العربي الجديد - هالاند يقود النرويج لهزيمة السنغال ويحافظ على آمال العراق في التأهل العربي الجديد - النوم يهزم مباريات في كأس العالم 2026.. مباريات تفشل في مقاومة الملل فرانس 24 - مونديال 2026: النروج إلى دور الـ32 بثنائية جديدة لهالاند أمام السنغال (3-2) قناة الجزيرة مباشر - النشامى ومحاربو الصحراء بكأس العالم.. رهان الأرقام القياسية وتفادي الخروج الجزيرة نت - بين إعجاب إنريكي ورغبة برشلونة وعرض بيريز.. ألفاريز يشعل الميركاتو الأوروبي قناة الغد - مسؤولة أممية تدعو أميركا لإعادة النظر في سحب تمويل لمكافحة الإيدز الجزيرة نت - ترمب بعد تنحي ستارمر: كان لطيفا لكنه ارتكب أخطاء قاتلة قناة التليفزيون العربي - "لم نجدهم إلى جانبنا عندما احتجنا مساعدتهم".. ترمب يشن هجوما قويا على حلفائه الأوروبيين وكالة شينخوا الصينية - الصين تسجل أكثر من 647 مليون رحلة بين المناطق خلال عطلة عيد قوارب التنين العربي الجديد - حرب إيران تهدد أرزاق 30 مليون مغترب في الخليج وتحويلات بالمليارات
عامة

حكايات الولاد والأرض 20.. زوجة الشهيد محمد عبد المتجلى: كان بيدعى ربنا يستشهد فى سيناء

اليوم السابع
اليوم السابع منذ 1 ساعة

كان معى على الطرف الثانى من الهاتف الذى تركناه مفتوحا هذه الليلة بطولها حتى نأنس ببعضنا، وبعد قيامه الليل، قال لى: " فى السحور بركة" فقلت له: " هل نويت الإمساك فى هذا اليوم الحار؟ " وقبيل بزوغ فجر الأ...

كان معى على الطرف الثانى من الهاتف الذى تركناه مفتوحا هذه الليلة بطولها حتى نأنس ببعضنا، وبعد قيامه الليل، قال لى: " فى السحور بركة" فقلت له: " هل نويت الإمساك فى هذا اليوم الحار؟ " وقبيل بزوغ فجر الأول من محرم لم أكن أعلم أن شمس هذا اليوم ستشرق ببشارات كان يناجى بها ربه، فقد قضى ليله قائما فى تهجد مع الله يدعوه بما لا أطيق سماعه، ويتذلل فى خشوع مكررا ومُلحا فى رجائه، تقطرت عند سجوده على أرض سيناء – التى كانت كلها له سجادة صلاة - بل سالت دموع الإخلاص فى الرجاء، واختنقت العبرات بإنفاسه، فلا صوت عاد يُسمع، ولا حركة منه، إلا السكون الخاشع، فغابت حتى تنهداته، وسكت أنينه، كنت مذهولة، بل متصلبة العقل والحركة، وكأننى ظل له أو انعكاس صورته لحاله، تماما كنت مثله، لكن شيئا بداخلى يسير بل يعدو عكس اتجاهه، صوتا ما فى أعماقى يردد على مسامعى: " لا.

يا رب، أدعوك بكل صفات جلالك وجمالك أن تجعله حيا للأبد، فأنا لا أطيق الدنيا إن لم يكن هو فيها" ووجدتنى أكرر وألح أنا أيضا فى سحر الليل البهيم حتى تنفس الصبح، وتسللت أشعة الشمس معلنة تبدد ظلام هذه الليلة الطويلة، كما الأعوام الكبيسة، الثقيلة، كتلك الرواسى من جبالك يا سيناء، وعندما انتهى من صلاته، وانتهيت أنا، أو كدت!

لملمت ما تبقى منى بعد مُضى هذه الليلة، واستجمعت بعضا من أنفاس متصعدة، متناثرة، لأبرق لحبيبى بصوت يجتهد فى إخفاء نحيبه: " خلاص يا حبيبى انهيت صلاتك؟ ".

فبادرنى برد مباغت كالطلقات التى أكرهها، ومازالت تفزعنى عندما تهجم على سمعى، وقال: " خلااااص الحمد لله خلااااص".

وحينها تذكرت أنا أيضا ما كنت أناجى به ربى".

يا رب، أدعوك بكل صفات جلالك وجمالك أن تجعله حيا للأبد" فانقبض قلبى بشىء حاولت جاهدة اخفاءه، وصارعنى هذا الشىء ليشخص أمام ناظرى، وكلما أشيح عنه، أجده ـ قبالى ـ كأنه يترصدنى، حتى قاطعه حبيبى، وأنقذنى من خيالاتى، وقال: " أصبحت صائما فى أول محرم الحار جدا، لعلى أشرب عند ربى".

فأغشى علىّ.

تحكى الزوجة الشابة البطلة عن شريكها الشهيد: ".

محمد محمود عبد المتجلى من مواليد الخامس من مارس 1977 منذ طفولته وهو يحلم بأن يكون ضابطا بالقوات المسلحة ومثله كمثل كل الأطفال يلعب بالمسدس والبندقية حتى أن أشكال الميكانو كانت للطائرات والدبابات، وكانت كذلك كل رسوماته البريئة تتلون بعلم مصر، وظل حلم الإنضمام لرجال القوات المسلحة يكبر معه حتى شارف على تحقيقه، عندما أنهى الثانوية العامة بنجاح وتفوق، ونظرا للياقتة البدنية العالية، وتكوينه النفسى المتزن، بعد أن تسلم ملف التقديم بالكليات العسكرية، تحقق حلمه الذى لازمه الطفولة والشباب وعندما علم بقبوله ضمن طلبة الكلية الحربية كانت سعادته لا توصف، وكان قد تقدم لكلية الدفاع الجوى ولم يوفق فى العام الأول وعند قبوله بالكلية الحربية كأن جزءا كبيرا من حلمه أصبح حقيقة، وتفوق الطالب محمد عبد المتجلى ضمن طلبة الدفعة 93 وتخرج فى الكلية الحربية 1999 بسلاح المشاة برتبة الملازم وكانت خدمته الأولى بالسلوم طيلة خمس سنوات، وعند ترقيته لرتبة النقيب انضم لمركز تدريب المشاة بدهشور، وبعد انتقاله للقاهرة بأشهر معدودة تزوجنا فى الثانى من نوفمبر 2006 ولم يمضى من زواجنا سوى ثلاثة أشهر إلا والتحق ببعثة حفظ السلام بالسودان ضمن قوات الأمم المتحدة نظرا لتفوقه فى العلوم العسكرية وإجادته للغة الإنجليزية ولياقته البدنية العالية وترشيح قادته له.

ورغم أننى قلت له قبيل سفره" أننى أحمل له خبرا سارا، وأن الله قد من علينا ببشائر عن طفلنا الأول" إلا أنه قال لى: " الآن وقد اطمأننت عليكى لأن جزءا منى معكى" وكان لوقع هذه الكلمة أثرا بليغا فى نفسى، ورغم أن الأحداث لم تكن ملتهبة كما الفترات التالية بسنوات قليلة إلا إننى كنت مرتعبة من مجرد ابتعاده عنا، وبالفعل أكرمنا الله بطفلتنا الأولى هاجر ووالدها فى مهمة عسكرية خارج البلاد، ورغم أنه لم يفرحنى بالاتصال الدائم، إلا أن مجرد سماعى لصوته كان يجعلنى أشعر بالآمان طلية هذه الدقائق والتى هى عمر المكالمة، وبعد أن ينتهى الاتصال معه أعود لحالة من الغربة لم أعتد عليها، وانقضت السنة بأكملها، كأنها دهر.

وعاد حبيبى إلى مصر وإليّ، ولا أنسى اليوم الأول لعودته فقد ظل يقبل هاجر ويلاعبها وكأنه يعوض بعاده عنها، وكان عمرها عند عودته ستة أشهر، وظل بوحدته الثانية بدهشور لمدة خمسة أعوام، تغير بعدها حال البلاد والعباد، واضطرته الظروف العصيبة للخروج مع زملائه إلى ميادين مصر وكانت خدمته فى التأمين بمدينة السادس من أكتوبر، وهنا كانت المواجهة الأولى له لإعداء الوطن والإنسانية عندما عمل الإرهابيون الفارين من السجون على تهديد روع الآمنين من أهالى المدينة، وتحصن الإرهابيون بمدرسة توشكى وأمطروا الأهالى بوابل من الرصاص، وتعامل معهم البطل محمد عبد المتجلى ومعه رجاله من قوة التأمين واستشهد على إثر ذلك الشهيد المجند أحمد محمد مسعد من رجال البطل.

وأذكر أن تلك الواقعة لم تمر بسلام لا على زوجى ولا علّى، فهو للمرة الأولى يفقد أحد رجاله، وللمرة الأولى أرى الموت يقترب من حبيبى، أنا مؤمنة بالقضاء والقدر، لكننا جميعا لم نعتاد صوت الرصاص فى الشوارع ولم نعتاد فقدان الأحبة، ومنذ ذلك اليوم وفارقنى النوم، الذى كان يؤرقه الجزع والخوف من القادم، وبدأت نشرات الأخبار هى الهم الأول لىّ، وظلت عيناى تتجنبان ما يبث فى شريط الأخبار عن أحداث الاستشهاد، لكنه الخوف الذى سيطر على حياتى، ورعم أن حبيبى فى مصر وليس فى الخارج كما كان فى السودان إلا أن الأحداث الجارية زادت من قلقى عليه، وهو الذى ظل يردد لى: " اطمنى (قل لن يصيبنا إلا ما قد كتبه الله لنا) كان قوى الإيمان بربه، وشديد الحب لوطنه، كثيرا ما يتحدث عن أحوال البلاد، وما آلت إليه، ويتحسر على من إرتقوا لبارئهم من الرجال ممن يعرفهم من دفعته، أو من زملاءه الأكبر أو الأصغر منه، ويقول: " اتعجب من أن تأتى الرصاصة من داخلنا ونحن اللذين توقعناها من هناك، من فعل هذا بمصر؟ ! ".

ويأتى يوم عصيب جدا إذ حكى لى عنه زوجى الشهيد: " اشتعلت النيران بـ" هايبر وان" بالشيخ زايد فى محاولة من الإرهابيين بنشر الذعر والترويج لضياع الأمن والآمان من مؤسسات الدولة الشرطية والعسكرية ولفقدان الثقة فى استعادة الأوضاع لما كانت عليه ليتحقق لهم ما كانوا يخططون من مكائد وسوء للوطن، وبهدف تغطية أعمال الخارجين على القانون بسرقة المحلات والمواطنين، واستطاع هو ومن معه من زملائه والرجال من عناصر قوة التأمين فى معاونة أجهزة وقوات الاطفاء فى إخماد الحرائق وفرض أوضاع التأمين على الموقع بكامله وإفشال مخطط الإرهابين باستخدام الخارجين على القانون فى إسقاط الدولة" كانت تلك هى آراءه وتحليلاته لما يدور فى هذه المرحلة العصيبة، وأتذكر وطنيته الشديدة عندما كان يقول لى: " أنا وكل رجال الجيش على قلب رجل واحد ومستعدين أن نموت كلنا ولا يتأذى مواطن واحد".

وانتقل بعد تلك الأحداث إلى بورسعيد وحصل على دورة أركان الحرب بتفوق لحبه فى تولى الوظائف القيادية وشارك فى تلك الفترة بتأمين الإنتخابات الرئاسية بمحافظة بورسعيد، وعقب إعلان فوز الرئيس عبد الفتاح السيسى فى الإنتخابات، وبعد نجاح البطل مع زملائه فى مهام التأمين، إنتقل إلى الإسماعيلية برتبة المقدم أركان الحرب، وكرمته القوات المسلحة ببعثة الحج فى 2017 وكان يتمنى أن أكون معه فى هذه الرحلة وعندما سألته عن دعواته أمام بيت الله قال لى: " دعوت لك ولهاجر وأنهار ومحمود ووالدينا ولمصر بالسلام" وقاطعته وبماذا دعوت لى قال: " هذه الدعوة ستعلمينها قريبا لكنى دعوت لك أكثر من أى إنسان آخر حتى تتحملين ما هو قادم" تعجبت جدا وقلت له: " هو فى أصعب من كدة، ربنا يحفظك يا حبيبى ويحفظ بلدنا، طيب إنت كمان دعيت لنقسك بإيه؟ " فقال لى" ديه دعوة واحدة بينى وبين ربى، إدعى لى إنه سبحانه وتعالى يستجيب لى وتتحقق" وحينها سكت الكلام أو غاب طويلا، وعندما استجمعت شتات فكرى الذى أطاحت به الأوهام كأنها أمواج بحر هادرة تأخذ بقلبى وتصدمه على صخور هذا الشاطئ القريب – جدا – فكنت أردد مع نفسى ما قاله حبيبى محاولة إيجاد تفسيرا يتناقض مع شخصيته المحبة للناس والمتعاطفة مع ظروف الآخرين وهو الذى يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وهو الذى يحكى لى عنه زملاءه من الضباط ورجاله من الجنود أنه دائما مقبلا على مواجهة التكفيريين بسيناء، وهو الذى كان يقضى كل إجازاته فى زيارة زملاءه بالمستشفى أو عند أسر الشهداء يجرى على قضاء مصالحهم، وعندما أسأله عن بقاءه معى ومع أولاده يقول: " انت أفضل منى إنت بمئة رجل" وهو الذى يبيت مع ربه قائما يصلى يجتهد بدعاء واحد أسمعه، ويبكينى سماعه، وكل تلك المعطيات القاتلات كن يقتلن الأمل لدى، وكن يبعثن برسالة واحدة هى لا تفسر دعوته لنفسه بل تفسر دعوته لىّ!

وشارك فى العملية الشاملة منذ2018 وظل بسيناء يتنقل فى مهامه بين قرى رفح حتى ترقى لرتبة العقيد أركان الحرب.

كان بار بوالديه لدرجة أنه كان يزور أصدقاء والدته – ماما أنهار - بعد وفاتها، وكان محب لأخيه أحمد لدرجة أنه كان يعتبره إبنه رغم أن فارق السن بينهما أربعة أعوام، وكان محب لوالدى وعندما توفى كان مصر على تواجد والدتى معنا فى المنزل وكان يناديها بماما.

عندما استشهد العقيد أحمد عبد المحسن قبله بستة أشهر قال لى: " يا سالى أنا حاسس إن على الدور، يا ريت أنولها وأنا صائم".

وقبيل انقضاء ليلة لن أنساها اتصل بى حبيبى وطالت مكالمته على غير عادته، وسألنى مرارا عن أحوالى وهل أنا محتاجة لشىء، وهل أنا ينقصنى شىء، وأنا أكرر نفس الرد لا ينقصنى ولا أحتاج إلا لوجودك بجوارى يا حبيبى، وهو يقول جملة تمزق قلبى وتخلعه من فؤاده: " أنا عارف إنى كنت بعيد عنكم لفترات طويلة بس هانت خلاص قريب أوى ح أكون جنبك إنت والبنات ومحمود،

قريب جدا" وأقاطع هذا الكلام الذى أكرهه من شدة محاصرته لى فى وحدتى وفى ليلى أهرب منه بالإنشغال بتربية الأولاد وبالعمل وبالعبادة علّى استقوى بكل هؤلاء على هذه الكلمات المقيتة،

هى تعرفنى، وأنا أعرفها، من شدة اقترابها منى أو ربما من تردد صداها فى أعماقى، كان هناك صوتا دائما ما يخيفنى من القادم، وأعود أنتبه لكلام حبيبى على التليفون، وأقل له: " إنت ما سألتش على هاجر وأنهار ليه؟ وكل كلامك عنى" فقال بتلقائية تخلو من الغزل أو المجاملة: " إنت الأهم، إنت الأهم عندى، وعندهم، ولما تكونى بخير هما ح يكونوا بخير، ربنا يعينك يا حبيبتى على المشوار ده" وتنتهى المكالمة بإعلانه نوايا الصوم عن اليوم الأول من محرم وأقل له: " بكرة حر يا حبيبى صوم يوم تانى" فيلقى إلى بحمل ثقيل: " يا حبيبتى كويس إن بكرة حر علشان أشرب كتير من عند ربنا" وأتحامل على نفسى معلنة رفض استمرار هذا الإتصال الذى يقربنى مما أكرهه وأرفضه، فأنا لا أطيق أن أعيش لحظة واحدة دون أن يكون فى هواء الدنيا عبير حبيبى،

فرغم بعاده سواء كان داخل مصر أو خارجها إلا إننى لم أستشعر لحظة بأننى لا اتنفسه، وهو الذى كان عندما أحادثه يتعجب من أمرى ويقول لى: " إنت سامعانى بقول إيه وإلا سرحانة".

فتعيدنى ربتة يده الناعمة على كتفى إلى دنيا الناس، وأنا التى كنت فى دنياه وحده، أروح وأجىء كطفلة تلعب بأزهار الربيع وفراشاته.

وفى 2021 أصبح التاسع من أغسطس الحار كلهيب جهنم يوم الإثنين – المبارك بقبول الأعمال الصالحات- الأول من محرم، وبعد اشتباك بالنيران مع أعداء الله وأعداء الإنسانية إرتقت روحى مع روح حبيبى لبارئها وبقيت – أنا – جسدا فقط، ولم تمر إلا ليالى خمس وعلمت أن الله قد أنبت من محمد حبيبى، محمد ثانى فى أحشائى، ليكون مع إخوته امتدادا له وعوضا من الله يحمل اسم حبيبى الشهيد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك