نواكشوط – «القدس العربي»: في وقت تتصاعد فيه انتقادات الهيئات الحقوقية الأوروبية والدولية لسياسات ضبط الهجرة غير النظامية على ضفاف الأطلسي وفي منطقة الساحل، تجد موريتانيا نفسها مجدداً في مواجهة معركة دبلوماسية وإعلامية للدفاع عن مقاربتها في التعامل مع تدفقات المهاجرين.
غير أن هذه المعركة حظيت هذه المرة بإشادة دولية صادرة عن مجلس حقوق الإنسان في جنيف، اعتبرت أن موريتانيا حقّقت تقدماً ملحوظاً في مجال حماية حقوق الإنسان وتعزيز الأطر القانونية والمؤسسية ذات الصلة.
وبينما يواصل بعض المنتقدين توجيه اتهامات لنواكشوط بشأن إجراءاتها المرتبطة بمكافحة الهجرة غير النظامية، تؤكد السلطات الموريتانية أن سياساتها تستند إلى احترام القانون والالتزامات الدولية، وأنها تتحمل أعباءً متزايدة بحكم موقعها الجغرافي الذي جعلها نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا.
وفي هذا السياق، تسعى الحكومة إلى توظيف ما تحقق من اعتراف دولي داخل أروقة الأمم المتحدة لتفنيد الاتهامات الموجهة إليها وإبراز جهودها في الموازنة بين متطلبات الأمن وحماية حقوق المهاجرين.
ولم تقتصر المواقف الإيجابية التي برزت خلال جلسة جنيف على تقرير المقرر الأممي، بل وجدت دعماً من طرف اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، التي شاركت في أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان بوفد يقوده رئيسها البكاي عبد المالك.
ففي مداخلته خلال الحوار التفاعلي، اعتبر رئيس اللجنة أن ما تضمنه التقرير الأممي يتقاطع مع الملاحظات التي سجلتها المؤسسة الوطنية بشأن التطورات التي شهدها ملف الهجرة في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة، وخاصة على مستوى تعزيز المنظومة القانونية وتوسيع مجالات التعاون مع الشركاء الدوليين العاملين في مجال الهجرة واللجوء.
حصلت على إشادة من مجلس حقوق الإنسان في جنيفوأكد رئيس اللجنة أن الفرق الميدانية التابعة لها لم ترصد، خلال متابعاتها، ممارسات ممنهجة تستهدف المهاجرين أو تمس ممتلكاتهم، مشيراً إلى أن عمليات الاستقبال والإنقاذ التي تتم متابعتها ميدانياً أظهرت حرصاً على توفير الحد الأدنى من الضمانات والحماية للفئات المستهدفة.
وفي الوقت نفسه، لم تقدم اللجنة صورة مثالية أو نهائية عن واقع الهجرة، بل شددت على أن التحديات ما تزال قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بحماية الفئات الأكثر هشاشة مثل النساء والأطفال وطالبي اللجوء.
كما دعت إلى تعزيز آليات التظلم والمتابعة والوقاية في مختلف مراحل الهجرة، بما يضمن معالجة أي اختلالات محتملة قبل تحولها إلى أزمات حقوقية.
الانتقاد بديلا عن التقديرلم يكن ملف الهجرة خلال السنوات الأخيرة من أكثر الملفات راحة بالنسبة للسلطات الموريتانية؛ فبينما تحولت البلاد إلى نقطة عبور واستقبال رئيسية على تخوم الصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي، وجدت نفسها في مواجهة انتقادات حقوقية متكررة تتعلق بظروف توقيف وترحيل المهاجرين غير النظاميين، وبكيفية التوفيق بين مقتضيات الأمن والسيادة من جهة، والالتزامات الإنسانية والدولية من جهة أخرى.
لكن المشهد الذي شهده مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، الاثنين، بدا مختلفاً هذه المرة.
فبدلاً من لغة التحفظات والانتقادات، حمل تقرير المقرر الأممي الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، جهاد ماضي، إشادة واضحة بالجهود الموريتانية في إدارة الهجرة واللجوء، مع التركيز على الانفتاح على اللاجئين، والتعاون مع وكالات الأمم المتحدة، وجهود البحث والإنقاذ ومكافحة شبكات التهريب، إضافة إلى اعتماد مقاربة قائمة على حقوق الإنسان.
خلال عامي 2024 و2025، تعرضت موريتانيا لموجة من الانتقادات الحقوقية والإعلامية الدولية بسبب حملات ضبط المهاجرين غير النظاميين، خاصة بعد تنامي تدفقات المهاجرين القادمين من دول غرب إفريقيا والساحل باتجاه السواحل الموريتانية، التي أصبحت إحدى البوابات الرئيسية للهجرة نحو أوروبا.
كما أثارت بعض عمليات الترحيل الجماعي، وشكاوى مهاجرين ومنظمات حقوقية حول ظروف الاحتجاز أو المعاملة، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الدولية، ووصلت تلك الانتقادات إلى بعض الهيئات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان.
غير أن السلطات الموريتانية تمسكت آنذاك برواية مغايرة، مؤداها أن البلاد تواجه ضغوطاً استثنائية ناجمة عن موقعها الجغرافي، وأن ما تقوم به يدخل ضمن إطار مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، مع الحرص ـ حسب الرواية الرسمية ـ على احترام الضمانات القانونية والإنسانية.
ولم تقتصر الانتقادات الموجهة إلى موريتانيا على المنظمات الحقوقية التقليدية، بل امتدت إلى بعض المنابر الإعلامية الدولية التي ربطت السياسات الموريتانية في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية بالتوجهات الأوروبية الرامية إلى تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للقارة.
فقد وصفت مجلة «ريفيستا» الإسبانية موريتانيا بأنها «تحولت إلى ساحة متقدمة لتجريب سياسات الحد من الهجرة نحو أوروبا»، معتبرة «أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات منذ عام 2025 أثارت تساؤلات حقوقية تتعلق بظروف الترحيل والاحتجاز وتأثيرها على بعض الأُسر والمهاجرين القاصرين».
غير أن السلطات الموريتانية ظلّت تؤكد أن إجراءاتها تنطلق من مقتضيات السيادة الوطنية ومكافحة الجريمة المنظّمة العابرة للحدود، وأنها لا تستهدف المهاجرين بصفتهم الإنسانية، بل تسعى إلى تنظيم تدفقات الهجرة وفق القوانين الوطنية والالتزامات الدولية، وهو الخطاب الذي وجد صداه لاحقاً في الإشادة التي تضمّنها تقرير المقرر الأممي في جنيف.
يصعب فهم السياسة الموريتانية في هذا المجال دون استحضار البيئة الإقليمية المحيطة بها؛ فموريتانيا تقع عند نقطة التقاء ثلاث دوائر ضاغطة هي دائرة الساحل المضطربة أمنياً، خصوصاً في مالي، ودائرة غرب إفريقيا التي تشهد معدلات مرتفعة للهجرة الاقتصادية، ودائرة الضفة الأوروبية التي تسعى إلى تشديد الرقابة على طرق الهجرة غير النظامية.
فقد حول هذا الموقع موريتانيا من مجرد دولة عبور إلى دولة استقبال وإقامة مؤقتة ودائمة لآلاف المهاجرين واللاجئين.
وتشير المعطيات الرسمية التي قدّمها الوفد الموريتاني في جنيف إلى أن البلاد تستضيف أكثر من 400 ألف لاجئ، أغلبهم من مالي، وهو رقم كبير بالنظر إلى عدد السكان والإمكانات الاقتصادية الوطنية.
ما يلفت الانتباه في الخطاب الرسمي الموريتاني خلال السنوات الأخيرة هو محاولة بناء معادلة تجمع بين عنصرين غالباً ما يُنظر إليهما باعتبارهما متعارضين هما حماية الحدود والسيادة الوطنية ومكافحة شبكات التهريب، واحترام حقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.
ومن هنا جاءت سلسلة من الإجراءات شملت تحديث الأطر القانونية المتعلقة بالهجرة واللجوء، وتعزيز التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، وإنشاء آليات متخصصة لمكافحة الاتجار بالبشر وحماية الضحايا.
وتسعى نواكشوط من خلال هذه المقاربة إلى إقناع شركائها الدوليين بأنها لا تمارس سياسة أمنية صرفة، وإنما تدير ظاهرة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والأمنية والتنموية.
رغم أهمية الإشادة الأممية، فإنها لا تعني نهاية الجدل حول ملف الهجرة في موريتانيا؛ فالهجرة تظل من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، خصوصاً في ظل استمرار الأزمات الأمنية في الساحل، وتزايد الضغوط الأوروبية للحد من تدفقات المهاجرين، واستمرار نشاط شبكات التهريب العابرة للحدود.
كما أن الحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن الوطني واحترام حقوق الإنسان سيظل اختباراً دائماً للسلطات الموريتانية، خاصة مع احتمال ارتفاع أعداد اللاجئين والمهاجرين خلال السنوات المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك