قناة القاهرة الإخبارية - بوتين يهدد خصوم روسيا: قبضتنا جاهزة لـ"رد خاطف" ضد أي تهديد قناة الجزيرة مباشر - شبكات | مقتل شرطي من أصل جزائري في إطلاق نار بكندا رويترز العربية - فانس وروبيو يبحثان مع عون آلية لترسيخ الهدنة في لبنان رويترز العربية - قرار للأمم المتحدة يدعو لمحاسبة مرتكبي الهجمات على قوات حفظ السلام وكالة الأناضول - إعلام إسرائيلي يتحدث عن وصول ممثلين لقوات مغربية مشاركة بقوة استقرار غزة DW عربية - القارة العجوز تحترق.. موجة حر تاريخية تضرب أوروبا القدس العربي - بسبب استمرار موجة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية: نقابة مغربية تدعو إلى مسيرة شعبية الأحد المقبل القدس العربي - إعلام إسرائيلي يتحدث عن وصول ممثلين لقوات مغربية مشاركة بقوة استقرار غزة القدس العربي - موريتانيا تخوض معركة الدفاع عن سياساتها تجاه المهاجرين العربية نت - "ميتا" تطلق فئة اقتصادية من النظارات الذكية بأسعار تبدأ من 299 دولارًا
عامة

أستاذ بمئزر النادل في مدارس النُّخبة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

أخرج من حقيبته المدرسية قنينة نبيذ فاخرة ووضعها على الطاولة. تحوّلت قاعة الدرس إلى وشوشات وضحكات مكتومة وأفواه فاغرة، قبل أن يلتفت أستاذ الجغرافيا مذهولاً أمام الاستفزاز الصادم الذي أذكته ابتسامة المُ...

أخرج من حقيبته المدرسية قنينة نبيذ فاخرة ووضعها على الطاولة.

تحوّلت قاعة الدرس إلى وشوشات وضحكات مكتومة وأفواه فاغرة، قبل أن يلتفت أستاذ الجغرافيا مذهولاً أمام الاستفزاز الصادم الذي أذكته ابتسامة المُراهق الساخرة، ونظراته الآخذة في التحدي.

بعد ثلاثة أيام من توقيفه، عاد التلميذ المُشاغب أكثر تفرعناً؛ بطلاً بين رفاقه.

حتى المديرة أجلسته في مكتبها مهادنةً له، في نوع من التملّق الرخيص؛ بينما أُجبرت أستاذةُ اللغة العربية على توقيع استقالتها بعد شهرين من الحادثة، لأنّها لم تستطع أن تتحكّم في أعصابها أمام تنمّر رهط من المراهقين والمراهقات.

حدث هذا في مدرسة خصوصية من مدارس النُّخبة التي اشتغلتُ فيها أستاذاً لمادة الفلسفة.

تحمل المدرسة اسم كاتب فرنسي مثل شعار نبالة، تدور به حافلاتها البرتقالية في العاصمة الرباط كإشهار مُتنقّل، من دون أن يعني الاسم شيئًا في الحقيقة، سوى مظهراً من مظاهر البريستيج الصارخ.

يُعامل التلميذ في هذه المدارس كزبون المطعم الفخم، بينما الأستاذ هو النادل المطيع، والمدير ذاك الشخص الذي يراقب خلف آلة صرف النقود.

ففي عدد غير قليل من تلك المدارس، يُعيد التعليم المغربي اختراع نفسه من جديد.

أحياناً، خارج حساب التربية والمعرفة واللغة الأم، ولربّما حتى" الهُوية".

تفرض النزعة الاستهلاكية منطقها الخاص بالقوّة، وهي بذلك قادرة على إعادة تعريف كلّ ما يمت إلى التعليم والتربية بصلةيلتقط الطلاب المغاربة المُفَرْنَسون الرسالة سريعاً، حال ولوجهم ممّرات تلك المؤسّسات.

فبينما الرسوم تُدفع وأسرة التعليم تخدم في حرص بالغ على زبائنها، فإنّ القواعد كلّها قابلة للتفاوض.

لا يعود الطالب مُتعلّماً، بقدر ما يغدو مُستهلكاً صغيراً.

تحوّل يلغي كلّ تصوّر ترسّخ في عقولنا منذ زمن عن المنطق التربوي.

فالنزعة الاستهلاكية تفرض منطقها الخاص بالقوّة، وهي بذلك قادرة على إعادة تعريف كلّ ما يمت إلى التعليم والتربية بصلة، ودفعه إلى خارج دائرة المعقول.

حيث يصبح مسخاً، وضرباً من العبث.

ينفلت تلميذ القسم من صورته الراسخة في الأذهان، ذاك الذي يمتثل ويطيع ويخطئ ويقبل حدود القاعة والقانون ليتحوّل إلى مستهلك، بل ويملك ترف الاعتراض على معلّميه وتقييمهم، والانزعاج منهم واستبدالهم بما يرضي مزاجه.

تحت ثقل الاختبار هذا بين بائع ومستهلك يتحوّل الأستاذ (الذي قال فيه الشاعر تقديراً لنبل رسالته: " قم للمعلم وفّه التبجيلا.

كاد المعلم أن يكون رسولا" ) إلى محض عامل بائس في خدمة سيده.

المال لا يشتري الشهادة الدراسية فقط، بل الفرص أيضاً والتأطير الأكثر جودةليس هدف المدرسة" الماركتينغيّة" هو تكوين عقول نقدية أو تخريج طلاب أذكياء متفوّقين وموهوبين؛ فلاسفة وعلماء نفس أو أدباء وباحثين في المعرفة، بل جعل نفسها جواز مرور سهل إلى وظيفة المستقبل؛ إذ تعرف بحسّها التجاري كيف تقدّم خدمة عملية، تهيّء الطالب إلى سلوك الطريق الأكثر فعالية نحو الوظائف المرموقة التي يطلبها مجتمع استهلاكي يسترخي تحت المظلّة الرأسمالية.

فالمال لا يشتري الشهادة الدراسية فقط، بل الفرص أيضاً والتأطير الأكثر جودة.

حيث تفتح أمام المُتعلّمين المُرفّهين أبواب الجامعات الخاصة والتداريب المهنية والعلاقات الاجتماعية التي تتحوّل لاحقاً إلى فرص للتوظيف والترقي.

بخلاف المدرسة العمومية، يكاد يكون كلّ شيء هنا مضموناً عند الدفع.

ادفع أكثر تلج سوق الشغل بشهادة مُعترف بها، أكثر قيمة من الشهادات التي يوقّعها عمداء الكلية.

ومن جهة أخرى، ووفقاً لتلك الخطّة، ينجح التعليم الخاص في إعادة" إنتاج الامتياز" داخل المجتمع، وفي ترسيخ الفوقية واستعراضها مقابل احتقار المدرسة العمومية والجامعات التي شُيّدت كالكاتدرائيات لتبجيل المعرفة.

عالمان متباعدان في وطن واحد، يتغنّى بالوحدةفحين يُحوِّل التعليم الخصوصي المعرفة إلى سلعة تحت الطلب، يكون بذلك قد وضع حدوداً شديدة القسوة بين أبناء الشعب، صانعاً مُربّعه الذهبي الذي يشي بالتمييز وهو تمييز طبقي فج بالضرورة.

إذ يُمنع على أبناء الأسر البسيطة الاختلاط بمن ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.

عالمان متباعدان في وطن واحد، يتغنّى بالوحدة؛ عالمٌ لمستقبل مديري الشركات والمال والأعمال والبنوك والمناصب الإدارية العليا، وآخر للأجراء والعمال والعاطلين عن العمل مهما بلغت أحياناً شهادة تخرّجهم.

مع كلّ سنة، ورغم الهالة التي تُحيط بالمدرسة الخصوصية، يواصل التعليم العمومي بأعطابه البنيوية في تحقيق معدّلات باهرة من نتائج البكالوريا؛ لكنها نجاحات تُذكّرني بنجاحي الذي حمل في وجهه الآخر فشلي الدون كيشوتي الذريع.

فلو عاد الزمن إلى الوراء ما كنت تقدّمت للبكالوريا ولا ولجت الجامعة التي تخرّجت منها رافعاً رأسي في ساحتها الكبيرة كنابليون بعد معركة أوسترليتز.

لأظل، زمناً طويلاً، أصارع في بحثي عن وظيفة مناسبة، طواحين الهواء.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك