حسن العبدالله شاعر الحيرة الخلاقة، شاعر التردد الوجودي، في ما كتب وما لم يكتب، وربما ما يكتبه الآن في جنة الشعر.
كان على حيرة من كل أمر، ولا أخاله تمكن يوماً من البت في شأن هذه الحيرة، التي كثيراً ما عرفها شعراء كبار.
ولعلها أسهمت في جعله في حال من الظن والشك اللذين هما في أصل المعرفة، فلسفة وشعراً.
لم يكن شاعر يقين، ولا شاعر أيديولوجيا، فرداً كان، ولو انتمى خلال سنوات سابقة إلى حياة حزبية، ثم في سنوات لاحقة إلى بيئته الأم، البيئة الجنوبية، الأهلية، التي وجد فيها ما يركن إليه، بعدما سقطت معظم الأفكار التي تبناها والمنادية بالعدالة والمساواة والحرية وسواها.
ولم يكن يضيره البتة، أن يعيش جنوبياً في قريته الخيام، وفي بيروت وتحديداً شارع الحمراء.
يحتل حسن العبدالله موقعاً خاصاً به على خريطة الشعر اللبناني الحديث، وفي حركة شعراء الجنوب التي انطلقت في السبعينيات وسط الحرب التي دأبت إسرائيل على شنها على لبنان، وترسخت بعيد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.
فهو التزم قضية الجنوب في أوج صعود الحركة الشعرية الفلسطينية، لا سيما في بيروت السبعينيات ومطلع الثمانينيات، حين كان محمود درويش وجمع من الشعراء" الشباب" حينذاك يصنعون المشهد الشعري الجديد، ومنهم فلسطينيون وعرب، مثل سعدي يوسف، وسليم بركات، ورسمي أبو علي، وعلي فودة، وأمجد ناصر، ونوري الجراح، وسائر شعراء مجلة" رصيف".
لكن المشهد ما برح أن تشتت في المنافي غداة الاجتياح الاسرائيلي الذي بلغ بيروت، بعد رحيل هؤلاء الشعراء واصل شعراء الجنوب اللبناني مسارهم، ولكن متجهين نحو شعريات ذات سمات مختلفة، غنائية ووجودية، ترتبط بالالتزام الجنوبي، وتنفصل عنه في وقت واحد.
وكان بين هؤلاء الشعراء محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع وجودت فخرالدين وسواهم، وطبعاً حسن العبدالله.
خلال فترة الشعر الملتزم جنوبياً كتب حسن قصائد مناضلة، غنائية، طالعة من قلب المعاناة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية العدوانية، ومن صميم التجربة الإنسانية والسياسية الطامحة إلى التحرر من الطغمة الرأسمالية.
خلال مساره الشعري لم يصدر حسن العبدالله سوى أربعة كتب، ثلاثة دواوين وقصيدة طويلة عنوانها" الدردارة"، ضمها كتاب منفرد.
وبعيد رحيلها أصدرت له دار التكوين، كتاباً يضم المقطوعات الأخيرة التي كتبها قبل مرضه وخلاله بعنوان" ظل الظل".
وما تجدر الإشارة إليه، ان العبدلله ألف كتباً كثيرة في أدب الطفل، قصصاً وقصائد، كان لها أثرها العميق في هذا الأدب.
لكنه على رغم قلة ما نشر، قياساً إلى شعراء جيله، " شعراء الجنوب"، كان شاعراً حقيقياً، متفرداً بنفسه، كما بلغته الشعرية وأجوائه.
وقد غنى له مارسيل خليفة أغنيتين تنتميان إلى مناخ الحرب الأهلية التي كان حسن واحداً من الذين خاضوها من بعيد وسياسياً فقط، عبر انتمائه إلى الحزب الشيوعي اللبناني.
وعرفت الاغنيتان بصوت خليفة وموسيقاه نجاحاً كبيراً خلال سنوات الحرب، وهما" من أين أدخل في الوطن"، و" أجمل أمهات".
وعلى رغم الطابع النضالي للقصيدتين، كان حسن بعيداً كل البعد من النضال العملي أو المباشر، ولم يكن قادراً هذا الشاعر الرقيق، على ما أظن، أن يطلق رصاصة في الحرب.
حتى شيوعيته كانت إنسانية، ومثاله فيها شعراء اليسار العالمي من أمثال لوركا وبابلو نيرودا وناظم حكمت.
لا أعتقد أن حسن خلال شيوعيته اهتم كثيرا بـ" البيان الشيوعي" ونظريات لينين، ولعله جاء إلى الشيوعية من" بوابة الفقراء" كما يقول في قصيدة له، ومن طريق الطبقة البروليتارية التي تسعى إلى نيل حقوقها.
فهو ظل خلال هذه الشيوعية يحافظ على إيمان داخلي لم يتخل عنه.
ولكن بعد انتهاء المعارك وفتح المناطق بعضها على بعض، وحلول ما يسمى السلام الموقت، كتب حسن يعتذر من الأمهات اللبنانيات اللاتي فقدن أبناءهن في الحرب واللاتي كتب عنهن قصيدته الشهيرة" أجمل الأمهات"، وفيها يقول" أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها.
فعاد مستشهداً/ فبكت دمعتين وورداً/ ولم تنزو في ثياب الحداد".
كتب يقول أن أجمل الأمهات هن اللاتي يربين أولادهن ويفرحن بهم وبحياتهم وبحملهم الشهادات، واعتذر أيضاً عن قوله" في يدنا يلمع الرعب قرب هذا الدمار العظيم"، وأعلن: " لا أريد خراباً ولا رعباً، ولا رصاصاً، أريد الحياة والعدالة والسلام".
كان حسن شاعراً فريداً، شاعراً في حياته كما في قصائده، في طفولته الدائمة، الخفية والمعلنة، في براءته التي بها انتصر على العالم، وفي بارقة الأمل التي لم تنطفئ في قلبه.
كان يقطر شعراً، في نظراته وأسئلته ودهشته الدائمة، في حكاياته المرتجلة وحكمه الفطرية التي كان يطلقها، حتى في حبه كان شاعراً.
بل لعله حاول أن يجعل من الشعر مدرسة في الحياة وعيش الحياة شعرياً.
أصدر ديوانه الأول" أذكر أنني أحببت" عام 1972، وبدا في نسيجه الشعري، مختلفاً عن الشعر التفعيلي الذي كان سائداً حينذاك، على رغم تأثره البعيد بالشاعر العراقي الرائد بدر شاكر السياب.
حمل هذا الديوان مواصفات شعرية خاصة، سواء في لغة القصائد وشكلها وإيقاعاتها واستيحاءاتها، أم في نظرة حسن الشخصية كشاعر إلى العالم والحياة، وإلى الموت والماوراء.
وقد اختلطت في قصائده ملامح الشعر الريفي أو الرعوي المشبع بروح الطبيعة وبملامح الحداثة المتمثلة بصدمة الحضارة الجديدة، خصوصاً صدمة الزيف المديني والحياة الاصطناعية، إضافة إلى النزعة الالتزامية التي تزرع في الشعر نبرة الرفض والحلم بالتغيير وتحقيق العدالة.
ولم يهمل الشاعر الحب فأغرق فيه، مستعيداً أسطورة قيس وليلى التي أبدع في استيحائها، فهو كان على علاقة متينة بالشعر العربي الكلاسيكي، ورواده الكبار.
بعد تسع سنوات، أي عام 1981، أصدر الشاعر قصيدته الطويلة" الدردراة"، وهي عبارة عن بركة ماء وسط غابة من شجر الدردار في بلدته الخيام الجنوبية.
قصيدة ذات نفس ملحمي تحتفل بالأرض والطبيعة والإنسان احتفالاً شعرياً ووجودياً ووجدانياً في آن واحد، ولم تخل من بعض السيرة الذاتية للشاعر نفسه، ومن هويته كإنسان مزروع في التربة، مثل شجرة تضرب جذورها في أديم الكون نفسه.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لكن المفاجئ أن حسن غاب بعد هذه القصيدة 18 عاماً ليعود بديوان جديد مختلف كل الاختلاف عن تجربته السابقة، عنوانه" راعي الضباب".
في هذا الديوان بدا حسن كأنه يؤسس تجربة جديدة فعلاً، من ناحية اللغة والمضمون والأسلوب.
ابتعد من القصائد الطويلة وأعاد صياغة مفرداته أو معجمه الشعري المفعم بعناصر الطبيعة وعالم الطفولة، وخرج بقصائد يمكن وصفها بالواقعية الشعرية التي تقارب العالم بنظرة أليفة وطريفة، وتضفي عليه طابعاً وجدانياً عميقاً.
وفي عام 2012 أصدر حسن ديوانه الأخير" ظل الوردة"، الذي واصل فيه لعبته الجديدة نفسها، ساعياً إلى توسيع آفاق الواقعية الشعرية التي تميز بها فعلاً.
في السنوات الأخيرة أصيب حسن بداء في الرئتين، مما جعله يخفف من التدخين الذي يدمن عليه، ثم استخدام آلة التنفس والأوكسيجين.
ونظراً إلى علاقته الوطيدة بالمقاهي، مقاهي الحمراء والروشة خصوصاً، كان يصر على المجيء إلى مقهى صغير جداً في آخر الحمراء افتتحته له خصيصاً الرسامة والشاعرة خيرات الزين، في الطابق الأرضي من المبنى الذي تسكنه.
كان يجلس حسن كل يوم في المقهى، يدخن قليلاً على رغم آلة التنفس ويكتب ويكتب.
ثم كان ينشر ما يكتبه على" فيسبوك"، شعر حسن أن الوقت بدأ يفوته وأحس أنه كتب قليلاً، فراح يحاول التعويض عما فاته.
كان حسن قارئاً نهماً في حقل الشعر والأدب العربيين كما في حقل الآداب العالمية والفلسفة والعلم والفيزياء وعلم الفضاء، كان يقرأ بالعربية ويعتمد الترجمات العربية من شتى اللغات، وخصوصاً اللغة الفرنسية التي قرأ معظم كبارها من شعراء وأدباء وروائيين وفلاسفة.
في عام 2001 دعانا مركز الشعر الدولي في مرسيليا إلى المشاركة في محترف للترجمة، وكنا أربعة شعراء لبنانيين وأربعة فرنسيين: بول شاوول وحسن عبدالله وإسكندر حبش وكاتب هذه السطور.
وكان معنا أربعة شعراء فرنسيين بإدارة الشاعر جان شارل دو بول، لم يكن حسن يجيد الفرنسية، لكنه شارك بحضوره الرائع وملاحظاته الصوتية والإيقاعية.
وقد ترجمنا له في عمل جماعي أربع قصائد هي: لقاء في يوم بارد، ومشهد بدوي، وغياب، وسوء تفاهم.
كان حسن يندهش عندما نقرأ قصائده بالفرنسية، يصغي ويرافق القراءة بحركة يديه التي كانت ترافقه أصلاً في قراءته العربية.
وعندما أحيينا أمسية شعرية بعد انتهاء المحترف، سحر حسن الجمهور الفرنسي بإلقائه قصيدة" مشهد بدوي" بالعربية، بعد قراءتها بالفرنسية.
وطالبه الجمهور ثلاث مرات بقراءتها بالعربية بعدما فهموها بالفرنسية، وكان حسن يدهشهم بلعبه الإيقاعي الجميل على كلمتي الخيمة والغيمة.
مررنا بباريس قبل مرسيليا، وكانت دهشة حسن كبيرة، فهو في بلاد الشعراء والروائيين والفلاسفة الذين يحبهم، والذين قرأهم مترجمين إلى العربية.
كنا نتنزه في" شارع" ديز إكول" فمررنا بتمثال للفيلسوف مونتاني ينتصب إلى جانب حديقة، قلت لحسن هذا صديقك مونتاني الذ ي قرأته بالعربية، اندهش حسن وصاح: مونتاني.
وكم كانت دهشته كبيرة أيضاً عندما دخلنا مكتبة جوزف جيبير الشهيرة، فرأى كتباً كثيرة قرأها بالترجمة العربية، فكان يحمل الكتب ويقرأعناوينها بفرنسيته التي تعود لسنواته الدراسية الثانوية والتي نسيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك