تفتح تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن إسناد مهمة التعامل مع ملف حزب الله في لبنان إلى دمشق، نافذة واسعة لقراءة التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، والتي تفرض على الفاعلين إعادة الحسابات ورسم المواقف.
وبينما سارع الرئيس السوري أحمد الشرع لنزع فتيل التأويلات العسكرية مؤكدا أن تصريحات ترمب" أسيء فهمها"، واعتبر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام هذا التوضيح حدا للافتراضات المضللة، يتبلور مشهد معقد تتشابك فيه حسابات الداخل السوري المثقل بالتحديات، مع توازنات النفوذ الإقليمي ومسارات التفاوض الدولية الراهنة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الدولية جو معكرون أن طرح ترمب ليس وليد اللحظة بل جرى تداوله سابقا عبر مبعوثه توم براك، ويندرج سياقه الحاضر ضمن" عصف أفكار" داخل البيت الأبيض لإيجاد مخرج للمأزق اللبناني.
وحذر معكرون -خلال حديثه لبرنامج" ما وراء الخبر" - من محاولة إسقاط صيغ الماضي على واقع تغيرت فيه معطيات دمشق وبيروت كليا.
من جانبه، يصف مسؤول الاتصالات السابق في البيت الأبيض مارك فايفل لغة ترمب بأنها" طلب مبالغ فيه" يعكس عقلية المفاوض الساعي لإنتاج نقاط ضغط على إيران وحزب الله، بهدف دفع مذكرة التفاهم للدخول حيز التنفيذ.
ووفق فايفل، فإن هذا الطلب يندرج ضمن جهود حثيثة يبذلها ترمب منذ فبراير/شباط الماضي للضغط على طهران وجلبها إلى طاولة المفاوضات حول ملفات معقدة، كأمن مضيق هرمز، والملف النووي، واليورانيوم المخصب.
ويتفق المحللان على استبعاد ترجمة هذا الطرح إلى إستراتيجية تدخل عسكري مباشر، نظرا لكلفته الباهظة ماليا وسياسيا، فضلا عن غياب أي" ضوء أخضر" تركي أو عربي لهكذا خطوة، خاصة أن آلة إسرائيل العسكرية عجزت عن تحقيق نتائج طوال سنتين من القتال.
أما بشأن موقف دمشق، فيؤكد الكاتب والباحث السياسي عباس شريفة أن سوريا شهدت انقلابا بنيويا بنسبة 180 درجة خلال عام واحد، فبعد أن كانت تخضع للعقوبات ومحسوبة كوكيل للمحور الإيراني ومصدرا لتصدير المخدرات، نجح نظام الشرع في تفكيك مئات الفصائل العسكرية ودمجها تحت مظلة الجيش السوري (بما فيها قوات سوريا الديمقراطية)، وهو ما بنى ثقة ترمب في قدراته.
ويوضح شريفة أن نية سوريا الحقيقية لا تنطلق من تنفيذ أجندات خارجية أو إعادة إنتاج التدخل العسكري لعام 1976 واللعب بالورقة الطائفية، بل ترتكز على مبدأ" ندية الدولة للمؤسسات الرسمية اللبنانية" ورفض الدخول عبر بوابة الطوائف أو الأحزاب.
وتتمحور أدوات التأثير السورية اليوم حول مشاريع تكامل تنموي واقتصادي تشمل الربط السككي، وخطوط الطاقة والكهرباء والإنترنت والغاز القادمة من العراق، سعيا لتحويل البلدين إلى سوق واحدة وإعادة إحياء الروابط التاريخية.
وتشترط دمشق لإنجاح هذه المقاربة -حسب شريفة- حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتقوية مؤسساتها، إذ يطرح الشرع وساطة وحوارا لدمج حزب الله في الدولة وليس استئصاله أو عزله، مع الحسم التام في تطبيق اتفاق الطائف لمنع تحول لبنان لممر لتهريب السلاح والمخدرات أو منطلق لاحتضان الفلول.
الداخل السوري والتوازنات الإقليميةويصطدم هذا الطموح الإقليمي لدمشق بكوابح داخلية يبرزها فايفل، مشيرا إلى أن نظام الشرع يواجه أولويات داخلية حاسمة تمنعه من لعب" دور الوكيل لواشنطن"، وتتمثل في التعامل مع تحديات الأكراد وقواتهم، والدروز، والعلويين، والمسيحيين، وفلول النظام السابق، مما يوجب عليه الانكفاء لتأمين حدوده وبناء ذاته أولا.
وفي السياق الإقليمي، يشير معكرون إلى أن أي دور سوري مستقبلي محكوم بحسابات قوى كبرى مثل تركيا والسعودية، لافتا إلى موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في البرلمان الذي ربط أمن بلاده بأمن سوريا ولبنان ككابح للتوسع الإسرائيلي ومراقب لمرحلة ما بعد الاتفاق الإيراني الأمريكي.
ويخلص المشهد -وفق معكرون- إلى استبعاد نزع كامل لسلاح حزب الله على المدى القصير، بانتظار ترتيبات دولية أفرزتها مهلة الـ60 يوما لإبعاد الحزب عن الجنوب، ليعود لبنان لاحقا لإدارة أزماته الاعتيادية ضمن الضوابط الأمريكية والإيرانية المهيمنة، بعيدا عن أوهام التدخل العسكري السوري المباشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك