BBC/ Prashanti Aswaniيُقال إن الإمبراطورة النمساوية" سيسي" حافظت على صحة شعرها من خلال تمشيطه مئة مرة كل ليلة.
يعتمد سرّ الشعر الصحي والكثيف على عوامل عديدة، بدءاً من طبيعة شعرك وصولاً إلى تصميم المشط الذي تستخدمينه.
ومنذ أن أصبحتُ في سنّ يسمح لي باختيار تسريحة شعري، وأنا أحتفظ بشعرٍ طويل يصل إلى أسفل ظهري.
خلال طفولتي، كنتُ أمشّطه كلما سنحت لي الفرصة: فور استيقاظي من النوم، وكلما دخلتُ الحمّام، وحتى عندما كنتُ أحتاج إلى استراحة من الواجبات المدرسية.
كنتُ أمشّطه مراراً وتكراراً وأنا أفكّر في الإمبراطورة إليزابيث النمساوية، المعروفة باسم" سيسي"، في القرن التاسع عشر.
فقد كان لديها شعر بني مستقيم يشبه شعري، لكنه كان يمتد حتى كاحليها.
وكان يُقال إنها حافظت على صحته من خلال تمشيطه مئة مرة كل ليلة.
(وهي قصة صدّقتها تماماً لسنوات، قبل أن أكتشف أثناء إعداد هذا التقرير – ولخيبة أملي – أنها على الأرجح مجرد أسطورة شعبية تناقلتها الجدّات في أنحاء العالم).
أما اليوم، وبعدما كبرت، فأنا أمشّط شعري جيداً أثناء الاستحمام، وهذا يكاد يكون كل ما أفعله.
ومع ذلك، لا يزال يبدو ويشعرني بأنه كما كان دائماً، على الأقل بقدر ما أستطيع أن ألاحظ.
والسبب في ذلك أن الحكايات الفيكتورية قد تحمل شيئاً من الحقيقة، لكن العلم المتعلق بعدد المرات التي ينبغي فيها تمشيط الشعر أكثر تعقيداً بكثير.
ولهذا يحاول الجميع، من الفيزيائيين إلى مصففي الشعر، فكّ تشابك هذه المسألة.
فالإجابة تعتمد على نوع شعرك، ونوع الفرشاة التي تستخدمينها، وروتين العناية الخاص بك، وعوامل أخرى عديدة.
لذا تابعي القراءة لتعرفي الطريقة الصحيحة لتمشيط شعرك.
لمحة تاريخية عن تمشيط الشعريعود استخدام الأمشاط وفُرش الشعر، وبالتالي ممارسة العناية بالشعر وتمشيطه، إلى عصور ما قبل التاريخ.
تقول رايتشل غيبسون، مؤسسة مشروع" مؤرخة الشعر" (The Hair Historian): " لطالما استخدم البشر ما كان متاحاً لديهم لصنع أدوات للنظافة والزينة على حد سواء، ولذلك كان تمشيط الشعر ممارسة مهمة في مختلف أنحاء العالم عبر التاريخ".
وترجّح غيبسون أن فكرة تمشيط الشعر مئة مرة تعود إلى العصر الفيكتوري، حين كانت النساء يتركن شعورهن طويلة جداً تماشياً مع المعايير الاجتماعية السائدة آنذاك.
فقد كان الشعر يُنظر إليه باعتباره" تاج المرأة" وجزءاً أساسياً من أنوثتها وقيمتها الاجتماعية.
وكان روتين العناية بالشعر يتضمن عادةً استخدام مشط لفكّ التشابك وإزالة الشوائب والأوساخ والقمل والصئبان، ثم تمرير فرشاة ذات شعيرات طبيعية – غالباً ما تُصنع من شعر الخنزير البري – بهدف تنعيم الشعر والعناية به وتوزيع زيوته الطبيعية على امتداده.
وتضيف غيبسون أن النساء الأرستقراطيات في العصر الفيكتوري كنّ يستخدمن أيضاً أغطية فاخرة لحماية ملابسهن من الشعيرات المتساقطة أثناء التمشيط، كما كنّ يجمعن تلك الشعيرات في أوعية مخصصة للاحتفاظ بها.
وفي وقت لاحق، كانت تُستخدم لصنع ما يُعرف بـ" كعكات الشعر الميت"، وهي حشوات من الشعر تُوضع داخل التسريحات لمنحها مزيداً من الحجم والثبات.
ما الذي قد يعنيه إنجاز علمي جديد في علاج تساقط الشعر لنساء مثلي؟ظاهرة غامضة تتسبب في سقوط شعر جماعي لسكان إحدى ولايات الهندوفي عام 1898، اخترعت ليدا نيومان، وهي مصففة شعر أمريكية من أصول إفريقية من ولاية أوهايو، أول فرشاة شعر مزوّدة بشعيرات صناعية.
وقد أحدث هذا الاختراع ثورة في الصناعة، إذ جعل إنتاج فُرش الشعر أقل تكلفة وأسهل تصنيعاً.
وأدى ذلك إلى انتشار تمشيط الشعر على نطاق أوسع، لكن سرعان ما رافق هذا الانتشار ظهور عدد من المفاهيم الخاطئة والمعلومات المضللة.
لنتأمل الفكرة الشائعة التي تقول إن تمشيط الشعر بشكل متكرر يعزّز نموّه.
ففي استطلاع أُجري عام 2025، لا يزال أكثر من 46 في المئة من المشاركين يعتقدون بصحة هذا الادعاء.
لكن، وفقاً لنيكي كورزين، صاحبة صالون لتصفيف الشعر في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، فإن ذلك ليس سوى خرافة.
وتقول كورزين إن زيادة عدد مرات تمشيط الشعر لا تجعله ينمو بشكل أسرع.
بل إن العلماء الذين وضعوا نماذج ومعادلات لقياس تأثير العناية بالشعر على تلفه يشيرون إلى أن الإفراط في تمشيطه قد يؤدي في الواقع إلى إلحاق الضرر به، بل وحتى إلى تساقطه.
وقد طوّر فريق من الباحثين اختباراً يحاكي ما يحدث عندما تلتف خصلتان من الشعر حول بعضهما لتشكّلا عقدة، ثم تُسحبان لفكّ تشابكهما.
وأظهرت النتائج أن زيادة التمشيط تؤدي إلى حدوث تشققات داخل الشعرة نفسها، على الأقل لدى الأشخاص الأكثر عرضة لتقصّف الأطراف.
أما الشعر الأكثر صحة فكان أكثر قدرة على التحمّل، لكنه بدأ هو الآخر يتقصّف مع تكرار الضغط عليه، إذ بدأت التشققات تتكوّن من الطبقة الخارجية للشعرة متجهة نحو الداخل.
يقول ديفيد تايلور، أستاذ الهندسة في كلية ترينيتي دبلن في أيرلندا، وأحد معدّي الدراسة: " نعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي لتقصّف الأطراف، لأنه وفق هذا السيناريو تكون الشعرة منحنية بشدة، ما يجعلها تتعرض لإجهاد أكبر بكثير من المعتاد".
ويضيف: " كلما مشّطنا الشعر أكثر، زادت احتمالات تضرره.
لكن الأمر لا يتعلق في الواقع بعدد ضربات الفرشاة بقدر ما يتعلق بالقوة التي نستخدمها أثناء التمشيط".
وفي تحليلات إحصائية مختلفة لتكسّر الشعر، أظهر تريفور إيفانز، من منظمة أبحاث الشعر" تي آر آي برينستون"، أن العناية المتكررة بالشعر تتسبب بما وصفه بـ" ضرر تراكمي ناتج عن الإجهاد".
لكنه يشير إلى أن نتائج المختبر الدقيقة لا تنعكس بالضرورة على الواقع اليومي.
فبالنسبة إلى معظم الناس، فإن آثار التمشيط، إن وُجدت، " ستكون ضئيلة للغاية" مقارنة بالأضرار الناتجة عن المعالجات الكيميائية والحرارية، بحسب إيفانز.
ويقول إن الضرر الناتج عن استخدام الفرشاة أو المشط" يكاد يكون غير ذي أهمية بالنسبة إلى معظم الناس"، ولا يعدو كونه" قطرات في محيط الضرر".
تقول كورزين: " إن تمشيط الشعر بلطف وبطريقة مدروسة ليس هو العدو".
وتضيف: " المشكلة ليست في التمشيط بحد ذاته، بل في الطريقة التي نمشّط بها الشعر".
كما يساعد تمشيط الشعر بانتظام على منع تراكم العقد الكبيرة والصعبة، وتلبّد الشعر وتشابكه مع مرور الوقت.
وبذلك، يمكن تجنّب التمشيط العنيف والشدّ والتكسّر عندما نقرّر أخيراً تمشيط الشعر بعد فترة طويلة.
يقول جاريد رينولدز، عالم الكيمياء الحيوية الذي أطلق أيضاً علامة تجارية للعناية بالشعر: " يكون الضرر أقل بكثير عندما نُسرّح الشعر بانتظام، مرة أو مرتين في اليوم، مقارنة بالانتظار أسبوعاً كاملاً ثم محاولة تمشيطه بعنف".
لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن اختبار الشعر في المختبر لا يمكن أن يحاكي العمليات الطبيعية للحياة اليومية.
ويساعد تمشيط الشعر بانتظام أيضاً على إزالة الشعر المتساقط، وقشور الجلد الميت، والشوائب العالقة بفروة الرأس والرأس عموماً.
وإذا تراكمت هذه العناصر، فقد تخلق بيئة دقيقة قد تهيّج فروة الرأس.
تعتمد أفضل طريقة لتمشيط الشعر على نوعه.
فبالنسبة إلى معظم أصحاب الشعر الأملس أو المموّج، غير المجعّد بشدة، تنصح نيكولا لينش، صاحبة صالون لتصفيف الشعر في ميامي بالولايات المتحدة، بتمشيطه ثلاث مرات أسبوعياً على الأقل، وربما حتى مرتين يومياً.
ويقترح كل من رينولدز وكورزين أيضاً تمشيط الشعر مرة أو مرتين في اليوم.
وتقول لينش إن أصحاب الشعر الأملس أو المموّج ينبغي أن يتجنبوا تمشيط شعرهم وهو مبلّل.
فقد يبدو الشعر المبلّل أقوى وأكثر كثافة، لكنه في الواقع يكون أضعف.
والسبب أن الشعرة تتكوّن من القشرة، وهي الجزء المركزي منها، ومن الطبقة الخارجية، وهي عبارة عن مجموعة من صفائح الكيراتين — وهي المادة نفسها التي تتكوّن منها الأظافر — متراصّة بعضها فوق بعض، مثل ألواح القرميد على السطح.
وعندما يكون الشعر الأملس أو المموّج مبللاً، ترتفع أطراف هذه الصفائح وتنفتح، ما يجعل الشعرة أكثر قابلية للتمدد، لكنه يجعلها في الوقت نفسه أكثر عرضة للتكسّر والتلف.
أما بالنسبة إلى أصحاب الشعر شديد التجعّد أو الملفوف، فالنصيحة معاكسة تماماً: تجنّبوا تمشيط الشعر وهو جاف، واعملوا على فكّ تشابكه فقط عند غسله.
فالشعر المجعّد والملفوف يملك خصائص فيزيائية مختلفة جداً عن الشعر الأملس أو المموّج، وهي خصائص ظلّت، بحسب ميشيل غينز، أستاذة الكيمياء والكيمياء الحيوية في كلية سبيلمان بولاية جورجيا الأمريكية، مهملة لفترة طويلة في الأدبيات العلمية وصناعة العناية بالشعر.
وتدرس غينز كيمياء الشعر ذي القوام المختلف، وقد ابتكرت طريقة لتصنيف أنواع الشعر المجعّد علمياً.
ووجدت أن وجود روابط كيميائية معيّنة يتغيّر كلما أصبحت ألياف الشعر أكثر تجعّداً أو التفافاً.
ويؤثر ذلك في فيزياء ألياف الشعر، بما في ذلك قوتها ومدى قابليتها للتكسّر.
وتشير تجارب غينز الأولية أيضاً إلى أن طبقات الغلاف الخارجي للشعرة تكون أصغر حجماً، وأكثر تقارباً، وذات حواف أكثر خشونة في الشعر المجعّد والملفوف مقارنة بالشعر المموّج.
وهذا يعني أنها لا تحتفظ بالرطوبة بالقدر نفسه، وقد تكون أكثر عرضة للتلف والتشابك.
لكن تأكيد ذلك يتطلب مزيداً من الأبحاث.
وتقول غينز إن اتجاهات تصفيف الشعر السائدة اجتماعياً غالباً ما تطلبت أيضاً تعاملاً مكثفاً مع الشعر، مثل التمشيط بالفرشاة أو المشط، وفرده، وترخية تجعيداته كيميائياً، أو تضفيره مع إضافة شعر مستعار.
وكل ذلك قد يتسبب في مزيد من التلف.
لذلك، تنصح غينز بحماية الشعر عبر استخدام منتجات مخصصة لفكّ التشابك، تساعد المشط أو الفرشاة على الانزلاق بين خصل الشعر بسهولة أكبر.
وأخيراً، وبغضّ النظر عن نوع الشعر، احرصوا دائماً على استخدام النوع المناسب من الفرشاة.
إذا كان شعرك مجعّداً أو شديد التجعّد أو ملفوفاً، أو إذا كان شعرك أملس أو مموّجاً وتريدين تمشيطه وهو مبلّل، فاستخدمي فرشاة ناعمة ومرنة مخصّصة لفكّ التشابك، وهي ما يسميه الخبراء" فرشاة الشعر المبلّل"، بدلاً من مشط قاسٍ، بحسب لينش.
أما للشعر الجاف، فاستخدمي فرشاة لطيفة على فروة الرأس ذات شعيرات ناعمة، تساعد على نقل الزيوت الطبيعية على امتداد الشعرة.
ولا تزال هذه الفرش تُسمّى غالباً" فُرش شعيرات الخنزير البري"، لأنها كانت تُصنع من شعر الخنزير البري في العصر الفيكتوري، حين كانت الإمبراطورة سيسي تمشّط شعرها مئة مرة في كل مرة.
وللجمع بين الميزتين، يعمل رينولدز حالياً على تطوير نموذج أولي لنوع جديد من الفُرش: فرشاة هجينة تجمع بين دبابيس بلاستيكية ذات رؤوس مستديرة وشعيرات شبيهة بشعيرات الخنزير البري في الوقت نفسه.
فالدبابيس البلاستيكية الطويلة تحرّك الشعر وتفصل خصلاته، بينما تعمل الشعيرات الأقصر الشبيهة بشعيرات الخنزير البري على تنعيمه وتوزيع زيوته الطبيعية وإضافة حجم إليه.
ويقول رينولدز: " هذا هو المزيج المثالي".
ففي النهاية، اتخذت الفُرش والأمشاط أشكالاً وأحجاماً متعددة عبر التاريخ، من أمشاط العاج التي عُثر عليها في المقابر المصرية القديمة ويعود تاريخها إلى ما قبل عام 3200 قبل الميلاد، إلى أمشاط مصنوعة من أغصان مثنية.
ومع تعمّق فهمنا لكيمياء الشعر وفيزيائه في المستقبل، قد نكتشف طرقاً جديدة وجذرية لحماية خصلاتنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك