تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة من التصعيد العسكرى مع تزايد المؤشرات على اقتراب مواجهة واسعة حول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، فى وقت تتواصل فيه الهجمات بالطائرات المسيّرة على المدن والمنشآت المدنية، وتتسع رقعة الاشتباكات نحو إقليم النيل الأزرق.
وبينما تحذر الأمم المتحدة وعشرات الدول من مخاطر هجوم محتمل على المدينة الاستراتيجية، تتحدث تقارير ميدانية عن تحركات عسكرية متسارعة لميليشيا الدعم السريع وحلفاءها في عدة جبهات، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من دخول الحرب منعطفاً جديداً قد ينعكس بصورة مباشرة على الوضعين الإنساني والأمني في السودان.
الأبيض.
المدينة التي أصبحت هدفاً استراتيجياًخلال الأسابيع الأخيرة تحولت مدينة الأبيض إلى واحدة من أكثر المدن السودانية حساسية من الناحية العسكرية.
فالمدينة تمثل نقطة وصل رئيسية بين غرب السودان ووسطه، كما تعد مركزاً لوجستياً مهماً لخطوط الإمداد التي يعتمد عليها الجيش السوداني في عملياته بكردفان ودارفور.
ومع تصاعد التوترات، تعرضت المدينة لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مواقع مختلفة داخلها.
وأفادت مصادر محلية بأن غارات متتالية ضربت مواقع قرب سوق القُفة غرب استاد الأبيض، ما أدى إلى سقوط قتيل وعدد من المصابين، بينما امتدت الهجمات إلى مناطق أخرى بينها محيط قيادة الجيش والمجلس التشريعي وسجن المدينة.
وتعكس هذه الضربات تحول المسيّرات إلى أداة رئيسية في الصراع، بعدما باتت تستخدم لاستهداف مواقع عسكرية وخدمية في آن واحد، الأمر الذي يضاعف من المخاطر على المدنيين ويزيد من حالة القلق داخل المدينة.
تحذيرات دولية من سيناريو الفاشرالقلق الدولي بشأن الأبيض لم يعد مقتصراً على التصريحات الدبلوماسية التقليدية، بل تطور إلى تحذيرات مباشرة من احتمال تعرض المدينة لهجوم واسع النطاق.
فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش عن قلقه إزاء التقارير التي تحدثت عن حشود وتعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، فيما دعت الأمم المتحدة و29 دولة قوات الدعم السريع إلى الامتناع عن شن أي هجوم على الأبيض.
وتستند هذه المخاوف إلى التجربة السابقة في مدينة الفاشر، التي شهدت حصاراً طويلاً ومعارك عنيفة خلفت خسائر بشرية وموجات نزوح واسعة.
ويرى مراقبون أن تكرار السيناريو نفسه في الأبيض قد يؤدي إلى كارثة إنسانية أكبر نظراً للكثافة السكانية للمدينة وأهميتها الاقتصادية والتجارية.
المسيّرات توسع دائرة الحرببالتوازي مع التهديدات المحيطة بالأبيض، شهدت ولاية النيل الأبيض تصعيداً لافتاً في الهجمات الجوية.
ففي مدينة كوستي أعلنت سلطات الولاية مقتل مدني وإصابة 14 آخرين إثر استهداف محطة وقود بطائرة مسيّرة.
ويأتي الهجوم ضمن سلسلة ضربات طالت خلال الأشهر الماضية مرافق خدمية ومنشآت مرتبطة بالطاقة في مدن كوستي وربك وكنانة.
وتسببت هذه الهجمات في إحداث أضرار واسعة بالبنية التحتية الحيوية، كما أسهمت في تفاقم أزمة الوقود وعرقلة حركة النقل والإمدادات في عدد من الولايات.
ويشير مراقبون إلى أن استهداف منشآت الوقود والطاقة لم يعد مجرد عمل عسكري محدود، بل أصبح جزءاً من استراتيجية تستهدف إضعاف القدرات اللوجستية للطرف الآخر وإرباك حركة الإمداد في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
النيل الأزرق.
جبهة جديدة تشتعلوفي تطور ميداني آخر، أعلنت قوات تابعة لتحالف" تأسيس"، الذي يضم الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، سيطرتها على منطقة سركم جنوب غرب سالي بإقليم النيل الأزرق.
وأكدت قيادات ميدانية أن العملية أسفرت عن السيطرة على مواقع عسكرية والاستيلاء على مركبات قتالية وأسلحة، في حين لم يصدر تعليق رسمي فوري من الجيش بشأن هذه التطورات.
ويأتي هذا التقدم بعد أشهر من المواجهات المتصاعدة في الإقليم، حيث تحولت مناطق النيل الأزرق إلى ساحة اشتباكات مفتوحة بين الجيش من جهة وقوات الدعم السريع وحلفائها من جهة أخرى.
ويرى محللون أن أهمية التحركات الأخيرة لا ترتبط فقط بالمكاسب الميدانية المباشرة، وإنما بكونها تفتح جبهة ضغط إضافية على الجيش في وقت يواجه فيه تحديات متزايدة في عدة ولايات.
في ظل هذه التطورات العسكرية، يواصل الوضع الإنساني التدهور بصورة متسارعة.
وتشير تقارير منظمات محلية ودولية إلى أن العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة تسببت في تعطيل حركة السلع والمواد الغذائية، بينما أدى استهداف البنية التحتية إلى زيادة معاناة السكان من نقص الخدمات الأساسية.
كما تشهد مناطق واسعة في كردفان والنيل الأزرق موجات نزوح مستمرة، مع فرار آلاف المدنيين من القرى والمناطق القريبة من خطوط القتال.
وتزداد المخاوف من أن يؤدي أي هجوم واسع على الأبيض إلى نزوح جماعي جديد قد يفوق قدرات المنظمات الإنسانية على الاستجابة.
معركة مفصلية قد تعيد رسم المشهديرى متابعون للشأن السوداني أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحرب تدخل مرحلة أكثر تعقيداً واتساعاً.
فالهجمات بالمسيّرات لم تعد تقتصر على الأهداف العسكرية، والتحركات الميدانية في النيل الأزرق وكردفان تكشف عن محاولات متبادلة لتحسين المواقع الاستراتيجية قبل أي مواجهة كبرى محتملة.
وبينما تتكثف الضغوط الدولية لمنع اندلاع معركة واسعة في الأبيض، تبقى المؤشرات الميدانية مفتوحة على جميع الاحتمالات، خاصة مع استمرار الحشود العسكرية وتبادل الهجمات في أكثر من جبهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك