يشكّل الاتفاق الذي جرى في منتجع بورغنشتوك المطلّ على بحيرة لوسيرن محطة مفصلية في مسار الأزمة الأميركية - الإيرانية، لكنه لا ينهي الصراع بقدر ما يعيد ضبط إيقاعه.
فالمواجهة بين الطرفين كانت طوال السنوات الماضية حربًا عبثية متغيرة الأهداف، اتسمت بسوء تقدير الموقف، وتداخلت فيها الضربات الجراحية، وحرب التصريحات، والابتزاز الجغرافي عبر مضيق هرمز.
وقد كبّدت هذه الحرب العالم خسائر مرحلية تُقدّر بنحو 3.
5 تريليون دولار حتى نهاية 2026، نتيجة اضطراب الطاقة، وتذبذب الأسواق، وتوتر سلاسل الإمداد.
بعد الاتفاق، برزت ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول هو محاولة واشنطن تثبيت الردع دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي تصعيد سيؤثر في الداخل الأميركي وفي استقرار الطاقة العالمية، خصوصًا في ظل التصريحات المتقلبة للرئيس ترامب التي ترفع الأسعار وتهز الأسواق خلال ساعات.
لذلك تبنّت واشنطن سياسة" الضغط المحسوب": تخفيف محدود للعقوبات مقابل التزامات أمنية، مع الإبقاء على القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة عند الحاجة.
المسار الثاني يتعلق بإيران التي تعاملت مع الاتفاق كفرصة لالتقاط الأنفاس.
فطهران تواجه ضغوطًا اقتصادية خانقة، وتراجعًا في قدرتها على المناورة.
ومع ذلك، ما زالت تعتمد على أدواتها التقليدية: الوكلاء، التهديد البحري، وحرب الرسائل.
لكنها باتت أكثر حذرًا، لأن أي خطأ في الحسابات قد يعيدها إلى مربع العقوبات القصوى أو يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة.
أما المسار الثالث فهو موقف العالم.
أوروبا رحّبت بالاتفاق لأنه يخفف الضغط على الطاقة.
الصين رأت فيه ضمانًا لاستقرار الإمدادات.
روسيا تعاملت معه ببراغماتية، مستفيدة من أي اضطراب في السوق.
أما الخليج العربي فكان الرابح الاستراتيجي الأكبر: استقرار الطاقة، حماية الممرات البحرية، تعزيز الردع، وتأكيد دوره كمركز توازن عالمي.
كما استفادت شعوب العالم من انخفاض المخاطر على الغذاء والسماد والطاقة، ما خفّف الضغوط التضخمية.
وبالرغم من ذلك، يبقى الاتفاق هشًا.
فالعوامل التي قادت إلى التوتر ما زالت قائمة: البرنامج النووي، أمن الملاحة، دور الوكلاء، والضغوط الداخلية في واشنطن وطهران.
لذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة اختبار للنوايا، وقد تحدد ما إذا كان الاتفاق بداية استقرار نسبي أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التصعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك