لعل أكثر ما استهلك الجهد السوداني عبر العقود الماضية هو الانشغال بالخلافات حول الوسائل والتسميات والمواقع السياسية، بينما ظلت الغاية المشتركة أقل حضوراً في النقاش العام.
فقبل أن يكون الخلاف حول من يحكم أو كيف يحكم، هناك سؤال أسبق من ذلك كله يتعلق بالوطن الذي نريد أن نبنيه معاً.
لقد انشغلنا كثيراً بمن يحكم، بينما ظل السؤال المتعلق بما نريد أن نحققه عبر الحكم نفسه يتراجع إلى الخلف.
تنافسنا على السلطة أكثر مما توافقنا على الغاية منها، واختلفنا حول الوسائل أكثر مما اتفقنا على المقاصد، حتى أصبح تغيير الحكومات حدثاً متكرراً، بينما ظل المشروع الوطني الجامع غائباً أو غير مكتمل.
فالحكومات تتغير، والأحزاب تتبدل، والبرامج السياسية تتنافس، لكن الأوطان لا يمكن أن تبدأ من الصفر مع كل دورة سياسية جديدة.
والدولة لا ينبغي أن تتحول إلى غنيمة للفائز، ولا إلى ضحية لكل تغيير في موازين القوة.
فالأمم التي تنجح لا تبني استقرارها على الأشخاص، وإنما على اتفاق واسع حول الأهداف الكبرى التي تتعاقب الحكومات على خدمتها وتحقيقها.
ولعل ما حاولت هذه السلسلة الاقتراب منه في حلقاتها السابقة كان يدور حول هذه الحقيقة نفسها، وإن تناولتها كل حلقة من جانب مختلف.
فقد انشغلنا أحياناً بالشعارات أكثر من انشغالنا بالمعاني التي تقف خلفها، واستهلكنا كثيراً من الجهد في الجدل حول المصطلحات والتصنيفات، وتعاملنا مع الاختلاف باعتباره سبباً للمقاطعة أو الإقصاء بدلاً من اعتباره مدخلاً للحوار والتكامل.
كما أن خلافاتنا كثيراً ما تحولت إلى تنازع حول المواقع والمواقف قبل أن نتفق على الوجهة التي نريد الوصول إليها.
ولم يكن المقصود من ذلك نقد الخلاف في حد ذاته، ولا الدعوة إلى إلغائه أو تجاهله، وإنما محاولة إزالة بعض العوائق التي ظلت تحول بين السودانيين وبين التفكير المشترك في مستقبلهم.
فالاختلاف يصبح أكثر قابلية للإدارة حين توجد غاية مشتركة، والتنوع يتحول إلى مصدر قوة حين تتفق الإرادات المختلفة على مشروع جامع يخدم الجميع.
ولهذا فإن الحديث عن المشروع الوطني ليس انتقالاً إلى موضوع جديد، بقدر ما هو امتداد طبيعي لما سبق.
فبعد أن ننشغل بالغاية أكثر من الشعار، وبالمضمون أكثر من الاسم، وبما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم، يصبح من الضروري أن نتوقف عند صورة الوطن الذي نريده، وعند الأسس التي يمكن أن تجعل جميع السودانيين شركاء متساوين فيه.
وهنا يبرز التمييز الضروري بين الوطن والدولة والحكومة:فالوطن: هو البيت المشترك الذي يجمع الجميع.
والدولة: هي المؤسسات الدائمة التي تنظم حياة المجتمع وتحمي حقوقه.
بينما الحكومة: هي إدارة مؤقتة تتغير بمرور الزمن.
وحين تختلط هذه المستويات في وعينا يصبح نقد الحكومة عداءً للوطن، ويصبح الوصول إلى السلطة امتلاكاً للدولة، بينما الحقيقة أن الحكومات أجير ووكيل يذهب ويأتي غيره، والدولة تستمر وتترقى، والوطن يبقى ملكاً لجميع أبنائه.
ومن هنا فإن أزمة السودان ليست مجرد أزمة حرب أو سلطة أو اقتصاد، وإنما في جوهرها أزمة غياب مشروع وطني جامع يشعر فيه كل مواطن بأنه شريك أصيل في صياغته، وأنه معني بحمايته والدفاع عنه وتطويره.
والمشروع الوطني الذي نتحدث عنه هنا ليس وثيقة جاهزة، ولا وصفة مغلقة، ولا رؤية خاصة بحزب أو جماعة أو نخبة.
فكما لا يملك أحد حق احتكار الوطن، لا يملك أحد حق احتكار تعريف مستقبله.
والمشروع الوطني الحقيقي لا يُفرض من أعلى، وإنما يتشكل عبر حوار مجتمعي واسع ومستمر تشارك فيه قطاعات المجتمع المختلفة، حتى يصبح ملكاً للجميع لا برنامجاً لفئة بعينها.
وفي كثير من مراحل تاريخنا الحديث جرى التعامل مع الوطن وكأنه ملكية خاصة لفئة أو جهة أو قبيلة أو طائفة أو نخبة معينة، بينما يُنظر إلى الآخرين باعتبارهم ضيوفاً أو مواطنين من درجات متفاوتة.
وقد لا يُقال ذلك بصورة مباشرة، لكنه يظهر في الممارسات والخطابات والتحالفات والصراعات التي صاحبت التجربة السودانية عبر عقود طويلة.
غير أن الأوطان لا تستقر على هذا الأساس.
فالوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، وليس إقطاعية يملكها طرف ويمنح الآخرين حقوقهم باعتبارها هبة أو منحة.
الوطن ملك مشاع لجميع أبنائه.
ولا يملك أحد حق توزيع صكوك الوطنية أو الانتماء، كما لا يملك أحد حق سحبها من غيره.
فالإنسان لا يصبح مواطناً لأن قبيلته أكبر، أو لأن جهته أقوى، أو لأن حزبه يحكم، أو لأن صوته أعلى من أصوات الآخرين.
وإنما يصبح مواطناً بحكم انتمائه لهذا الوطن وبحكم مساواته الكاملة مع بقية المواطنين في الحقوق والواجبات.
ولهذا تصبح المواطنة المتساوية حجر الزاوية في أي مشروع وطني جاد.
والمواطنة ليست مجرد بطاقة هوية أو جواز سفر أو نص قانوني.
إنها عقد اجتماعي يقوم على المساواة أمام القانون، وعلى تلازم الحقوق والواجبات، وعلى أن يكون معيار الحقوق هو المواطنة، ومعيار المسؤولية هو القانون، ومعيار التقدم هو الكفاءة.
فكما أن للمواطن حق الأمن والحرية والعدالة والمشاركة، فإن عليه أيضاً مسؤولية الإسهام في حماية هذه القيم وصيانتها والدفاع عنها.
فالمواطنة ليست علاقة مطالبة من طرف واحد، وإنما شراكة متبادلة بين الفرد والمجتمع والدولة.
ولا يكتمل الحديث عن المواطنة إذا ظل المواطن نفسه غائباً عن مركز الصورة.
ففي كثير من الأحيان جرى التعامل مع المواطن باعتباره مصدراً للتفويض أو مخزوناً انتخابياً أو وقوداً للتعبئة السياسية، بينما تم تهميش دوره الحقيقي بوصفه صاحب الحق وصاحب المصلحة وصاحب القرار.
والحقيقة أن المواطن ليس مجرد مصدر للشرعية، بل هو الغاية التي وجدت الدولة من أجلها.
وإذا كانت الدولة ملكاً لأحد فهي ملك لمواطنيها.
ولهذا فإن إشراك المواطن ليس مجرد وسيلة لتحسين الحكم، وإنما جزء من عملية بناء الإنسان نفسه.
فالإنسان لا يتعلم الحرية من الكتب وحدها، ولا يكتسب المسؤولية من الخطب والشعارات، وإنما يتعلمهما بالممارسة.
وكما يتعلم الطفل المشي بالمشي، ويتعلم الإنسان السباحة بالنزول إلى الماء، يتعلم المواطن إدارة شؤونه بالمشاركة الفعلية في إدارتها.
ومن هنا يصبح الوعي عملية تراكمية مستمرة.
فالمشاركة تنتج وعياً، والوعي يقود إلى مشاركة أعمق، وهكذا تتسع دائرة التعلم والخبرة مع الزمن.
ولعل واحدة من أكبر المعضلات التي عطلت تطور التجربة السودانية أن قطاعات واسعة من المواطنين ظلت تُعامل باعتبارها جماهير للتعبئة أكثر من كونها شركاء في صناعة القرار.
وحين يتحول المواطن إلى تابع ينتظر الإشارة من الزعيم أو الحزب أو الطائفة، يتجمد الوعي وتتراجع المواطنة.
فالديمقراطية لا تقوم على مجرد احتساب الأصوات، وإنما تقوم قبل ذلك على تحرير العقول وتمكين الناس من التفكير الحر واتخاذ القرار المسؤول.
ولهذا فإن توسيع دائرة المشاركة لا ينفصل عن توسيع دائرة الوعي.
كما أن المشروع الوطني لا يمكن أن يكتمل إذا ظلت الفئات الأكثر عدداً والأكثر تأثراً بمستقبل البلاد بعيدة عن مراكز التأثير وصناعة القرار.
فالشباب ليسوا مستقبل الوطن فحسب، بل هم حاضره أيضاً.
والنساء لم يكنّ متفرجات على ما جرى، بل تحملن أعباء الحرب والنزوح والفقر والانهيار الاجتماعي جنباً إلى جنب مع بقية المجتمع.
ولهذا فإن أي مشروع وطني لا يمنح الشباب والنساء دوراً حقيقياً في التفكير والمشاركة والمراقبة والمحاسبة سيظل مشروعاً ناقصاً، لأنه يستبعد جزءاً كبيراً من القوى التي يفترض أن تصنع المستقبل وتحمله.
غير أن المشاركة لا تتحقق بمجرد الدعوة إليها، بل تحتاج إلى مساحات حقيقية يتدرب فيها الناس على النقاش والمساءلة والعمل العام.
ومن هنا تنبع أهمية المنابر الحرة والمنتديات المجتمعية والمبادرات القاعدية والمساحات الحوارية المستقلة.
فهذه ليست مجرد أماكن لتبادل الآراء، وإنما مدارس للمواطنة ومختبرات للممارسة الديمقراطية، يتعلم فيها الناس كيف يناقشون ويختلفون ويتعاونون ويراقبون ويحاسبون.
ولعل أخطر ما أصاب السودان عبر تاريخه الحديث لم يكن مجرد احتكار السلطة، وإنما احتكار التفكير نفسه.
فقد اعتادت قطاعات واسعة من المجتمع أن تنتظر من يفكر عنها ويقرر عنها ويحدد لها ما ينبغي أن تؤمن به أو ترفضه.
ولهذا فإن بناء المواطنة يبدأ بإعادة الثقة للمواطن العادي في قدرته على الفهم والمناقشة والمشاركة.
فالأمم لا تتقدم لأن نخبها أكثر ذكاءً من غيرها، وإنما لأنها تنجح في إطلاق طاقات مواطنيها وتحويلهم من جمهور متلقٍ إلى شركاء فاعلين في صناعة المستقبل.
ولا يعني ذلك إلغاء التنوع أو محاربة الانتماءات الاجتماعية والثقافية التي تشكل جزءاً أصيلاً من المجتمع السوداني.
فالقبائل ستظل موجودة، والثقافات المحلية ستظل موجودة، والتنوع سيظل جزءاً من السودان.
لكن الدولة الحديثة تقوم على التمييز بين (الدور الاجتماعي والثقافي) لهذه الانتماءات وبين (دور الدولة) نفسها.
وحين تضعف الدولة أو تغيب، يلجأ الناس بطبيعة الحال إلى القبيلة أو الجهة أو الطائفة بحثاً عن الحماية والأمان.
وهذا لا يحدث دائماً بسبب قناعة فكرية أو رفض لمبدأ المواطنة، بل كثيراً ما يكون استجابة طبيعية للخوف.
فالإنسان حين يشعر بأن أمنه أو رزقه أو كرامته مهددة، يبحث غريزياً عن أقرب دائرة تمنحه الإحساس بالحماية والانتماء.
ولهذا فإن كثيراً من مظاهر الانغلاق التي نراها اليوم ليست دليلاً على قوة العصبيات بقدر ما هي دليل على ضعف الدولة.
كما أن الانتماءات الطائفية والقبلية حين تتحول إلى أدوات للعمل السياسي لا تكتفي باحتكار السلطة، بل تسهم في “تجميد وعي” المواطن وتحويله إلى تابع يسهل توجيهه.
بينما يقوم مشروع المواطنة على النقيض من ذلك تماماً، لأنه يسعى إلى تحرير إرادة المواطن وتمكينه من اتخاذ قراره بنفسه.
ولا يمكن لدولة المواطنة أن تستقيم في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة.
فالمواطنة المتساوية تفترض أن جميع المواطنين يقفون أمام القانون على قدم المساواة، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إذا كانت بعض الجماعات تمتلك من أدوات القوة ما يضعها فوق الدولة أو خارج سلطتها.
ولهذا فإن أحد الشروط الأساسية لأي عقد اجتماعي جديد هو وجود مؤسسة عسكرية وطنية واحدة ومهنية تعبر عن جميع السودانيين وتخضع لسلطة دستورية مدنية، بحيث يصبح السلاح أداة لحماية الوطن والمواطن لا وسيلة للمنافسة السياسية أو الاقتصادية أو الجهوية.
كما أن المواطنة لا تكتمل بمجرد المساواة القانونية والسياسية، بل تحتاج إلى أساس اقتصادي عادل يتيح للناس فرص العيش الكريم والعمل والإنتاج.
فحين ترتبط الوظيفة أو الفرصة أو الخدمة العامة بالولاء السياسي أو القبلي أو الجهوي، تتحول الدولة إلى ساحة للتنافس على الغنائم لا إلى إطار للإنتاج والتنمية.
ولعل جزءاً كبيراً من الصراعات التي عرفها السودان ارتبط بهذا الواقع، حيث تحولت السلطة في كثير من الأحيان إلى وسيلة للوصول إلى الثروة والامتيازات، وتحول التنافس السياسي إلى صراع حول توزيع الموارد أكثر من كونه تنافساً حول خدمة المواطنين.
ولهذا فإن المشروع الوطني الذي ننشده لا يقوم على إعادة توزيع الغنائم بين الجماعات، وإنما على بناء دولة إنتاج تفتح الفرص للجميع على أساس الكفاءة والجدارة، وتجعل النجاح ثمرة للعمل والإبداع لا نتيجة للانتماء والمحسوبية.
كما أن العدالة لا تقتصر على السياسة، وإنما تشمل التنمية والخدمات والبنية التحتية والفرص الاقتصادية.
فالتهميش ليس مجرد شعور نفسي أو خطاب سياسي، بل يرتبط أيضاً بغياب فرص الحياة الكريمة.
وعندما يصبح القانون فوق الجميع، وتصبح المواطنة أساس الحقوق، وتصبح المؤسسات هي المرجعية المشتركة، يتحول التنوع إلى مصدر قوة بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى وقف الحرب باعتباره نهاية الطريق، بل بداية مسار جديد.
فالغاية ليست العودة إلى ما كنا عليه قبل الحرب، وإنما بناء ما عجزنا عن بنائه قبلها.
كما أن الحفاظ على وحدة البلاد لا يتحقق بالشعارات ولا بالقوة وحدها، وإنما حين يشعر الناس أن البقاء معاً أكثر عدلاً وأمناً وفائدة من التفرق.
فالوحدة ليست قيمة عاطفية فحسب، بل مشروع مصالح مشتركة ومنافع متبادلة وفرص أكبر للتنمية والاستقرار والتقدم.
ولهذا فإن بناء دولة المواطنة المتساوية ليس فقط شرطاً للاستقرار الداخلي، بل هو أيضاً الأساس لأي وحدة جاذبة يمكن أن تصمد أمام الزمن.
وفي الوقت نفسه، لا تعني المواطنة المتساوية تجاهل المظالم أو القفز فوق آلام الضحايا أو إسقاط الحقوق.
فسيادة القانون لا تكتمل إلا بخضوع الجميع للمحاسبة، ولا يمكن لأي سلام مستدام أن يقوم على إنكار الجرائم أو تجاهل الضحايا أو إفلات المسؤولين من المساءلة.
فالعدالة ليست عقبة أمام التعايش، بل أحد شروطه الأساسية.
وفي نهاية المطاف، لا يقاس نجاح أي مشروع وطني بقدرته على إنهاء الحروب فحسب، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين الحرية والعدالة.
فالإنسان يحتاج إلى الحرية لكي يفكر ويعبر ويشارك ويبدع، كما يحتاج إلى العدالة التي تحمي حقوقه وتصون كرامته وتضمن تكافؤ الفرص بينه وبين غيره.
وحين تنجح الدولة في الجمع بين هاتين القيمتين تصبح إطاراً جامعاً يحمي الفرد دون أن يعزله عن مجتمعه، ويحفظ المجتمع دون أن يصادر حقوق أفراده.
ولعل من المفارقات أن كثيراً من الجدل السياسي السوداني انشغل لعقود طويلة بالسؤال عما إذا كانت الدولة ينبغي أن توصف بأنها دينية أم علمانية، بينما ظل الاتفاق على مضمون الدولة نفسها أقل حضوراً في النقاش العام.
فالإنسان لا يعيش داخل المصطلحات، وإنما يعيش داخل واقع تصنعه القوانين والمؤسسات والسياسات العامة.
وما يحتاجه المواطن في نهاية المطاف ليس اسماً معيناً للدولة بقدر ما يحتاج إلى دولة تحمي حقوقه، وتصون كرامته، وتكفل له الأمن والحرية والعدالة والمشاركة المتساوية في الشأن العام.
ولهذا فإن ما جرى طرحه في هذه الحلقة لا ينطلق من محاولة فرض توصيف بعينه، وإنما من محاولة البحث عن أرضية مشتركة يمكن أن يلتقي عليها السودانيون رغم اختلاف مرجعياتهم الفكرية والسياسية والدينية.
فالقيم التي يحتاجها الناس لبناء وطن مستقر وعادل ليست حكراً على تيار دون آخر، كما أن الحكمة الإنسانية تراكمت عبر تجارب متعددة وأسهمت فيها حضارات وثقافات ومدارس فكرية متنوعة.
ومن ثم فإن المعيار الذي ينبغي أن يحتكم إليه الناس ليس مصدر الفكرة أو الاسم الذي تحمله، وإنما قدرتها على خدمة الإنسان وتحقيق المصلحة العامة وصيانة الحقوق والحريات وتعزيز الاستقرار والعدالة.
وحين يتفق السودانيون على شكل الدولة التي يريدونها، وعلى الحقوق التي ينبغي أن تكفلها، وعلى الواجبات التي تقوم عليها، وعلى المؤسسات التي تحميها، فإن الخلاف حول التوصيفات يصبح أقل أهمية من الاتفاق على المضامين.
فالأسماء تظل وسائل للتعبير، أما الغايات فهي ما ينعكس على حياة الناس ومستقبل أبنائهم.
ولذلك فإن الطريق إلى الوطن الذي يتسع للجميع لا يبدأ بحسم الخلاف حول ما نسميه، وإنما بالاتفاق على ما نريد أن نبنيه معاً.
إن الطريق إلى المستقبل لا يبدأ بتغيير حكومة أو استبدال نخبة بأخرى، وإنما يبدأ بامتلاك رؤية مشتركة لما نريد أن يكون عليه وطننا.
ويبدأ أيضاً بإدراك أن المشروع الوطني لا تصنعه النخب بالنيابة عن الناس، بل يصنعه المواطنون أنفسهم عبر الحوار والمشاركة والتعلم المستمر وتراكم الخبرة.
ولهذا فإن المواطن ليس فقط صاحب الحق في هذا المشروع، وليس فقط حارسه الأول، بل هو أحد صانعيه الأساسيين.
أما الخطوة الأولى فتبدأ اليوم، لا غداً.
تبدأ بالتخلي عن التعصب المسبق، والاستعداد للاستماع والتعلم والعمل مع الآخرين، وتبدأ بتنظيم مجتمعاتنا الصغيرة ومبادراتنا الطوعية ومنظماتنا المهنية ولجان أحيائنا على أسس الشفافية والمشاركة والمحاسبة.
فهناك، في تلك المساحات الصغيرة، يتدرب المواطن على ممارسة الدور الذي سيبني به الوطن الكبير.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُصان بالقوة وحدها، ولا تستقر بالولاءات الضيقة.
وإنما تنهض حين يشعر كل مواطن أنه شريك كامل في ملكيتها ومسؤوليتها ومستقبلها.
ومن هنا يبدأ الطريق إلى المشروع الوطني الذي طال انتظاره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك