في خطوة قد تعيد رسم مفهوم الرعاية الصحية منذ اللحظات الأولى للحياة، تتجه الأبحاث الطبية إلى توسيع استخدام تقنيات تحليل الجينوم الكامل لدى الأطفال حديثي الولادة، بما يتيح استشراف المخاطر الوراثية المحتملة والكشف المبكر عن مئات الأمراض قبل ظهور أعراضها، وسط جدل أخلاقي متصاعد بشأن حدود المعرفة وتأثيرها النفسي على الأسر.
وتقول الطبيبة الأميركية المتخصصة في الأمراض الرئوية والعناية المركزة بمستشفى بريغهام آند وومنز في بوسطن، دانييلا لاماس، إن انخفاض تكلفة الاختبارات الجينية شجع العلماء على إطلاق مشاريع واسعة لفحص عشرات الآلاف من المواليد، تمهيدا لإدخال هذه التقنية ضمن الرعاية الصحية الروتينية، بحسب تقرير نشرته صحيفة" نيويورك تايمز".
ويخضع معظم الأطفال حديثي الولادة حاليا لاختبار" وخز الكعب"، الذي يهدف إلى الكشف عن عدد محدود من الأمراض الخطيرة القابلة للعلاج المبكر.
لكن تحليل الجينوم الكامل يتيح رصد مئات الأمراض الوراثية الأخرى، من بينها الهيموفيليا (الناعور)، وهو اضطراب يؤثر في قدرة الدم على التجلط ولا يشمله الفحص التقليدي.
ويساعد اكتشاف مثل هذه الأمراض في مراحل مبكرة على اتخاذ تدابير وقائية وعلاجية تحد من المضاعفات المحتملة.
ورغم الفوائد المتوقعة، يثير التوسع في الفحوص الجينية أسئلة أخلاقية معقدة، أبرزها: " ما إذا كان ينبغي إبلاغ الأسر باحتمالات الإصابة بأمراض لا تتوفر لها علاجات فعالة، أو الكشف عن اضطرابات قد لا تظهر إلا في مرحلة البلوغ".
ويحذر بعض خبراء أخلاقيات الطب من أن هذه المعلومات قد تفرض ضغوطا نفسية طويلة الأمد على الأسر، بسبب مخاطر قد لا تتحول في النهاية إلى أمراض فعلية.
في المقابل، ترى لاماس أن حجب المعلومات ليس الخيار الأمثل، معتبرة أن التعامل مع حالة عدم اليقين جزء من تجربة الأبوة والأمومة، وأن توفير الإرشاد الطبي والدعم النفسي يمثل الحل الأنسب.
في عام 2013، أطلق عالم الوراثة روبرت غرين، من كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريغهام آند وومنز، أول دراسة عشوائية لفحص الجينوم لدى المواليد، وشملت 159 رضيعا، مع البحث عن طفرات مرتبطة بأكثر من أربعة آلاف جين.
وأظهرت النتائج أن الحصول على المعلومات الوراثية لم يؤد إلى زيادة مستويات القلق لدى الآباء أو التأثير سلبا في علاقتهم بأطفالهم، رغم اكتشاف طفرات مرتبطة بأمراض لدى أكثر من 11 بالمئة من المشاركين.
وفي إحدى الحالات، أدى اكتشاف طفرة في جين (BRCA2) لدى طفل رضيع إلى فحص والدته، ليتبين أنها تحمل الطفرة نفسها، ما أتاح لها اتخاذ إجراءات وقائية ساهمت في خفض خطر إصابتها بالسرطان.
تمول المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة دراسة جديدة، تستهدف إشراك 30 ألف مولود جديد، مع التركيز على أكثر من 750 مرضا يمكن التدخل لعلاجها خلال السنة الأولى من العمر.
كما يحصل أطباء الأطفال المشاركون على إرشادات متخصصة تساعدهم على تفسير النتائج والتعامل معها، بهدف الحد من التعقيدات التي قد تفرضها هذه التكنولوجيا على الأنظمة الصحية.
وخلال الدراسة الأولى، كشفت التحاليل عن طفرة جينية لدى أحد الأطفال مرتبطة ببروتين" الإيلاستين"، ما دفع الأطباء إلى إجراء فحوص إضافية أظهرت وجود تشوهات في الشريان الأورطي كانت تستدعي المتابعة الدقيقة.
ويرى الباحثون أن مثل هذه النتائج، رغم ما قد تسببه من قلق لدى الأسر، يمكن أن تكون عاملا حاسما في إنقاذ حياة الأطفال.
وتؤكد لاماس أن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كانت تقنيات قراءة الجينوم ستصبح جزءا من الرعاية الطبية المعتادة، بل بكيفية بناء نظام صحي قادر على مساعدة الأسر على فهم هذه المعلومات والاستفادة منها.
وتشدد على أن الجينات لا تستطيع التنبؤ بشخصية الطفل أو تفاصيل حياته، لكنها قد تمنح العائلات فرصة أكبر لحمايته من الأمراض وتحسين جودة حياته في المستقبل.
قد يهمك أيضــــــــــــــا" اليونيسف" تكشف أرقام صادمة بشأن وفيات الأطفال حديثي الولادة في المغرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك