الخبر أن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار والعملات الرئيسية اليوم يساوي ما كان عليه ليلة سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، رغم ما لتلك الفترة من آثار نفسية وسياسية تتدخل في سعر الصرف، كما الأسباب الاقتصادية، إن لم نقل أكثر.
فأن يتهاوى سعر صرف العملة السورية إلى نحو 14 ألفاً و500 ليرة مقابل الدولار، بعد الاستقرار السياسي ورفع العقوبات وما قيل عن استقطاب استثمارات ودوران لعجلة الإنتاج، فلا بد أن أسباباً لا تذكر أو قطبة مخفية لا تريد حكومة دمشق فكفكتها.
وتلك القطبة لا تتعلق، وبلا شك، بتعويم أو تخفيض مدار تتعمده السلطات النقدية بدمشق لتخفّض من تكاليف الإنتاج وتزيد تدفق صادراتها إلى خارج الحدود، لأن الميزان التجاري خاسر بشدة وسلع الدول المجاورة تغزو السوق الداخلية، وبالكاد تصدر سورية بعض المنتجات الزراعية الخام وقلّة من الألبسة وكثرة من الأغنام العواس التي ألهبت سوق اللحوم.
الأمر الذي يلغي احتمال التخفيض المدار لسعر صرف الليرة السورية بهدف تخفيض تكاليف الإنتاج المحلي ورفع قيم الصادرات، وينفي بالوقت نفسه التعويم المدار وترك بنك سورية المركزي سعر الصرف عرضة لقوى السوق والعرض والطلب، ببساطة، لأن المركزي بدمشق عاجز عن الإدارة والتدخل المباشر لضبط السعر، لأن خزائنه شبه خاوية من الاحتياطي الأجنبي بعد أن بدد النظام المخلوع نحو 19 مليار دولار خلال مواجهته ثورة السوريين، وسرق ما فاض قبل هروبه إلى موسكو.
إذاً، على الأرجح أن هناك أسباباً أو ربما خطايا تقترفها حكومة دمشق، دفعت سعر الليرة إلى هذا الحضيض وأبطلت نجاعة علاج" الليرة الجديدة" بعد حذف ثلاثة أصفار ومحاولات إعادة الهيبة لعملة تلاشت خلال الثورة إلى حدود مخاوف قبول تداولها بالخارج، واعتبارها، بالداخل، أداة قياس لاقتصاد متهالك ومشوّه تديره شبكات من المهربين والفاسدين، ليس إلا.
قصارى القول: مؤكد أن رخص العملة ليس مؤشراً على قوة الاقتصاد أو ضعفه، لكن تهاويها وعدم ثبات سعرها مؤشر أكيد على خلل اقتصادي ومؤشر لمن يهمه الأمر، بالداخل والخارج، ليتردد ويعد للعشرة، قبل توطين مشروع أو تشميل استثمار.
ويمكن لمن يريد البحث عن ذرائع أن يرمي على السياسة وعدم اليقين بالمنطقة جلّ أسباب تراجع سعر صرف الليرة السورية، كما الباب مفتوح على مصراعيه لمن يريد تحميل الوزر للعزلة والعقوبات وإرث نظام الأسد الذي هدم البنى والهياكل الاقتصادية قبل سقوطه وهروبه.
بيد أنه، ورغم وجاهة تلك الأسباب، إلا أنها غير كافية وغير منطقية اقتصادياً، بعد مرور أكثر من عام ونصف عام على سورية الجديدة، وما قيل عن رفع العقوبات، ولو نظرياً، واستقطاب الاستثمارات وعودة الدم للجريان في عرق الإنتاج واستخراج النفط وبدء جني، ولو قليل الغلة، من نعمة الجغرافية السورية.
ولو سقنا" خطية" استيراد السيارات المستعملة وحدها، وما سببته من خروج مليارات الدولارات من جراء استيراد أكثر من 170 ألف سيارة مستعملة، قبل تعديل القرار وبعده، لوضعنا الإصبع على سبب مهم أدى إلى استنزاف القطع الأجنبي من السوق السورية، على" سلعة كمالية"، وما سببته من تكلفة الفرصة البديلة، أي ما خسره الاقتصاد من جراء خروج الدولار إلى سوق السيارات، بدل أن تضخ تلك الأموال في قطاعات منتجة ومشغلة للأيدي العاملة وتستثمر في القيم المضافة للمواد الأولية السورية، سواء بالزراعة أو الصناعة أو حتى الطاقة.
وقلنا عن فتح باب استيراد السيارات المستعملة لسوق عطشى" خطية" لأنها زادت من الضغط على الطرق ورفعت الطلب على الوقود وقطع الغيار، بمعنى استمرار استنزاف القطع الأجنبي، بعد أن سببت ما سببت من حوادث ووفيات بسبب قدم طرازاتها وعدم جهوزية البنى التحتية والازدحام.
ومن الخطايا التي أثرت على سعر الصرف وزادت الضغط على الليرة، زيادة الاستيراد، حتى للمنتجات الغذائية والسلع الاستهلاكية التي كانت لسورية، تاريخياً، حظوة وميزات وتنافسية فيها، ووصف ذلك بالخطية ليس بسبب قرارات وزارة التجارة التي سهلّت الاستيراد ودعمت التجار على حساب حماية الإنتاج المحلي ودعم الصناعيين فحسب، بل لأن الحكومة بدمشق لم تلتفت، وفق خطة عملية، لاستعادة الصناعة والصناعيين عبر برامج دعم ورعاية، وفق استراتيجية إعادة إحياء الصناعات الصغيرة والمتوسطة واعتبارها قاطرة لاقتصاد مهدم، كما السوري.
وليستوي القول ولا نجنح نحو تحميل الحكومة جميع أسباب تراجع سعر الليرة، لا بد من الإشارة إلى خسارة الموارد السيادية، وفي مقدمتها القمح والنفط، وأخذ فاتورة استيرادها بالاعتبار لما تسببه من استنزاف للقطع الأجنبي، من دون أن نتغافل بالطبع، عن استمرار آثار العقوبات الاقتصادية الدولية والعزل المالي، التي رفعت نظرياً أو على مراحل.
نهاية القول: تفتقر سورية الجديدة، وللإنصاف، إلى معظم محددات قوة النقد أو ثبات سعر الصرف، فمصرفها المركزي خاوية خزائنه وسياحتها تحبو وإنتاجها مشلول وقطاعاتها القواطر مهدمة، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً التطرق إلى التخبط وغياب الرؤية والاستراتيجية الواضحة، فالاقتصاد السوري، وإلى اليوم، من دون هوية محددة ونهج معلن.
فهذا المسؤول يعلن اليوم عن اقتصاد سوق اجتماعي ويرى مسؤول آخر، غداً، أن الحل بالليبرالية واقتصاد سوق متوحش، ولذلك الأثر التخبطي، وأيما أثر، بالنسبة لاستقرار المشتغل بالداخل أو قرار المراقب والمستثمر بالخارج.
وربما، لما بُدئ يقال عن تفشي الفساد وهروب مستثمرين، عرب ودوليين، بعد أن جذبهم المناخ الاستثماري السوري، دور، كما لعدم إيفاء دول الجوار والإقليم بوعودها بدعم الاقتصاد والمصرف المركزي، عبر إيداع وقروض، دور، لتجتمع تلك الأدوار جميعها وتعيد الليرة إلى هذا الحضيض، وتجر معها معيشة السوريين، الحقيرة أجورهم، إلى التهلكة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك