فرض مسلسل" ستار سيتي" (Star City) نفسه كأحد أهم مسلسلات عام 2026 قبل حتى عرضه لأنه ينتمي إلى العالم الدرامي الذي أسسه مسلسل" من أجل كل البشر" (For All Mankind) الذي حقق حضورا نقديا وجماهيريا لافتا في مواسمه المتعددة.
يتكون الموسم الأول من" ستار سيتي" من 8 حلقات، ويتولى تطويره بن نيديفي ومات وولبرت بالتعاون مع رونالد دي مور، بينما يضم طاقم البطولة ريس إيفانز، وآنا ماكسويل مارتن، وأغنيس أوكيسي، وأليس إنغلرت، وآدم ناغايتيس، وروبي آشبورن سيركيس، وبريا كانسارا.
ويقدم زاوية جديدة داخل العالم نفسه الذي انطلقت منه السلسلة الأصلية.
الخوف على الأرض أكثر من الفضاءيختلف تعامل" ستار سيتي" مع الفضاء عن تعامل مسلسل" من أجل كل البشر" فهو هنا ليس الحلم الإنساني الكبير الذي يدفع البشر لتجاوز حدودهم، إنما هو ساحة جديدة للخوف والرقابة والصراع السياسي، ويأخذ المتفرج لمشاهدة الجانب الآخر من الإنجاز، حيث يعيش رواد فضاء ومهندسون وضباط استخبارات تحت ضغط دائم من نظام صارم.
تدور الأحداث في عالم بديل، نجح فيه الاتحاد السوفيتي في الوصول إلى القمر قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هذا الانتصار يصبح بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا، داخل مدينة النجوم السوفيتية، وهي مركز تدريب رواد الفضاء، ويتابع المسلسل حياة مجموعة من الشخصيات التي تنتمي إلى دوائر مختلفة داخل برنامج الفضاء، من بينهم" المصمم الرئيسي" العقل المدرب للمشروع الفضائي السوفيتي، والذي يقود جهود الحفاظ على التفوق السوفيتي وسط تدخل متزايد من أجهزة الدولة، وضغوط من ضباط المخابرات المكلفين بالمراقبة والتجنيد.
من أبرز شخصيات المسلسل إيرينا موزروفا (أغنيس أوكيسي)، الشابة التي تبدأ رحلتها داخل منظومة المراقبة السوفيتية، وأنستاسيا بيليكوفا (أليس إنغلرت) التي تتحول إلى رمز دعائي بعد إنجازاتها الفضائية، بينما تمثل ليودميلا راسكوفا (آنا ماكسويل مارتن) الوجه الأكثر صرامة للسلطة، إذ تدير عملية المراقبة وجمع المعلومات داخل مجتمع يبدو فيه الجميع تحت النظر باستمرار، ومع تقدم الأحداث تتقاطع مسارات هذه الشخصيات، في عالم تحكمه الشكوك.
وإذا كان الخطر في معظم الأعمال الفضائية يأتي من الفضاء نفسه، فإن" ستار سيتي" يقلب هذه المعادلة، فهو يلمح باستمرار إلى أن التهديد الحقيقي يوجد على الأرض، فالشخصيات تخشى التقارير السرية والتنصت والاتهامات، وحتى الإنجازات الكبرى تبدو دائمًا محاطة بالتوتر.
قتامة بصرية وصراع يعود من الماضييبني" ستار سيتي" عالمه دراميًا على الخوف السياسي، ويمتد ذلك بالتبعية إلى باقي تفاصيله البصرية والسمعية، فهو يعتمد على الألوان الباهتة والباردة، والتي يغلب عليها الرمادي والبني والأخضر الداكن، بينما تبدو المكاتب وغرف المراقبة والممرات الحكومية كأماكن تخنق الشخصيات، وحتى المشاهد التي يفترض أن تحمل إحساسًا بالإنجاز أو الانتصار، تصور بطريقة تمنع المتفرج من الاحتفال الكامل بها، لأن العمل يذكره بأن كل نجاح يأتي مصحوبًا بثمن ما.
تخدم هذه القتامة موضوعات المسلسل الأساسية أكثر من كونها خيار جمالي، فالجميع في المسلسل يراقبون بعضهم البعض، وكلمة عابرة أو علاقة شخصية تصبح جزءًا من ملفات الشخصيات الأمنية وقد تؤدي إلى وفاتهم مباشرة.
هذا الإصرار على خلق أجواء التوتر المستمر والكآبة في معظم المشاهد جعلت المسلسل أسيرًا لأكثر الثيمات استهلاكًا في السينما والتلفزيون الأمريكي، أي الصراع الأمريكي السوفيتي، فالحرب الباردة على مدار عقود كانت مادة خصبة دراميًا، وظهرت في عشرات الأعمال التي تناولت التجسس والسباق النووي والصراع الأيديولوجي بين القوتين، لذلك يصعب اعتبار العودة إليها اليوم فكرة جديدة أو مفاجأة.
وهذا التنميط والاندماج التام في تحويل المجتمع السوفيتي إلى كابوس بصري سمعي درامي، والتركيز على بيئة الخوف والتنصت والرقابة، مقارنة بمسلسل" من أجل كل البشر" الأكثر دفئا وانفتاحا خيارا ساذجا ومحدودا من صناع العمل، أغلق الأبواب أمام رؤية مختلفة للمجتمع السوفيتي في هذه الفترة، هذا بالإضافة إلى نطق الشخصيات لحواراتهم باللغة الإنجليزية، بدون حتى لهجة سوفيتية ثقيلة، على عكس الكثير من الأعمال الحديثة على المنصات التي تتيح الدبلجة بلغات مختلفة لتضفي على المسلسلات حسا واقعيا، كما شاهدنا في مسلسل" بيت الأرواح" المعروض على برايم مؤخرًا، والذي تم تقديمه باللغة الإسبانية مع إتاحة دبلجة إنجليزية لمن يحب.
الخروج من عباءة" من أجل كل البشر"منذ الإعلان عن" ستار سيتي" بدا من الصعب فصل الحديث عنه عن مسلسل" من أجل كل البشر" فالأول وُلد مباشرة من رحم الثاني، ويتشارك معه العالم الدرامي نفسه، والفرضية التاريخية البديلة التي تعيد تخيل سباق الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
يبذل" ستار سيتي" جهدًا واضحًا لصناعة هويته الخاصة، فهو يستند مثل المسلسل الأصلي على التاريخ البديل كفرصة لاستكشاف إمكانات التقدم العلمي والبشري، وكذلك للغوص في عوالم السلطة والرقابة والخوف السياسي، وهو ما يمنح العمل نبرة مختلفة وأكثر قتامة.
ورغم ذلك لا يمكن تجاهل أوجه التشابه بين المسلسلين، فكلاهما يعتمد على إعادة كتابة التاريخ، ويتعامل مع سباق الفضاء كنقطة انطلاق لفهم تحولات اجتماعية وسياسية أوسع، كما أن العملين يشتركان في الرغبة في النظر إلى الأحداث الكبرى من خلال مصائر شخصيات متعددة تنتمي إلى مستويات مختلفة داخل المجتمع.
ربما يكمن الاختلاف الأبرز في زاوية الرؤية نفسها، فبينما اعتاد المتفرج متابعة الأحداث من الجانب الأمريكي في" من أجل كل البشر" ينقل" ستار سيتي" الكاميرا إلى الطرف الآخر من المعادلة، هذه المقاربة تمنح العمل شخصيات جديدة وتفرض عليه التعامل مع موضوعات أخرى.
ومن نقاط قوة المسلسل إنه لا يشترط معرفة تفصيلية بالسلسلة الأم للاستمتاع به، بالطبع مشاهدة" من أجل كل البشر" تضيف طبقات إضافية من الفهم وتوضح الخلفية التاريخية للعالم الدرامي، ولكن في الوقت نفسه يحرص" ستار سيتي" على تقديم شخصياته وصراعاته بصورة تسمح للمتفرج الجديد بالدخول إلى الأحداث دون شعور بالاغتراب، لينجح المسلسل في إثبات أنه أكثر من عمل مشتق، حتى وإن ظل ارتباطه بالمسلسل الأم أحد أهم أسباب الاهتمام به منذ البداية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك