يستقيل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ليس نتيجة أزمة سياسية مفاجئة، بل حصيلة تراكم سلسلة من الأزمات الاقتصادية والمالية التي واجهت حكومته منذ وصول حزب العمال إلى السلطة في انتخابات عام 2024.
ورغم أن قرار الاستقالة جاء تحت ضغط سياسي وحزبي متزايد، يبقى الملف الاقتصادي العامل الأكثر حضوراً في تراجع شعبية الحكومة وفقدانها ثقة جزء من الناخبين وأعضاء الحزب، بحسب ما ذكرت صحيفة" الغارديان" البريطانية، كما تشكلت مع حقبة ستامر مؤشرات متزايدة على تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وتزايد الضغوط على المالية العامة، فضلاً عن الجدل المتواصل بشأن الإنفاق الدفاعي وسياسات الهجرة والطاقة غير الفعالة.
10 سنوات على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ماذا تقول الأرقام؟ - موقع 24مع مرور عقد كامل على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا تزال تداعيات" بريكست" تثير جدلاً سياسياً واقتصادياً واسعاً، وسط تباين في التقييمات بين من يعتبره خطوة عززت السيادة البريطانية والاستقلال التشريعي، ومن يرى أن الانفصال البريطاني ألقى بظلاله على النمو الاقتصادي والتبادل.
النمو الاقتصادي.
الوعد الذي لم يتحققوتذكر صحيفة" إيكونوميك تايمز" أنه رغم تعهد حكومة كير ستارمر بإعادة تنشيط الاقتصاد البريطاني وتحسين مستويات المعيشة، ظل النمو الاقتصادي دون التوقعات.
بالعودة لبيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني (O.
N.
S) يسجل الاقتصاد البريطاني نمواً متواضعاً خلال عام 2025 والربع الأول من 2026، كما خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في المملكة المتحدة إلى نحو 1%، وهو معدل يقل عن متوسط النمو التاريخي للاقتصاد البريطاني.
في الوقت نفسه، واصلت الإنتاجية تسجيل أداء ضعيف، بينما بقيت الأجور الحقيقية تحت الضغط نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، ما حدّ من قدرة الأسر على الاستفادة من أي تحسن اقتصادي محدود.
المالية العامة.
معادلة شبه مستحيلةواجهت حكومة ستارمر ضغوطاً متزايدة بسبب تدهور أوضاع المالية العامة.
وتشير تقديرات مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني (OBR) إلى أن الدين العام تجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من أعلى المستويات المسجلة منذ ستينيات القرن الماضي.
كما ارتفعت تكلفة خدمة الدين الحكومي إلى أكثر من 100 مليار جنيه إسترليني سنوياً، في وقت بلغ فيه عجز الموازنة نحو 4.
8% من الناتج المحلي الإجمالي، ما ضيّق هامش المناورة أمام الحكومة بين زيادة الإنفاق وتحقيق الانضباط المالي.
وزادت الضغوط مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية البريطانية، ما رفع تكاليف الاقتراض وأثار مخاوف المستثمرين بشأن استدامة المالية العامة على المدى الطويل.
استمر ملف الهجرة في تصدر المشهد السياسي البريطاني، حيث أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن صافي الهجرة ظل عند مستويات مرتفعة رغم تراجعه عن الذروة المسجلة في السنوات السابقة، وهو ما أبقى القضية في صدارة اهتمامات الناخبين.
وفي قطاع الطاقة، ورغم تراجع أسعار الكهرباء والغاز مقارنة بفترة أزمة الطاقة الأوروبية، تستقر فواتير الطاقة عند أعلى المستويات، ما يسهم في استمرار الضغوط على الأسر والشركات البريطانية.
وتظهر استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات بحثية بريطانية أن ملفي الهجرة وتكلفة المعيشة ظلا من بين أكثر القضايا تأثيراً في توجهات الناخبين وتقييمهم لأداء الحكومة.
تمويل الدفاع.
وهشاشة الوضع الماليوتجد حكومة ستارمر نفسها أمام أيضاً أمام ضغوط متزايدة لرفع الإنفاق الدفاعي في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية والتزامات بريطانيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وكانت الحكومة تعهدت برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.
5% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن توفير التمويل اللازم لذلك أثار خلافات حادة داخل الحكومة، نظراً لتزامنه مع ضغوط الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة.
وتظهر تقديرات برلمانية بريطانية أن تحقيق هذا الهدف يتطلب مليارات الجنيهات الإضافية سنوياً، ما فتح جدلاً واسعاً حول مصادر التمويل وأولويات الإنفاق الحكومي.
من الأزمة الاقتصادية إلى السياسيةويمكن القول إن كير ستارمر وصل إلى رئاسة الحكومة البريطانية في وقت كان فيه الاقتصاد يواجه إرثاً ثقيلاً من الأزمات المتراكمة التي تعاقبت عبر حكومات متعددة منذ فرض رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر ضريبة" الرؤوس" (Poll Tax) التي تعد واحدة من أكثر الضرائب إثارةً للجدل في التاريخ الاقتصادي والسياسي البريطاني الحديث.
وتبع ذلك سياسات التقشف التي انتهجتها حكومة ديفيد كاميرون ضغوطاً مستمرة على الخدمات العامة، بينما أدت تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال عهد تيريزا ماي إلى حالة من عدم اليقين أثرت في الاستثمارات والنمو الاقتصادي.
كما ساهمت جائحة كورونا خلال فترة بوريس جونسون في رفع مستويات الدين العام وتعميق الاختلالات في سوق العمل، بالتزامن مع بداية موجة التضخم العالمية.
وزادت التحديات الاقتصادية تعقيداً بعد الاضطرابات التي شهدتها الأسواق المالية في عهد ليز تراس، التي أدت إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع ثقة المستثمرين، قبل أن يتولى ريشي سوناك إدارة اقتصاد يعاني تباطؤ النمو واستمرار أزمة تكلفة المعيشة وارتفاع أسعار الفائدة.
لم تكن الضغوط الاقتصادية مجرد تحديات مالية، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة سياسية شاملة.
مع استمرار ضعف النمو وارتفاع الدين العام وتراجع الثقة في قدرة الحكومة على تحسين مستويات المعيشة، بدأت شعبية حكومة ستارمر بالتراجع بصورة ملحوظة.
وتترافق هذه التطورات مع تصاعد الخلافات داخل حزب العمال، واستقالات وزارية بارزة، وخسائر انتخابية مؤثرة في الانتخابات المحلية، ما أدى إلى اهتزاز موقع ستارمر داخل الحزب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك