منذ اندلاع الحرب، ارتفعت سقوف التصريحات الأمريكية والإسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة.
ولم يكن الحديث يدور فقط حول ضربات عسكرية محدودة أو فرض معادلات ردع جديدة، بل تعداه إلى أهداف كبرى جرى تقديمها للرأي العام باعتبارها الغاية النهائية للحرب.
فقد تحدث مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون عن تغيير النظام في إيران، وتفكيك برنامجها النووي، وإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، فضلا عن وقف دعمها لحلفائها في المنطقة.
لكن المتابع لما انتهت إليه الأحداث يلحظ وجود فجوة واسعة بين الأهداف المعلنة في بداية الحرب والنتائج التي أفضت إليها التفاهمات اللاحقة.
فبينما كانت التصريحات تتحدث عن تغيير شامل في موازين القوى، جاءت المؤشرات المتداولة بشأن مذكرة التفاهم لتوحي بأن الأولويات تغيرت، وأن الحسابات السياسية والعسكرية دفعت الأطراف إلى خيارات مختلفة تماما عما كان يعلن في الأيام الأولى.
بل إن بعض البنود التي جرى الحديث عنها في وسائل الإعلام والتقارير السياسية توحي بأن إيران خرجت من المواجهة بصورة مغايرة لما كانت تتوقعه تل أبيب في بداية الحرب.
فحلفاؤها في المنطقة -وعلى رأسهم حزب الله في لبنان- لم يصبحوا جزءا من تسوية تستهدف إنهاء وجودهم أو تقليص دورهم، بل ظهروا وكأنهم حصلوا على نوع من الحماية غير المباشرة، بينما بدت طهران بمظهر الدولة القادرة على فرض معادلات ردع جديدة تقوم على الرد المباشر على أي اعتداء يستهدف حلفاءها الإقليميين.
ولعل ما كان يعد من المحرمات الإستراتيجية قبل الحرب الأخيرة أصبح مطروحا بعد انتهائها، سواء من ناحية القبول بمعادلات ردع جديدة، أو الحديث عن تخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، إضافة إلى منح القطاع النفطي والنظام المصرفي الإيراني مساحة أوسع للحركة، بل وطرح أفكار تتعلق بالمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
هناك من يربط الأمر باعتبارات اقتصادية داخلية، فارتفاع أسعار النفط والوقود يمثل هاجسا لأي إدارة أمريكية، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفيماذا حدث بين بداية الحرب ونهايتها؟كل ذلك يثير تساؤلا مشروعا: ماذا حدث بين بداية الحرب ونهايتها؟ وكيف تحولت الأهداف من مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط إلى تفاهمات تبدو، في نظر بعض الجمهوريين الأمريكيين، أقل تشددا حتى من اتفاق عام 2015 الذي أبرمته إدارة الرئيس باراك أوباما؟السؤال الأهم، وربما الأكثر إثارة، هو: بماذا وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حتى يقبل بهذا التحول الكبير؟هناك من يربط الأمر باعتبارات اقتصادية داخلية، فارتفاع أسعار النفط والوقود يمثل هاجسا لأي إدارة أمريكية، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وهناك من يرى أن طول أمد الحرب واحتمال اتساعها كان سيؤدي إلى خسائر أكبر، الأمر الذي فرض العودة إلى طاولة التفاهمات.
غير أن هذه التفسيرات، رغم وجاهتها، لا تبدو كافية للإجابة عن حجم التحول الذي شهدته المواقف.
فمن غير المنطقي افتراض أن الإدارة الأمريكية لم تضع منذ البداية سيناريوهات ارتفاع أسعار الطاقة أو احتمالات تعثر العمليات العسكرية.
فواشنطن تمتلك مؤسسات وخبراء وأجهزة تقدير موقف تأخذ مثل هذه الاحتمالات في الحسبان قبل اتخاذ القرارات الكبرى.
نهاية صراع أم محطة مؤقتة لإعادة التموضع؟من هنا، يبرز احتمال آخر، وهو أن ما جرى ليس نهاية للصراع، بل مجرد محطة مؤقتة أو إعادة تموضع بانتظار ظروف أكثر ملاءمة.
فالتاريخ الأمريكي حافل بالهدنات المرحلية وإدارة الصراعات طويلة الأمد، وليس من المستبعد أن تكون التفاهمات الحالية جزءا من إستراتيجية أوسع تهدف إلى كسب الوقت أو تجاوز مرحلة معينة تمهيدا للعودة إلى الضغوط العسكرية بأشكال مختلفة.
وربما يكمن الجواب في ملفات أخرى لا ترتبط مباشرة بالحرب ذاتها، وإنما بإعادة ترتيب المنطقة بأكملها.
فالحديث المتكرر عن إحياء اتفاقات أبراهام، وربط الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية بمشاريع إستراتيجية طويلة المدى، يعكس وجود أهداف أكبر من مجرد وقف إطلاق النار أو احتواء الأزمة الحالية.
السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحا ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت بالفعل، بل ما إذا كانت المنطقة تعيش هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة أكثر اتساعا وتعقيداوفي هذا السياق، أثارت تصريحات السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام حول مضيق هرمز وإمكانية فرض ترتيبات جديدة مرتبطة بحركة الطاقة العالمية كثيرا من التساؤلات.
فمثل هذه التصريحات قد لا تكون مجرد آراء شخصية أو مواقف إعلامية عابرة، بل ربما تعكس تصورات أوسع لدى بعض دوائر صنع القرار الأمريكية بشأن مستقبل المنطقة وشكل التوازنات الاقتصادية والإستراتيجية فيها.
لذلك، قد تكون الحلقة المفقودة في المشهد الحالي هي فهم المقابل الذي حصلت عليه إسرائيل، أو الوعود التي تلقتها مقابل قبولها بالتفاهمات الراهنة.
فالتغيير الكبير بين شعارات البداية ونتائج النهاية لا يحدث عادة من دون تفاهمات أعمق أو رهانات مستقبلية أكبر.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحا ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت بالفعل، بل ما إذا كانت المنطقة تعيش هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة أكثر اتساعا وتعقيدا.
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي دائما بتوقيع الاتفاقات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك