محاولة المملكة العربية السعودية إعادة تسويق رئيس الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان كوجه مدني لنظام سياسي جديد تخاطر بالانهيار تحت وطأة سجله والحقائق على الأرض.
فبينما، وفقاً لمجلة “أفريكان إنتليجنس”، تتودد الرياض بهدوء إلى شخصيات بارزة من تحالف “صمود” بقيادة عبدالله حمدوك وتكنوقراط آخرين، يبقى الرهان الأساسي كما هو: أن جنرالاً مرتبطاً بالحرب والعرقلة والقمع يمكن إعادة تغليفه كركيزة لانتقال مدني.
وبالنسبة للكثير من المدنيين والفاعلين السياسيين السودانيين، يبدو هذا الطرح ليس غير معقول فحسب، بل استفزازياً.
منذ مارس، أفادت تقارير بأن مسؤولين سعوديين عقدوا اجتماعات سرية مع شخصيات رئيسية من “صمود” في الرياض، سعياً لاستقطاب شخصيات مدنية إلى معسكر البرهان.
والمنطق واضح من منظور سعودي: مسار جدة متعثر، والصبر الدولي ينفد، ولا يمكن إلا لجبهة مدنية ذات مصداقية دولية أن تساعد في إعادة إطلاق المفاوضات وإعادة تأهيل البرهان كشريك مقبول.
لكن هذه أقل استراتيجية سلام وأكثر هندسة سياسية من الأعلى، تحاول حل أزمة الشرعية بالمظاهر بدلاً من المحاسبة.
يحذر محللون من أن هذا المشروع يخطئ قراءة الرأي العام السوداني والسمّية السياسية للبرهان بشكل جوهري.
فالرجل ليس حكماً محايداً خرج من فوضى الحرب؛ بل هو أحد مهندسيها الرئيسيين.
فقد دمر انقلابه في أكتوبر 2021 شراكة مدنية-عسكرية هشة أصلاً، وعرقل الانتقال الذي أعقب انتفاضة 2019، وأكد المخاوف من أن الجنرالات لم يقبلوا قط بإشراف مدني حقي.
ومنذ اندلاع الصراع مع قوات الدعم السريع، اتهم البرهان مراراً بالعمل ضد جهود وقف إطلاق النار، وعرقلة المفاوضات، والمراهنة على الحل العسكري بدلاً من التوافق.
وبالنسبة لآلاف السودانيين الذين قُتلوا ونُزحوا وجُوّعوا خلال هذه الحرب، تبدو فكرة أن يقود هو مشروعاً مدنياً الآن انعكاساً قاسياً للواقع.
سلوك القوات المسلحة السودانية تحت قيادته يقوّض كذلك أي محاولة لتلميع صورته.
وثقت جماعات حقوقية ومحققو الأمم المتحدة قصفاً عشوائياً، وغارات جوية على مناطق مدنية، وتجاوزات انتقامية في المناطق المستعادة.
واجه المدنيون المشتبه في تعاطفهم مع الدعم السريع اعتقالات تعسفية وتعذيباً وقتلاً خارج نطاق القضاء.
وحتى مع الأخذ في الاعتبار سجل الدعم السريع الحافل بالفظائع، لا يمكن فصل البرهان مصداقياً عن أفعال قواته.
وأي تحالف مدني مرتبط به رسمياً سيضطر لحمل الكلفة السياسية لتلك الجرائم.
ويبدو أن المخطين السعوديين يقللون أيضاً من عمق انعدام الثقة بين الأوساط المدنية السودانية.
فكثير من الأحزاب السياسية، ولجان المقاومة القاعدية، والجمعيات المهنية ترى البرهان أصلاً الرجل الذي حطم الانتقال ما بعد الثورة وفتح الباب للكارثة الحالية.
ولن يؤدي إدخال حفنة من سياسيي النخبة في إطار توسطت فيه الرياض إلى محو ذكرى الانقلاب، ولا حقيقة أن جزءاً كبيراً من الحركة المدنية السودانية رفضت الوصاية العسكرية باستمرار.
بالنسبة لهم، تبدو “الكتلة المدنية” التي تدور حول البرهان حيلة مصممة لإعادة تغليف الحكم العسكري، لا طريقاً حقياً للديمقراطية.
ثم هناك عامل الإسلاميين.
على مدار الحرب، اتكأ البرهان بشكل متزايد على شبكات النظام السابق للحصول على مقاتلين وتمويل ولوجستيات.
وبعيداً عن كونها هامشاً، أصبحت هذه القنوات الإسلامية الآن محورية لآلته الحربية ودعم ظهره.
وأي خطة مدعومة سعودياً تسعى لتجميع جبهة مدنية أكثر قبولاً حوله ستصطدم حتماً بهذه التحالفات الراسخة.
وكما تقول خلود خير من مركز “كونفلونس أدفايزوري” بالخرطوم: “هناك أشياء كثيرة يتجاهلها السعوديون في خططهم لتجميع كتلة مدنية ‘فرانكشتاين’ حول البرهان، بما في ذلك احتقار البرهان للمدنيين، زائد أن المدنيين لا يثقون بالبرهان بعد انقلاب 2021.
الإسلاميون لن يقبلوا بالخطة وخطوط أموال وأسلحة الإسلاميين لا غنى عنها للبرهان”.
ومحاولة تربيع هذه الدائرة تخاطر بإرضاء لا أحد: لا الإسلاميين، الذين سيقاومون التهميش، ولا المدنيين، الذين سيرون فقط استمراراً للنظام القديم.
وبمحاولتها تصنيع تحالف مدني يدور حول جنرال موصوم بشدة، لا تحل السعودية أزمة الشرعية في السودان بل تعيد إنتاجها.
والمشروع المدني الحقي سيبدأ بإبعاد البرهان والعسكر عن المركز، وإعطاء الأولوية للمحاسبة، والسماح للمدنيين السودانيين بتحديد قيادتهم بأنفسهم دون هندسة من الخارج.
وطالما تصر الرياض على جعل البرهان ركيزة خطتها، فمن المرجح أن تظل جهودها كما يشتبه كثير من السودانيين: محاولة لتغيير التغليف بينما يبقى النظام نفسه على حاله.
كارلا ديفيز صحفية مقيمة في بروكسل.
تكتب عن الشؤون الخارجية لصحيفة “EU Political Report” ولها اهتمام بشرق أفريقيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك