تتزايد في اللحظة الراهنة فرص التوصل إلى تفاهم أمريكي إيراني غير قصير المدى يتجاوز منطق المواجهة المفتوحة والضغوط المتبادلة إلى منطق إدارة الخلافات وبناء ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقرارا في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
ولا يعني الحديث عن فرص التفاهم أن الولايات المتحدة وإيران تتجهان إلى إنهاء جميع أسباب التوتر بينهما أو إلى بناء شراكة استراتيجية كاملة، فالفجوات السياسية والأيديولوجية والأمنية بين الطرفين لا تزال واسعة، غير أن الخبرة التاريخية الممتدة منذ الثورة الإيرانية عام 1979 تؤكد أن واشنطن وطهران كانتا دائما قادرتين على التفاوض والتنسيق حين تفرض المصالح المشتركة ذلك، وأن فترات التصعيد الحاد لم تمنع وجود قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة سمحت بإدارة الأزمات وتجنب الانزلاق إلى حروب شاملة.
وتنبع فرص النجاح الحالية من حقيقة أن كلا الطرفين بات يدرك حدود القوة العسكرية وحدود سياسات الردع المتبادل.
فالولايات المتحدة التي أعادت خلال السنوات الأخيرة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية باتجاه المنافسة مع الصين وإدارة التحديات الأوروبية لا ترغب في الانخراط في حروب جديدة طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط.
كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد متحمسا لمغامرات عسكرية جديدة بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان.
وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار العقوبات الاقتصادية والعزلة المالية يفرض أثمانا باهظة على الاقتصاد الإيراني ويحد من قدرات الدولة على تحقيق التنمية والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.
ومن ثم فإن المصالح المتبادلة تدفع الطرفين نحو البحث عن صيغة تفاهم تحقق الحد الأدنى من أهداف كل منهما.
فالولايات المتحدة تسعى إلى ضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج عسكري وإلى الحد من احتمالات التصعيد العسكري في الخليج وحماية حرية الملاحة البحرية واستقرار أسواق الطاقة العالمية.
أما إيران فتسعى إلى الحصول على اعتراف بدورها الإقليمي المشروع وإلى تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام اندماجها التدريجي في الاقتصاد العالمي.
ولا ينبغي النظر إلى التفاهم الأمريكي الإيراني باعتباره تنازلا من طرف لصالح الطرف الآخر، بل باعتباره انعكاسا لحقيقة أن التعايش بين القوى المتنافسة أصبح أكثر أهمية من السعي إلى إقصائها أو هزيمتها.
فالولايات المتحدة لن تستطيع تغيير النظام السياسي الإيراني أو إلغاء نفوذ إيران الإقليمي بالقوة.
كما أن إيران لن تستطيع إخراج الولايات المتحدة من المنطقة أو فرض رؤيتها الأمنية على دول الخليج العربية.
ولذلك يصبح التفاهم القائم على المصالح المتبادلة الخيار الأكثر واقعية والأقل تكلفة.
غير أن نجاح أي تفاهم أمريكي إيراني لن يقاس فقط بما يحققه من تهدئة ثنائية بين واشنطن وطهران، وإنما بمدى مساهمته في بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقرارا في الخليج.
وهنا تبرز أهمية تجاوز المقاربات التقليدية التي تعاملت مع أمن الخليج باعتباره مسألة عسكرية محضة أو باعتباره مسؤولية قوة عظمى خارجية.
فالتجارب الماضية أثبتت أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم ينجح في إنهاء التوترات الإقليمية، كما أن محاولات فرض التوازنات بالقوة العسكرية لم تؤد إلا إلى إنتاج أزمات جديدة.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من مفهوم الردع المتبادل إلى مفهوم الأمن التعاوني.
ويعني ذلك بناء ترتيبات أمنية تشارك فيها جميع دول الخليج العربية إلى جانب إيران، مع الاحتفاظ بالعلاقات الاستراتيجية القائمة مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق من خلال استبعاد طرف إقليمي رئيسي أو التعامل معه باعتباره تهديدا دائما، وإنما من خلال إدماجه في منظومة قواعد ومؤسسات وآليات حوار تضمن احترام المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل التفاهم الأمريكي الإيراني نقطة انطلاق نحو إطلاق عملية حوار إقليمي شاملة تضم دول مجلس التعاون الخليجي والعراق ومعهم إيران، وتتناول قضايا الأمن البحري وحماية الممرات المائية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
كما ينبغي أن تتضمن هذه العملية إجراءات لبناء الثقة مثل تبادل المعلومات الأمنية وإنشاء آليات للإنذار المبكر وإقامة قنوات اتصال دائمة لإدارة الأزمات.
لا ينبغي النظر إلى التفاهم الأمريكي الإيراني باعتباره تنازلا من طرف لصالح الطرف الآخر، بل باعتباره انعكاسا لحقيقة أن التعايش بين القوى المتنافسة أصبح أكثر أهمية من السعي إلى إقصائها أو هزيمتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك