نشأت أخماتوفا (واسمها الحقيقي آنا غورينكو) في بيئة أرستقراطية؛ إذ كان والدها مستشارا حكوميا ومهندسا بحريا.
وبدأت كتابة الشعر في سن مبكرة، لكنها لم تنشر باسم عائلتها بعد أن طالبها والدها بألا تشوه اسمه بالشعر.
دفعها ذلك في سن السابعة عشرة إلى اختيار لقب" أخماتوفا" كاسم مستعار، مستلهمة أصول جدتها التتارية التي تعود لنسل" جنكيز خان"، معلقة على ذلك بتهكم لاحقا: " فقط فتاة طائشة في السابعة عشرة يمكنها اختيار لقب تتاري لشاعرة روسية".
تزوجت الشاعر نيقولاي غوميليوف عام 1910، وأنجبت منه ابنها الوحيد ليف عام 1912.
لكن العلاقة بينهما اتسمت بالتباعد الفكري واليومي، لينتهي الزواج بالطلاق عام 1918 بمبادرة منها.
ورغم الانفصال، كان غوميليوف المحرك الأساسي لانطلاقتها؛ فبعد عودته من رحلته الأفريقية عام 1911، قرأ قصائدها وقال لها: " أنتِ شاعرة، وعليكِ إصدار كتاب".
وبالفعل، صدر ديوانها الأول" المساء" عام 1912 ليكون بداية شهرتها الواسعة في بطرسبورغ.
بعد 90 عاما على رحيل مكسيم غوركي.
كيف حاول ستالين كسبه واستغلال نفوذه؟تُعدّ أخماتوفا وجها بارزا لـ" العصر الفضي" الروسي، وانتمت لتيار" الأكميين" الذي نادى بالوضوح واللغة الملموسة دقيقة المعالم في مواجهة الرمزية الغامضة.
وكانت الأمسيات الأدبية في مقهى" الكلب الضال" ببطرسبورغ ملتقى حيويا شهد أولى قراءاتها الشعرية وسط النخبة الثقافية.
عقب ثورة 1917، رفضت أخماتوفا الهجرة واختارت البقاء مع شعبها.
وعاشت عزلة وتضييقا شديدين، تعمقا بصدمة إعدام زوجها السابق غوميليوف عام 1921 لأسباب سياسية.
وتفاقم التضييق بين عامي 1925 و1939 لتدخل ما وصفته بـ" الموت المدني"؛ حيث حُظر نشر أعمالها بالكامل واضطرت للعمل في الترجمات، بينما ظل شعرها يُتداول سرا.
تجسدت تراجيديا حياتها في ابنها ليف غوميليوف، الذي اعتقلته السلطات الستالينية ثلاث مرات (في أعوام 1935، 1938، 1949)، وأُرسل إلى سجن" كريستي" الشهير في بطرسبورغ ومعسكر العمل الشاق في نوريلسك.
ورغم مناشداتها ورسائلها المباشرة لستالين، إلا أنها لم تثمر عن حماية ابنها من سنوات النفي الطويلة.
تحولت هذه التجربة القاسية إلى واحد من أهم الأعمال الشعرية في تاريخ الأدب الروسي، وهي قصيدة" القداس الجنائزي"، التي وثّقت فيها أخماتوفا معاناة الأمهات والزوجات الواقفات في طوابير طويلة أمام سجون لينينغراد خلال سنوات الرعب والقمع السوفيتي.
ورغم كتابتها خلال الثلاثينيات والأربعينيات، إلا أنها لم تُنشر رسميا في الاتحاد السوفيتي آنذاك، بل ظلت تُحفظ وتُتداول سرا بين الأصدقاء والمثقفين خوفا من البطش والملاحقة الأمنية.
" ارفعي قبعتكِ.
فأنا قادم" _ حياة ماياكوفسكي في شعرهوفي عام 1946، واجهت أخماتوفا حملة تشهير وقمع رسمي عنيفة عقب صدور قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذي انتقد بشدة مجلتي" زفيزدا" و" لينينغراد" لنشرهما أعمالها.
وهاجمها السكرتير الحزبي أندريه جدانوف علنا وبقسوة، واصفا إبداعها بأنه" شعر السيدة المعتوهة التي تتأرجح بين المخدع والمصلى"، ما أسفر عن طردها الفوري من اتحاد الكتاب ومنع طباعة ونشر قصائدها بالكامل.
ورغم هذا الإقصاء، بدأت مكانتها الدولية تتبلور خارج الحدود.
ومن أبرز محطات تلك الحقبة خمسة لقاءات سرية جمعتها بالفيلسوف البريطاني إيزايا برلين في لينينغراد بعد الحرب العالمية الثانية؛ وهي اللقاءات الفكرية التي اعتبرتها أخماتوفا لاحقا السبب المباشر وراء حنق السلطة عليها وقرار قمعها عام 1946.
وخلالها تحدثا طويلا عن طفولتها، وعن غوميليوف، وعن باريس قبل الثورة وعن عزلتها، وقرأت له من شعرها وبكت، بينما وصف برلين تلك اللقاءات بأنها التجربة الأجمل والأهم في حياته الإنسانية.
وفي سنواتها الأخيرة، استقرت أخماتوفا في بلدة كوماروفو قرب لينينغراد، داخل منزل ريفي صغير منحه لها صندوق الأدب وكانت تطلق عليه بتحبب اسم" الكشك".
وتحول هذا المكان إلى منتدى موازٍ غير رسمي التف حوله جيل من الشعراء والأدباء الشباب الذين تبنتهم ورعتهم، وفي مقدمتهم يوسف برودسكي، ويفغيني راين، وأناتولي نايمان، وديمتري بوبيشيف، لتعيش هناك عزلة هادئة مفعمة بالإبداع والحضور الفكري.
خمسة شعراء روس عانوا من حياة مأساويةوفي عام 1965، نالت أخماتوفا اعترافا دوليا بارزا حين منحتها جامعة أكسفورد البريطانية شهادة الدكتوراه الفخرية في الآداب؛ فرغم تدهور حالتها الصحية وتقدمها في السن (75 عاما)، إلا أنها سافرت بنفسها وحضرت مراسم التكريم الرفيع الذي شكل اعترافا عالميا بعبقريتها الشعرية كصوت من الطراز الأول.
وعلى الجانب الشخصي، تميزت أخماتوفا بشخصية صلبة ومهيبة ترفض الشفقة وتترفع عنها بقوة محولة فواجع حياتها المتلاحقة إلى جزء عضوي من سيرتها التاريخية وإبداعها الفني.
كما ظلت متمسكة طوال حياتها بالعمق المسيحي والتربية الدينية الأرثوذكسية التي انعكست جليا في منطلقاتها الأخلاقية ورؤيتها للعالم وصياغة نصوصها.
توفيت آنا أخماتوفا في مارس عام 1966 عن عمر ناهز 76 عاما، ودُفنت في كوماروفو لتنتهي بوفاتها مسيرة واحدة من أصلب رموز الشعر الروسي، تاركة إرثا إنسانيا وأدبيا خالدا جعلها صوت الصمود في قرن الصمت العنيف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك