبين مساءلة الرمز وإلغائه، حفاظا على التوازن الضروري بين حق النقد وحق المجتمع في الاحتفاظ بمرجعياته الثقافية والمعرفية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك