اكتسبت منهجية علم المواطن في السنوات الأخيرة زخما ملحوظا، وأصبحت أداة متنامية الأهمية في أبحاث البيئة والحفاظ على التنوع الحيوي واسعة النطاق.
وتقول الباحثة في مجموعة أبحاث البيئة التطورية بمركز هون-رين للبحوث البيئية المجري، زوشكا فاشارهيلي، إن" علم المواطن، أو ما يُعرف أحيانا بالعلوم التشاركية أو علم المجتمع، هو مفهوم قديم يقوم على إشراك الأفراد من غير المتخصصين في الأبحاث والمشاريع العلمية، من خلال إرسال الصور والتسجيلات الصوتية والملاحظات الميدانية، بل وأحيانا المساهمة في تحليل البيانات نفسها التي يصعب على الباحثين إدارتها بمفردهم".
وتضيف في حديثها للجزيرة نت أنه" رغم أن هذا النوع من المشاركة كان يحدث قبل قرون بصورة غير منظمة ودون عمليات مراجعة علمية دقيقة، فإنه أصبح اليوم منهجية معترفا بها في العديد من المجالات البحثية، بما في ذلك علم البيئة وبيولوجيا الحفاظ على التنوع الحيوي".
وتكتسب البيانات التي يجمعها المواطنون أهمية خاصة لأنها توفر كميات ضخمة من المعلومات تغطي مساحات جغرافية واسعة وفترات زمنية طويلة، وهي بيانات يصعب على العلماء وحدهم جمعها بسبب ما تتطلبه من وقت وتكاليف كبيرة.
لكن رغم مزاياها العديدة، تكشف دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في مجلة" بيبول آند نيتشر" (People and Nature)، أن بيانات علم المواطن تعاني في معظم الأحيان من عدد من القيود المنهجية، من بينها تفاوت جهود الرصد بين المناطق المختلفة، واختلاف جودة البيانات من مشارك إلى آخر، فضلا عن أشكال مختلفة من التحيزات، مثل تحيزات الاكتشاف أو الإبلاغ، والتحيزات المرتبطة بالمشاركين أنفسهم.
ملاحظات المواطنين تحت المجهرلمعالجة هذه الإشكالية، سعت المؤلفة الرئيسة للدراسة وفريقها البحثي بقيادة مركز هون-رين، إلى تحديد المتغيرات البيئية والاجتماعية-الاقتصادية التي تؤدي إلى ظهور أنماط غير عشوائية في توفير البيانات، وتتحكم في عدد الملاحظات التي يرسلها المشاركون ضمن مشروعات علم المواطن.
ولتحقيق ذلك، أطلق الباحثون تعاونا وطنيا غير مسبوق بين مشروعات علم المواطن المعنية بالبيئة والحفاظ على الطبيعة في المجر.
وقد أتاح هذا التعاون إمكانية تحليل قواعد بيانات مكانية تفصيلية تضم سجلات 17 مشروعا مختلفا تغطي المناطق الجغرافية نفسها.
وطبَّق الباحثون نهجا مبتكرا يقوم على مقارنة قاعدة بيانات تضم أكثر من 300 ألف ملاحظة جُمعت عبر المشروعات مع بيانات إدارية مستقلة صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء المجري على مستوى البلديات، تضمنت معلومات عن الدخل والتعليم والتركيب السكاني والكثافة السكانية ونسبة المناطق المحمية.
وشملت قاعدة بيانات علم المواطن مشروعات متخصصة في رصد مفصليات الأرجل والرخويات والزواحف والطيور والثدييات، إضافة إلى الجداول والبرك المائية.
وبصورة مبسطة، سعى الباحثون إلى معرفة ما إذا كانت خصائص السكان المحليين والبيئات المحيطة تؤثر بشكل منهجي في نشاط المشاركين، والذي يختلف بدرجة كبيرة تبعا لأهداف المشروعات وموضوعاتها وخصائصها المختلفة.
كما أتاحت منهجية التحليل التلوي المستخدمة تحديد عوامل خاصة بكل مشروع على حدة تؤثر في أنماط المشاركة، إلى جانب عدد من الاتجاهات العامة تنطبق على مجمل المشروعات، مما جعل النتائج قابلة للتطبيق على مستويات متعددة.
أظهرت نتائج التحليل أن المشاركة في المشروعات لا تحدث بصورة عشوائية.
فقد تبين وجود علاقة إيجابية بين مستوى نشاط المشاركين ونسبة المناطق الطبيعية المحمية، إذ تتلقى البلديات التي تضم نسبا أعلى من المناطق الأكثر حماية بيئية، وبالتالي الأكثر طبيعية، عددا أكبر من الملاحظات مقارنة بعدد السكان.
ورغم أن الدراسة لم تكن مصممة لتحديد السبب المباشر لهذه العلاقة، تعتقد زوشكا أن المتطوعين ينجذبون بطبيعتهم إلى البيئات الغنية بالتنوع الحيوي والأنواع النادرة أو اللافتة للاهتمام.
وتضيف أنه" حتى في المشروعات التي تعتمد على جمع البيانات من محيط منازل المشاركين، يمكن توقع وجود نظم بيئية أكثر تنوعا وأنواع أكثر ندرة بالقرب من المناطق المحمية، وهو ما قد يفسر ارتفاع عدد الملاحظات المسجلة فيها".
أما كثافة السكان فقد أظهرت نمطا أكثر تعقيدا.
ففي التحليلات العامة، ارتبطت الكثافة السكانية المرتفعة بانخفاض المشاركة، وتبين أن المناطق الأقل كثافة سكانية والأكثر احتواء على مساحات محمية وطبيعية تحظى بمعدلات رصد أعلى مقارنة بغيرها.
لكن هذا التأثير اختفى بعد استبعاد العاصمة بودابست من التحليل باعتبارها المنطقة الأكثر تحضرا وكثافة سكانية مقارنة ببقية المناطق.
وبعد هذا التعديل، تقول زوشكا: " وجدنا أنه خارج العاصمة المجرية، ارتبط كل من مستوى التعليم ونسبة كبار السن في السكان بزيادة معدلات المشاركة في مشروعات علم المواطن".
اختلافات من مشروع إلى آخرلم تقتصر نتائج الدراسة على الاتجاهات العامة، بل كشفت أيضا عن أنماط أكثر تفصيلا على المستويات المحلية.
فعلى سبيل المثال، أظهرت المشروعات التي تعتمد على ملاحظات ميدانية تُجمع من الحدائق المنزلية الخاصة علاقة إيجابية ملحوظة مع نسبة الأطفال في السكان، وهو نمط لم يُلاحظ في أنواع المشروعات الأخرى.
ومن النتائج اللافتة أيضا أن المشروعات التي تركز على موائل بيئية محددة كانت تميل إلى تلقي عدد أكبر من الملاحظات من البلديات ذات المستويات الأقل من التعليم والدخل، وهو ما قد يرتبط بانخفاض مستويات التحضر في تلك المناطق.
وتستشهد فاسارهيلي بمشروع فريقها البحثي الخاص، المعروف باسم" موسكيتو مونيتور" (Mosquito Monitor)، والذي يركز على رصد أنواع البعوض الغازية.
وتوضح أن هذه الأنواع تفضل البيئات التي يهيمن عليها النشاط البشري، سواء بسبب توافر أماكن التكاثر أو لاعتمادها على دم الإنسان كمصدر للغذاء".
وتضيف: " مع انتشار هذه الأنواع في أنحاء البلاد، لاحظنا أيضا تزايد قلق السكان بشأن احتمالات تفشي الأمراض المرتبطة بها، وهي مخاطر تؤثر بدرجة أكبر في المناطق الحضرية المكتظة".
وتوضح الباحثة أن هذه العوامل تفسر سبب تلقي المشروع عددا أكبر من الملاحظات من البلديات ذات الكثافة السكانية الأعلى والمستويات الأعلى من التعليم والدخل ومتوسط الأعمار الأكبر، وهي مؤشرات ترتبط عادة بالبيئات الحضرية.
كيفية التعامل مع التحيزاتلا تقتصر أهمية الدراسة على توضيح كيفية توزيع بيانات علم المواطن، بل تقدم أيضا أدلة قوية تدعم الرأي القائل بأن هذه البيانات ليست محصنة ضد التحيزات.
ومع ذلك، لا يمكن تحديد عامل واحد مسؤول عن هذا التحيز في جميع مشروعات علم المواطن، إذ أظهرت كل مبادرة نمطا خاصا من العلاقات بين خصائص البيئة والسكان ومستوى المشاركة.
ولذلك يحذر الباحثون من تعميم النتائج الخاصة بمشروع معين على جميع المشروعات، مع التأكيد على أن الاستفادة القصوى من هذه البيانات تتطلب فهم العوامل التي تؤثر في إنتاجها، وأخذ هذه العوامل في الحسبان بصورة واعية عند تصميم المشروعات وتحليل نتائجها واستخدامها في دعم قرارات الحفاظ على التنوع الحيوي وإدارة البيئة.
وتؤكد زوشكا أنه" لا توجد حلول عالمية تصلح لجميع الحالات"، مشيرة إلى أن" التحيزات يمكن أخذها في الاعتبار منذ مرحلة التخطيط للدراسة، كما يمكن الحد منها أثناء استقطاب المشاركين من خلال تكثيف الحملات التعريفية في المناطق الأقل نشاطا.
ومن الضروري أيضا مراعاة هذه التحيزات عند التحقق من البيانات وتقييم جودتها".
وإضافة إلى ذلك، تشير إلى وجود مجموعة متنوعة من الأساليب الإحصائية التي يمكن استخدامها لتصحيح هذه التحيزات أو الحد من تأثيرها أثناء تحليل البيانات وتفسير النتائج.
وترى الباحثة أن مسؤولية التعامل مع هذه التحديات تقع على عاتق جميع الباحثين الذين يستخدمون بيانات علم المواطن، من خلال اختيار المنهجيات الأكثر ملاءمة لطبيعة كل مشروع.
في النهاية، تأمل زوشكا وزملاؤها أن تسهم نتائجهم في تقديم رؤى جديدة يمكن أن تساعد العلماء في بلدان أخرى على تحسين منهجيات وتصميمات مشروعات علم المواطن المستقبلية أكثر كفاءة، وتفسير نتائجها بصورة أكثر دقة وموضوعية من خلال مراعاة هذه التحيزات أو ما يماثلها.
من خلال تحليل أكثر من 300 ألف ملاحظة، وجد الباحثون أن بعض الفئات والمناطق تسهم بقدر أكبر في جمع البيانات، ما يشير إلى وجود تحيزات منهجية ينبغي مراعاتها عند استخدام هذه المعلومات في أبحاث البيئة والتنوع الحيوي وصنع القرار البيئي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك