لم يشكل احتراق بيته ومكتبته خسارة شخصية فقط، بل مرآة لخراب أوسع طاولَ الإنسان في سورية وعمل على تقويض ذاكرته ووجوده.
لذا لا يكتفي الروائي والكاتب السوري ممدوح عزام بالتأمل في معنى البيت والوطن والحرية، بل يعيد تشكيل الحكاية التي تتجاوز كونها نموذجاً محلياً فقط، إذ تجسد الصراع الأزلي بين من يحاولون بناء العالم بالكلمات ومن يحاولون إحراق الكتب بالنار كما يصوره كتابه" من الشمال حتى الجنوب، حكايات عن الناس والبيت والجنود" (دار ممدوح عدوان، الشارقة/ دار سرد، دمشق، 2026).
" أحلم كل ليلة أنهم قتلوني، رأيت مقتلي وحريق بيتي ومكتبتي أكثر من مرة"، بهذه الجملة يفتتح ممدوح عزام كتابه الذي يمزج الشهادة التاريخية بالتأمل السردي ليتجاوز حدود السيرة الذاتية عبر قراءة تعيد تشكيل حالة الخوف والرعب التي عاشها السوريون منذ انطلاق الثورة قبل أعوام، متجهاً إلى عمق المأساة الممتدة في وطنه منذ عقود، والمتمثلة في قمع السلطة وفسادها، وتكريسها الجهل إلى حد تدمير الإنسان وسلبه مخيلته وذاكرته ومحيطه الثقافي.
يتخذ الكتاب من الأحداث التي عصفت في محافظة السويداء جنوب سورية، وبلدة" تعارة" تحديداً في منتصف يوليو/ تموز 2025 بؤرة ارتكاز؛ فخلال تلك الفترة تعرضت البلدة لعملية تدمير وتهجير تضمنت إحراق مجموعة من بيوتها.
وكان من بينها بيت الكاتب ومكتبته الشخصية النادرة التي ضمت آلاف الكتب، ليتوقف عزام عند هذا الحدث ويجعل منه محوراً للسرد، مسترجعاً بعض التفاصيل التي تجسد قرناً كاملاً من النضال السوري لأجل البقاء، وهو ما يفسر جانباً من عنوان الكتاب، الذي يشير جغرافياً إلى الجنوب السوري (حوران واللجاة وجبل العرب) وارتباطه بالأسئلة الكبرى حول السعي نحو الحرية.
يمزج شهادة تاريخية بتأمل سردي ليتجاوز حدود السيرة الذاتيةيسترجع عزام ثورة الدروز ضد حملة إبراهيم باشا (1837-1838) للتجنيد الإجباري وفرض الضرائب، ولجوء الثوار إلى منطقة اللجاة بطبيعتها الصعبة وصخورها البازلتية التي أسهمت في حمايتهم وصمودهم، كما يتحدث عن جدّه وآخرين من أهل القرية والمنطقة، ممن عاصروا حقبة العثمانيين، وصولاً إلى الثورة ضد الفرنسيين، مازجاً حكاياتهم مع مشاهد الأشجار التي احترقت في قريته.
ومثلما جسّد هؤلاء حبهم للحرية عبر مواجهة الاحتلال، فإنهم ينتمون أيضاً إلى بيئةٍ احتفت بالحياة والجمال من خلال أشجارهم، التي تُمثل سيرة عائليةً، وصارت جزءاً من وجودهم ومعانيه المتنوعة، فيستحضرها المؤلف لحظة وصفه دخول الجنود إلى البيت وتحطيم محتوياته، وحرق الأشجار حوله ومن ثم حرقه، ليصبح فعل التدمير في هذه الحالة اعتداءً على الجذور، فالبيت وطن مصغر، والمكتبة بوصفها تاريخاً أدبياً وإنسانياً، يتعرضان للإبادة التي أصبحت فعلاً همجياً يستهدف تقويض تاريخ بلد بأكمله.
ضد النار أداةً للتدمير، يروي عزام جوانب ثرية لمجموعة كبيرة من الكتب العربية والعالمية واللوحات التي تجسد رغبته في عدم الانصياع للكارثة التي حلت بمكتبته وبيته؛ فالقصة لم تنته بعد، لا احتراق الورق والمخطوطات يقضي على الذاكرة، ولا الحكايات تموت طالما لها من يروونها.
بهذه الروح، يواجه الكاتب الجنود الذين اقتحموا بيته ويرى أنهم بلا مشاعر ولا وجوه، فيشبههم بكتيبة الإعدام في لوحة" الثالث من مايو 1808" لفرانسيسكو غويا، التي رسم فيها الفنان إعدام المقاومين الإسبان على يد جيش نابليون ولم يُظهر وجوه أفراد كتيبة الإعدام، بل ركز على المقاومين وحركات أيديهم التي توحي بالشجاعة والقوة ورفض النهاية التي لا يفترض أن يكتبها الجنود، مما يبرر إخفاء وجوه القتلة ضمن اللوحة في محاولة لإخراجهم من المشهد الذي كان وجودهم فيه سيصبح تخليداً لا يستحقونه.
يقود هذا كله مجدداً إلى اللحظة المؤلمة؛ أين اختفت كتب تولستوي مثلاً؟ وهل استرعى المجلد الضخم لكتاب" الزمن ونسيج النغم" للكاتب المصري ثروت عكاشة انتباه أحد الجنود قبل تدميره؟ يجيب عزام عن هذا السؤال عبر تساؤلات تفكك صورة الجنود الذين تخيل أنه يحاول منعهم من تدمير مكتبته، ويرى أنهم لن ينتبهوا للكتب وقيمتها الثقافية والإنسانية التي تصقل عقول البشر، خصوصاً أنهم يعدون جزءاً من ممارسات طويلة الأمد، تعتمد التخريب والنهب وعدم الاكتراث للفكر والمعرفة.
إنهم نقّاد من نوع آخر، هذا ما يصفهم به ممدوح عزام، إنهم جذريون في رؤيتهم، يمزقون الكتب ويحرقونها في فعل يجسد موقفهم منها، أي يمارسون نقداً من نوع مختلف، يعكس صورة مركّبة من الجهل والإجرام واتخاذ مواقف عنيفة لإثبات الذات عَوّدَهُم عليها نظام البعث بسياساته طوال عقود، وهي صورة تتكرر الآن رغم اختلاف من يشكلونها، لأن التخلص من العنف ليس إحدى صفات سلطة تسعى لفرض نفسها بالقوة وترى أن استمراريتها كامنة في محو ما يمتلكه الآخرون من آراء أو ثقافة أو أفكار.
تسقط فكرة الوقوف على الأطلال بعد هذا المشهد الذي يوضح قيمة البيت والناس والمكتبة في مواجهة الجنود، فالكاتب لا يحزن، بل يفاجئ القارئ بأنه يحاكم المعتدين وما يمثلونه من خلال المكتبة التي احترقت وامتداداتها في داخله، بوصفها ثقافة لا يمكن انتزاعها منه، فيشير مثلاً إلى كتاب" قرن الأنوار" للكاتب الكوبي آلخو كاربنتييه، ليصور خيبة الأمل التي أعقبت الحرب والثورة، بسبب المصير الذي قد تنتهي إليه الثورات حين تتحول أدوات التحرر إلى أدوات قمع، مثلما حلّ بقريته ومكتبته، اللتين كانتا نموذجاً للوحدة والتنوع، وانتهى بهما الحال إلى النار.
ربما يبدو أن مأساة حرق المكتبة هي وحدها التي دفعت بالكاتب إلى تأليف هذا الكتاب، لكن أسلوبه السردي الذي وزع التفاصيل على الإنسان والمكان والزمان يشير إلى تخطي الحدث نحو صورة أشمل، أسهم بها الكم الكبير الذي يذكره من الكتب والأعمال الفنية ومن مؤلفاته ومقالاته الشخصية أيضاً التي حملت دلالات فكرية تحيل القارئ إلى رؤية فلسفية ووجودية عميقة تتخطى التسلسل الزمني المنتظم، وتتجاوز حدود الشكوى الفردية لتبحث في جوهر التراجيديا السورية المعاصرة وصراع البقاء الإنساني.
وتتبدى هذه الرؤية عبر تفكيك المفهوم الوجداني للمكان والأشياء، ودراسة سيكولوجية العنف الذي مارسه الجنود.
يحاكم المعتدين عبر المكتبة التي احترقت وامتداداتها في داخلهإن تفحم تفاصيل المنزل الصغير بدءاً من فناجين القهوة الصباحية ذات الألوان الخاصة، مروراً بغلاية القهوة الصديقة له ولزوجته لأكثر من أربعين عاماً، وصور العائلة، وصولاً إلى أدوات الزراعة وكذلك علب البراغي والمفكات الدقيقة المخصصة لإصلاح نظارته الطبية، يمثل تدميراً للألفة والاستقرار الروحي.
ورغم أن هذه الأدوات لا تملك حضوراً واعياً بوصفها آلات، غير أنها تخزن ذكريات عمر كامل وآلاف الأحداث اليومية.
إن حرق الجنود هذه التفاصيل هو محاولة واعية لإعدام الأنسنة داخل البيت وتحويله إلى كتلة باردة من الحجر الميت والرماد، وهو ما ينطلي على بيوت سورية وما عاشه أهلها من أحداث دموية بغض النظر عن المكان والزمان، وهذا ما يدفع بالكاتب أيضاً إلى إظهار لامبالاة القتلة، الذين وصل بهم الحد إلى التنصل من أي مسؤولية أخلاقية، بل واستخدام هواتفهم لتوثيق فظائعهم ونهبهم، متباهين بابتساماتهم أمام عجز ضحاياهم.
وبالتالي، فإن القارئ يقف أمام كتاب مليء بالتفاصيل والأحداث التي تتشعب فيها الذاكرة، وتتغير فيها عناوين الكتب ومضامينها، من أجل تشكيل صورتين متجاورتين، إحداهما للمكتبة التي تضم مواطن المعرفة والجمال، والأخرى للوحش الذي أحرقها، في رسالة للسوريين ربما، أن يعيدوا رسم الأولى، وأن يمزقوا الثانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك